قال الحسن بن حامد: اعلم وهب الله لنا ولك ما يرضى، وحمانا وإياك عن كل الأهواء أن جوابه إذا ورد بحكاية عن غيره مرويا بأنه يرى ذلك ويرضاه إذا تحرش عن قرينة بالصد مما حكاه:
صورة ذلك: ما رواه الأثرم: قلت لأبي عبد الله: رجل يحل السحر؟ فقال: قد رخص فيه بعض الناس.
[ ٩١ ]
ونظائر هذا تكثر، فإذا اقتصر عن جوابه بأن يقول قد رخص فيه بعض الناس، أو قال: احتج بعض الناس أو قال: قال بعض الناس فيها كذا وكذا، وكل ذلك مذهب ينسب إليه.
وخالف في ذلك طائفة من أصحابنا فقالوا: لا يكون ذلك مذهبا، بل ينسب إليه أنه أخبر عن غيره لا غير ذلك من يذهب إلى هذا يحتج بأن أبا عبد الله قد يحكي عن الناس أقاويل لا يذهب إليها، ألا ترى إلى ما نقله عنه أحمد بن هشام في أم ولد النصراني إذا أسلمت؟ فقال: قال أحمد: فيها اختلاف، وقال بعضهم: تستسعى، وكره أن يقول فيها شيئا. وقال: قلت لأحمد: إذا نسي مسح رأسه، أجزأه بلل لحيته. قال: قد قال ذلك قوم وهذا فليس بمذهب له، وكان ما ذكره من حكايات مذاهب الناس لا يعد له
[ ٩٢ ]
مذهبا. ولا ينسب إليه والاستدلال إن قال بهذا أيضا إن الأصول مرتبة على الإنسان قد يحكي الشيء عن غيره ولا مذهب له فيه، وقد يحكي الاختلاف عن الناس ولا يكون الاختلاف مذهبه ألا ترى أنه قد يسأل مع ذكره الاختلاف فيقال ما تقول أنت فيفرد نفسه بجواب بخلاف ما حكاه من الاختلاف من ذلك:
مسألة العتق والطلاق وما يكفر، فإذا ثبت هذا كان: ما ذكروه على هذا الأصل قريبا وهذا كله فلا وجه له. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه إنا وجدنا السؤال يقتضي من المسؤول الجواب. وقد قررنا أن الجواب قد يرد تارة بأن يقول الفقيه قال رسول الله ﷺ. فيكون ذلك جوابا.
ومن ذلك أيضا أمر الأجوبة من العلماء، وتارة يجيب الفقيه بجواب لا يثبت غيره، وتارة يكتفر في جوابه بأن يقول قال إبراهيم ويقول قال الحسن فيكون ذلك كافيا في الأجوبة بمثابة بداية جوابه، وقد يفعل هذا في جوابه اكتفاءا بالبيان لقول سالف، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه من جواباته مستحق فيها ما ذكرناه.
ومن أدل الأشياء أنا وجدنا الفقيه إذا سئل عن مسألة تتعلق بها عبادات من حظر أو إباحة، فأجاب بقول فيها فذلك مستحق به أن يكون ما أجاب به كافيا، إذ لا يجوز أن يقع منه جواب إلا فما سئل عنه، وبذلك أيضا على صحة ذلك أنا وجدنا الجواب إذا ثبت منه بالقول عن غيره لا يخلو من ثلاثة أقسام أما أن يكون حكاه وهو على الصحة فما أجاب أو حكاه فاسدا أو حكاه مرتبا لا يعلم أنه سليم أو فاسد فبطل أن يكون أجاب به وعلى أنه فاسد إذ كان طريقة المذهب الفاسد، لا يجوز إيقاع جواب به لا حكاية ولا بداية.
وأيضا فإن الواجب على الحاكي وهو عينه فاسدان لا يسكت إلا ويقارن الحكاية بالبيان إن هذا فاسد، فإذا كان هذا مستحقا وبطل الفساد له، ولم يحل الجواب بالفاسد، كان هذا قسما في بطل، ويبطل أيضا أن يكون حكاه مرتبا
[ ٩٣ ]
وهو لا يعلم أفاسد هو أم سالم، إذ الجواب لا يحل إلا يقين علم وصحة برهان ولا يجوز أيضا أن يكون شيئا لا علم له به إلا ويوقع البيان فيه، فإن بطل هذا القسم أيضا مع القسم الذي قبله لم يبق إلا القسم الأول، وأنه إنما اقتصر في جوابه عليه لأنه كاف وأن الفاعل له مصيب، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
ومن أدل الأشياء أن أبا عبد الله ﵁ كل جواباته يجب الإعتماد فيها على متابعة من نطق، وحكاية لذلك بثمر لنا أنه جواب كاف هو متوثق، فإذا ثبت كان ما ذكرناه كافيا.
فأما الجواب عن الذي قالوه من الروايات عن أبي عبد الله ﵁ في الطهارة وأمر المسألة في السعاية، فذلك لنا إذ كل مسألة تفاوتها من جهته بيان موجب نقلنا عن جوابه بمقالة غيره ألا ترى إلى ما نقله حنبل وغيره عن أبي عبد الله في الطهارة وأنها مرتبة على مخرج الكتاب وأنه إذا توضأ، ولم يرتب كان وضوءه باطلا. وكذلك نقل عنه في الوضوء بالماء المستعمل أنه لا يباح الوضوء به.
ومن ذلك نقل ابن منصور عنه وغيره في أمر السعاية وأنه غير قائل بها وأن أم ولد النصراني إذا ثبت إسلامها يمنع منها وأخذناه بنفقتها، فإذا مات عتقت، فإنما تثبت عنده هذه الروايات أذنت فإن أمر جواباته بالحكاية عن غيره فما بينه لا يلتفت إليه ونحن لا نأبأ هذا وأن يكون عنه في مكان شيئا ورد عنه في مكان عنده بيان خاف مكتسب ضد ما قاله، فإننا ندع ذلك من حيث وجود نص من جهته، فإذا ثبت كل ما يرد من جوابه في هذا الأصل ما قارنه بيانه ضربا إلى موجبه، وسالم يرد من جهته الييان كان مستحقا به الأخذ وقطع الجواب.
وأما الجواب عن الذي ذكرناه بعد هذا من أن الإنسان قد يحكي ما لا مذهب له فيه فنحن لا نأبأ ذلك إلا إن لم يجز حكايته على هذا الحد له طريق
[ ٩٤ ]
واضح، إنما سئل عن حكايات المذاهب فنحن نمثل ما حكاه، ونذكر مذاهب الناس على حد زائد عن فاسدها من الصحيح منها فيكون ذلك أيضا حسنا، ولا ينسب إليه بذلك مذهبا.
فأما الحكايات إذا عريب عن هاذين لا يثبتها ويعارفها أنه يحث بها عقبا عن سؤال بذلك لا يكون إلا والقضية متعلقة بأنه أجاب من غير مؤنة ولا نية.
وأما الجواب عن السؤال وإن الإنسان قد يسأل عن شيء فيقول قال فيها فلان، وقال فيها فلان، ثم يطالب بما يراه لنفسه فيجيب بما يرضاه، فذلك أيضا لنا إذ هذا في جواباته يذكر اختلاف الناس، فيقال له ما تقول أنت من الخلاف عنه شبه الحادثة، واحتمالها للأخرى، فإذا كانت الحادثة طريقها عنده ثابت، أجاب بقول واحد، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
[ ٩٥ ]