إذا عزا واحدا إلى الصحابة والآخر إلى سنة عن النبي ﷺ، صورة ذلك: ما رواه ابن منصور قلت لأحمد: أولاد العرب يسترقون؟ فقال: قال رخص وذكر حديث عائشة وقال ابن مشيش قلت: العرب يسترقون؟ قال: فيه اختلاف، ولكن عمر خطب قال: لا يسترقون. وذكر حديث عائشة وذكر مضر من بني المصطلق من خزاعة. ونظائر هذا في المذهب يكثر، وكل ما كان من جوابه بأن يقول اختلف فيها فقال فيها عمر كذا، وقال عثمان كذا، والسنة كذا، أو لأن الحديث عن النبي ﷺ بكذا، وكل ذلك مستحق فيه الأخذ بما يستند إلى السنة ويدع الآخر ويقطع على أن ذلك خارج عن مذهبه هذا في كل مكان يكون بينه الجواب بنظير هذا الأصل من غير تفسير ولا بيان.
[ ٦٣ ]
وخالف في ذلك بعض أصحابنا فيما كان هذا طريقه فقالوا في قصة عمر في أولاد العرب أنه يقدم على حديث عائشة وبنوا ذلك على أنه إذا كان القول عن الصحابي مطلقا والسنة ظاهرها عاما أو مجملا كان القضاء يتقدمه النص عن الصحابة، فإذا اجتمع عنه الجواب بالاختلاف على هذا الحد كان ما عزاه إلى الصحابة أسبق في المذهب إذ من أصل أبي عبد الله أنه أخذ في الجزية بحديث عمر وقصته دون حديث النبي ﷺ في الدينار وخالف كل المدنيين مع الشافعي وجعل الجزية أربعة دنانير على طائفة ونصفها على أخرى ودينار على طائفة أخرى وكل ذلك اتباع لعمر وإن ترك فيه السنة فكذلك في باب الجواب إذا كان بالأمرين كان الأخذ بقول الصحابي أولا، وهذا كله فلا وجه له. والدليل على ما ذكرنا بدا ما أنباه عنه في كتاب الأصول وأنه قال: إذا اختلفت كانت السنة. وقال في قول الصحابي مع السنة. إنه يؤخذ بالسنة فأبان عن نص مذهبه في ذلك، وليس نريد مما ذكرناه عنه الكلام في السنة البينة مع قضية الصحابيين إلا أولى ثم بعد هذا
[ ٦٤ ]
قررنا في كتاب الأصول ما فيه عنه، وإن الثابت من السنة لا يعارضه بقول الواحد من الصحابة وإن السنة حاكمة وهي فريضة قائمة، فإذا ثبت ما ذكرناه هناك أغنى عن الإعادة، ومن أبين الأشياء أن الصحابة كافة أجمعت على ترك آرائها مع وجود السنة ألا ترى أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ﵈ كل ينقل عنه أنه إذا كان على رأي فروي له الأثر اتبعه وترك رأيه واجتهاده، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
فأما الجواب عن الذي قالوه من مذهب إمامنا في الأخذ بقول الصحابي في أمر الجزية وغيرها فذلك لا يؤثر شيئا أفليس على النبي ﷺ خص ندع بقول واحد من الصحابة، والذي يؤخذ من أقاويل الصحابة مع السنة طريقان:
أحدهما: أن يرد خبر له ظاهر يجمع الصحابة على ترك الأخذ به بمثابة ما نقل في قصة النكاح على القرآن. قال أحمد ﵁ وأبان عن علة الرد له.
[ ٦٥ ]
والطريق الثاني: أن تكون السنة عامة أو مطلقة محتملة وعن الصحابي تفسير في ذلك، فإنا نقول الصحابي فيما يفسر لنا به السنة أن يوقع بيانا على الجملة نظير ذلك ما نقل عن النبي ﷺ أنه قال: ليس فيما دون عشرين دينارا صدقة، وهذا يدخل فيه ما نقص غيرها بما قرب وبعد وقل
[ ٦٦ ]
وكثر، فلنا عن علي ﵇ أنه قال: النقص لا زاد على ثلث مثقال. فأخذنا
[ ٦٧ ]
به. ومن ذلك قوله ﷺ: البيعان بالخيار. قال ابن عمر: فرقة الأبدان، ومن ذلك: النهي عن صيام يوم الشك. قال ابن عمر: يصام احتياطا لرمضان إذا كانت السماء بها غيوم. فإذا ثبت هذا
[ ٦٨ ]
كان ما عداهما مثل سنة ماضية في القضية ثابتة، فإنه لا يلتفت إلى مقالة واحد من الصحابة، وقضية الأثر عن النبي ﷺ في استرقاق العرب خاص لا شبهة فيه، إذ عائشة كان عليها رقاب واجبة، نذرت عتقين من ولد
[ ٦٩ ]
إسماعيل، فأمرها النبي ﷺ بشراء ذلك من سبي مضر وما كان من قضية في بني المصطلق أنه أجرى عليهم السبي وملكهم للصحابة، قسمهم بين المسلمين ثم سألهم حيث جاءوا مسلمين، فعلمت بذلك أنه نص، وكان على قول علي بعدها.
وأما قضية الأثر عن عمر بن الخطاب ﵁ في الجزية فإنه داخل في ذينك القسمين، وإن الدينار مطلق لا يفصل فيه ولا تمييز بين الطالبين، وقضية عمر فصلت وفسرت، وكان بمثابة إخصاص العام بقول الصحابي، والوجه فيه أن عمر أقر الدينار وما نقص وزاد عليه، والزيادة لا شيء عليها في الرد، فأجرينا ما نقل عن عمر ﵁ في بابه على ما ورد، لأنه لا يرد سنة، بل هو في نفسه سنة، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
جواب ثان: وهو أن عمر بن الخطاب في الجزية ما يقول بذلك دون أن يقارنه إجماع أصحابه الأثر كان الأئمة عثمان وعليا ومن اتبع من بعدهما جرى على سننهما من غير مدافعة ولا ريبة، وكان ذلك مما يجب المصير إليه ويقطع على السنة في الفقراء خاصة وبالله التوفيق.
[ ٧٠ ]