قال الحسن بن حامد: الكلام في جوابه بقول التابعين مع الصحابي مشتمل على أقسام:
الأول من ذلك أن يكون مع الصحابي من الاستدلال أقوى مما هو مع التابعين أو مثله، فلا خلاف عنه أن قول الصحابي متقدم.
صورة جوابه في هذا القسم. قال أبو الحارث: كان عمر وابن عباس لا يريان بوطئ المدبرة بأسا.
قال الميموني: ما أعلم أن أحدا قال لا توطأ المدبرة إلا الزهري،
[ ٧١ ]
وابن عمر وابن عباس لا يريان بأسا بوطئها.
ومن ذلك ما قال صالح: قلت لأبي: الرجل يغتسل فيخرج منه المني بعد الغسل، ولما يبل قبل الغسل؟ قال: يروى عن ابن عباس أنه يتوضأ. وقال الحسن: يعيد الغسل. ويروى عن علي ﵇ أنه لم يكن قال أغتسل.
[ ٧٢ ]
وقال صالح: قال أبي: النفاس أربعون، والحجة فيه قول عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص، وعائذ بن عمرو، وأنس بن مالك، وفي قول أهل المدينة: ستون.
ومن ذلك قال الأثرم: قلت له: تزوج على مهر إن جئت به إلى كذا وكذا وإلا فلا نكاح بيننا؟ فقال لي: مسألة قد تكلم الناس فيها فذكرت حديث ابن عباس: النكاح جائز، والشرط باطل. فقال: لو كان يرويه عطاء بن أبي رباح، إنما يرويه عطاء الخراساني.
ومن ذلك ما رواه صالح: سألت أبي عن القنفذ؟ فحدثني وحدثني فذكر حديثين: مجاهد بالحل، وأبو هريرة حرام.
[ ٧٣ ]
ومن ذلك أيضا ما قاله أبو الحارث قلت: بيع المدبرة؟ قال: ما اجترئ عليه لأنه فرج. وقد باعت عائشة.
[ ٧٤ ]
ونظائر هذا تكثر، والمذاهب فيما ذكرناه، وما كان من نظيره إن الأخذ فيه بقول الصحابي دون قول التابعين، وهذا الأصل أدلته في الشرع مع الصحابة أقوى من حيث الأثر والنظر، ألا ترى أن المدبرة على ملك السيد أمته فدخلت في الآية من قوله ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ في قول النبي ﷺ: احفظ عورتك إلا من زوجته أو ما ملكت يمينك. فإذا ثبت هذا كان ما ذهب إليه الزهري فاسدا، لا يوجبه أثر ولا نظر. وكذلك بيع المدبرة ولا وجه لمقالة من أبي أن التدبير لا يزيل ملكا. وقد قررنا عن النبي ﷺ أنه باع مدبرا.
وأما النفاس في الأربعين فإنه نظائر لهذا الإطلاق من الكتاب، ولم يشاهد في الأصول، إذ الكتاب موذن بفرض الصيام، ولا يجوز لأحد أن يسقط شيئا إلا ما أوجبه دليل السمع وشاهد النظر، وأيضا إذ الصلاة والصيام يحتاط فيهما لا يؤديان إلا باليقين.
وأما إحلال القنفذ في معنى الحيات ذوي السم والجوارح لأنه يعقر ويضرب كالسلي أذيته بأمه وكان في معنى المحرمات من الجوارح.
وأما المني، فقول ابن عباس ﵁ أحج من قول علي، وأحج أيضا من مقالة الحسن لأنه شيء من بقية الماء الأول فكان موجبه غسل واحد،
[ ٧٥ ]
فإذا وجد فيه الاغتسال انتفت الإعادة، وكان لا فرق بين كون بوله قبل غسله أو غيره.
وأما أمر النكاح إذا كان على أجل في إثباته بالمهر فقد يتردد بين قول البياعات ويتردد بين الكناية وعدم المهر في المناكح لا يبطل فلو كان الأثر عن ابن عباس ثابتا كان موجبه الأخذ مستحقا وكل ما كان له شاهد في الشرع إما بأثر أو نظر وكانت الصحابة على حجته أظهر من حجة التابعين، أو حجته مائلة لحجة التابعين فلا خلاف عنه أنه يقدم قول الصحابي ففيما قدمناه عنه في كتاب الأصول أنه قال إذا بان قول تابعي وصحابي كان قول الصحابة أولى، وهو أصل في الجملة وتنزيله على ترتيب جواباته فيما ذكرناه ونذكره من مسائله وبالله التوفيق.
القسم الثاني فيه قسمان: أن يكون دليل قول التابعين أقوى من دليل قول الصحابة بالظاهر من أثر سنة أو ظاهر آية، أو دليل الصحابي أيضا ظاهر آية ومع التابعين زيادة قوة في الظواهر وسر شارة الأصول فقول التابعين أولى.
وصورة ذلك قال الأثرم قلت لأبي عبد الله: العبد ينظر إلى شعر سيدته حديث ابن عباس. قال: أذهب إلى قول سعيد.
[ ٧٦ ]
وقال أبو الفضل قلت لأبي: نذر نذرا لما يسمه؟ قال: كان ابن عباس يقول: أغلظ الكفارات. وقال غيره: يمين.
وقال عبد الله: سألت أبي المرأة غزلت غزلا فحلف زوجها إن لبسه فهو هدية. قال الحسن: يكفر عن يمينه. وقال أنس: إن لبسه فليهديه فقال أي يكفر مثل قول الحسن جملة.
[ ٧٧ ]
هذه المسائل قطع بقول التابعين به.
ومن جملة هذه المسائل قوله فيه غير مختلف ينزل قول الصحابي أم الفتوى من ابن عباس: ينظر العبد إلى سيدته، وبقول الحسن في اليمين وأنه عدل عن قول أنس والذي عنه فيه الخلاف أمر اليمين في الحدود ومن زرد ولما يسم قول ابن عباس في مسائله الثلاث، كذلك أيضا يدع مقالة أنس في اليمين بالهدي للموت. والأصل في ذلك أن ابن عباس علته من القرآن ما هو له؛ إذ قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن﴾ الآية. وكان عندها في جملة من لم يضرب الله عليه وفيها، وقد نقل عن عمر أنه بين أن ذلك في الرجال من قوله: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ في الرجال دون النساء.
فأما قوله: ﴿أو ما ملكت أيمانهن﴾ معطوف على من شرطهن.
فأما الوجه ألا ترى آية الحجاب من قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فسألوهن من وراء حجاب﴾. وقول النبي ﷺ: لا يخلون رجل بامرأة. وباعدوا بين أنفاس النساء والرجال. وقوله: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا إلا مع محرم. فإذا ثبت
[ ٧٨ ]
هذا بان بذلك أن أمره العبيد بمثابة حال الأحرار في الإبعاد، وكان قول سعيد بن المسيب أقوى لأنه قامت بشهادة الأثر ويوجب النظر.
لا أقول فيه شيء أمره عندي ليس فيه أحسن كما احتج به بعض الناس أن السلم غير مرفوع فسقط عنه ما صنع. وقال زيد ثنا عنه أو غيره إذا كان عقله قد زال كيف يقع طلاقه وموضع هذا. قال: هذا قد زال عقله ولا يجوز تبعة ونظير هذا ما نقل عنه في القاذف حد، ثم عاد إلى قذفه له ثانيا فقال حنبل: يحد كلما قذفه. وقال الأثرم: لا يحد، والحد بحديث علي ﵇.
وقال عبد بن منصور في قصة علي مع عمر في قصة المغيرة بن شعبة إن جلدته فارحم صاحبك، لا أدري فلم يقطع علي الأمر فيه.
وقال أحمد بن نصر: قال أحمد: لا حد، لأنه قد حد مرة، فأسقط قذفه السنن.
ومن نظير هذا ما قاله في البيوع في السلم إذا لم يوجد كله فأخذ بعض
[ ٧٩ ]
سلمه وبعض رأس ماله. فقال محمد بن الحكم: أكرهه، ابن عمر كرهه، وابن عباس قال: لا بأس به.
والمذهب في الروايتين إذا جاءنا عنه في حادثة واحدة في مكانين مختلفين وضام كل قول من جهته استدلال وعلة ويقويه فإنه ينظر إلى أغلب الأشياء عنه وأظهر الاستدلال وأشبه بأصوله فينسب إليه فإذا لم يكن من جهة تقويه بذلك على اطراح إحدى الروايتين لم ينسب إليه تركا لما نقل عنه وكان على كل أحد أن يعمل الاجتهاد لنفسه وينظر فما يثبت عنه الحق فيه فيرضاه من مذهبه دون غيره، والذي يظهر عنه في طلاق السكران التقوية لأنه
[ ٨٠ ]
يقع، وهو أكثر الأقاويل عن الصحابة، وهو الذي قواه وحسنه.
وأما الحد في باب القذف إذا عاد إلى رميه فإنه لا يقويه عنه. وكذلك في باب السلم الرواية متقابلة عنه، وكل رواياته في مذهبه إذا تعادلت الألفاظ ولم يكن عنه صريح في الاستدلال، ولا رد لأحد المذهبين فإنه يقر كلا على ما جاءت، ويصار إلى ما يوجبه الدليل من الكتاب والسنة، ووجوه العبرة على ما رسمناه في مذهبه وبالله التوفيق.
[ ٨١ ]