قال الحسن بن حامد ﵀: والمذهب أنه إذا سئل عن مسألة ذي وصفين فأجاب جوابا علقه على أحد الوصفين فإنه بدليل من جوابه في الوصف الآخر بخلافه في منصوصه. صورة ذلك من مذهبه:
ما قاله أبو طالب: قلت لأحمد إنما قال نعم الأدم الخل، ولم يقل الأدم الخل لا ينفي أدام كغيرها أفضى بها فاعلم إمامنا بجوابه منكرا على أبي حنيفة أن قوله نعم الأدم الخل وأنه لو كان بدل ذلك أن يقول الأدم الخل لا ينفي كون أدم غيره. وهذا من حيث دليل الخطاب لا من حيث نص النبي ﷺ، وكان ذلك مذهبا سالما.
ومن ذلك أيضا قال طاهر بن الحسن التميمي: سألت أبا عبد الله عن حديث النبي ﷺ: لا يجزي ولد والده إلا أن يجده رقيقا فيشتريه فيعتقه.
[ ١٨٩ ]
وحديث سمرة فقال: لا أصل له. وإذا ملك أباه عتق عليه.
قال أبو الحارث: قلت: ملك أخاه؟ قال: دعها، ولكن إذا ملك أباه عتق فكان دليل الخطاب تعليقه بالعتق، تعليقه بالعتق بالأب نفي الجواز يعتق الأخ بالملك.
ومن ذلك أيضا إسحاق بن إبراهيم في رجل له على رجل اتبعه يقدمه إلى الحاكم؟ قال: إن علم أن عنده فإما يؤدي فأرجو أن لا يأثم فبين أن لا يأثم عند المقدور والوفاء وبين من حيث الدليل عنه إذا كان معسرا أنه يأثم، وإن لم يقل ذلك نطقا.
ومن ذلك ما قاله في رواية اسحاق: قلت: رجل أسلم على يدي رجل أله الولاء؟ فقال: قال النبي ﷺ: الولاء لمن أعتق. بين أنه لا، ولا لمن أسلم على يديه، وإن كان ذلك عريا عن جوابه نطقا، وإنما هذا من هذا من الدليل مفهوم.
ومن ذلك في رواية حنبل إذا قال من جاءني منكما بخبر كذا وكذا فهو حر فجاء بالخبر واحد أنه يعتق عليه من جاءه بالخبر دون الآخر، وجعل ذاك من حيث الشرط إن ثبت له مجيء الخبر، ونفى عن الآخر من حيث الدليل، وأنكر مقالة من قال عتقا جميعا ويسعيان في قيمة واحد منهما.
ومن ذلك ما قاله ابن منصور في أدب القاضي: قلت الورثة يحلفون على العلم. وكل هذه الأجوبة تثبت بالنص فيها ما أوجبه نطقها بصفتها، وثبت منها أيضا جواب على ضد الفقهاء في ضد الصفة المذكورة في فتواها وينسب ذلك إليه من حيث الدليل بمثابة ما نسبنا إليه موجب القضية من حيث
[ ١٩٠ ]
المنصوص اليقين. وهذا هو مذهب عامة أصحابنا، أبو بكر الأثرم على ما أصلناه عنه إن كان ينسب إليه المذهب من حيث موجبه عنده قياسا والمدلول أقوى، وهو أيضا مذهب أبي القاسم عمر بن الحسين الخرقي، وبه قال من شاهدناه من أكابر شيوخنا. وأما عبد العزيز شيخنا ﵀ فإنه ما اعتمد على فتوى من حيث دليلك الخطاب وما رأيته إليه قائلا.
وقال في كتاب أدب القاضي: الأيمان كلها على علم الحالف يقع ولم يفرق بين الورثة ومن سواهن من الدعاء عليهم وخالف في علمه الجمهور من أصحابنا. والمأخوذ به ما ذكرناه لا غير ذلك.
وقد اختلف أصحابنا أيضا في أصل القول بدليل الخطاب، فذهبت طائفة إلى منع ذلك وأنه لا يحتج بمثابة قول أبي حنيفة، وقد أثبت في كتاب الأصول بعون الله ما فيه غنية وإيضاح لما قاله المخالفون مما عن الترداد.
فأما الكلام هاهنا في أعيان المسائل فمن أبى ورده استدل في ذلك أن ما عداها بمثابتها ألا ترى أنه قال فيه إذا ملك أباه عتق، ولا ينفي ذلك العتق إذا ملك أخاه.
ومن ذلك أيضا فيما نقله أبو داود قال: قلت: إذا طلق المريض ومات عنها وهي في العدة أترثه؟ فقال: إذا طلق في المرض ورثته. جوابه أنه لو كان مقيدا بالعدة شرط، وإن كان جوابه عليها واقعا. وكذلك في باب جوابه أن لو كان مقيدا ما بعده، وما نفى الإرث في غير العدة وقال: وقد ثبت أنه لا يجوز أن ينسب إلى أحد جوابا إلا من نطقه، واستماع ما أفتى به، ولا ينسب إليه شيء من حيث دليل الخطاب. قال: والفقيه قد يشترط في أن الإبطال تأكيد لإثابة المراد بل هو زيادة في الصفات إذ ليس لإبطال في عقدهما إلا بإن
[ ١٩١ ]
يوجد المراد. قال: وكل ذلك في مقالات الناس من بيع وغيره، ولا يلتفتون إلى دليل الخطاب، ثم يقضون بما ثبت بينهم وهذا كله فلا وجه.
والدليل على صحة قولنا ظاهر ومعنى.
فالظاهر كتاب وسنة. فأما الكتاب فذلك بين في قوله تعالى: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾. ولحن القول: هو إيقاع معنى مستودع في نفس القول خارج عن التسمية، إنه قول.
ومن ذلك أيضا ما قد ثبت وتقرر في قوله تعالى: ﴿هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم﴾. فمنع تعالى من المساواة، وجعل الإمثال في نفي الإملاك تصرفه ذلك في العبيد إذن ذلك بأنه لا يوجد في غيرهم حقيقة المثل ولا نفي الإملاك.
ومن السنة: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: أوتيت جوامع الكلم. وقد ثبت عنه أنه أبان بقوله الولاء لمن أعتق دل على أن من عداهم لا يكون له الولاء.
وهذه المسألة أدلتها من الكتاب والسنة أكثر من الإحصاء، وليس غرضنا الكلام في أن دليل الخطاب حجة أم لا، وإنما ذكرنا هذا القدر بيانا عن الأصل في ذلك، ومع هذا فقد ثبت وتقرر أن إمامنا وغيره من العلماء لا يأتون لكلمة من حيث الشرط إلا ولذلك فائدة، فلو كانت القضية بالشرط وعدم الشرط سواء كان ما جاء به الفقيه من الشرط أيضا لغو، وهذا بعيد أن ينسب إلى أحد من العلماء، وليس هذه الشرائط إلا بمثابة شرط النبي ﷺ
[ ١٩٢ ]
في قوله لعدي: إذا أرسلت كلبك فذكرت اسم الله فكل. شرط علق الإباحة عليه.
ومن ذلك أيضا قوله ﷺ: ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقه.
ومن ذلك أيضا ما قد ثبت في إخصاصه الولاء بالعتق. وما جاء من ذلك. فإذا ثبت هذا عنه شرطا آذن أن كلا له من الفائدة ما لا يخفى وأنه يؤذن بأن ما عدا للوصف القضاء فيه بخلافه، وهذا في كتاب الأصول في مكانه لا ها هنا.
فأما الجواب عن الذي قالوه من المنقول عن أبي عبد الله في العتق وأمر الإرث في المطلق إذا مات عنها في العدة فذلك لا يؤثر شيئا، إذ الأجوبة عن أبي عبد الله رحمة الله عليه على ثلاث مراتب:
أحدها: أن يأتي بدليل خطاب مقرونا بتفصيل وبيان، فإنه لا يقتصر على دليل جوابه لأنه مقرون بتفصيل في مراده.
والثاني: أن يأتي بالنص معلقا بإحدى صفات السؤال ويأتي بالجواب في ذلك بما يغني عن دليل الخطاب بزيادة فهو تفصيل بمثابة جوابه في المالك لأخيه ولابن أخيه فإنه يقضى به على موجب دليل خطابه في أماكن أجوبته.
[ ١٩٣ ]
والقسم الثالث: أن يرد الجواب مطلقا لا يفارقه ما يفسره ولا يوجد عنه في مكان من أجوبته تفصيل ولا بيان فإنها هي المسألة التي يجب فيها الأخذ بدليل الخطيب ويجعل له مذهبا من فحوى خطابه، فإذا ثبت هذا سقطت عنه عهدة ما قاله من أمر العتق بملك الأخ وغيره لما جاءت به الرواية عنه فيما ذكره عنه الأكابر من أصحابه كالأثرم وأبي داود وابن منصور ومن يكثر عددهم في جواباته فيما نقلوا. وكذلك الجواب عن المريض وأن العدة لا تجب بشرط لأنه قد بين فيما نقله عنه ابن منصور والأثرم وغيرهما وأن ميراثها وإن قضت عدتها ما حبست عن الأزواج نفسها، فإذا شغلت نفسها بطل إرثها، وذكرنا عنه في ذلك ما فيه غنية.
جواب ثان - وهو أن العدة ليست شرطا في جواب أبي عبد الله ﵁ وإنما ذلك شرط في السؤال، والسؤال لا اعتبار به، وإنما الاعتبار فيما قصدناه من الجواب، فإذا ثبت هذا كان ما أتوا به غيرنا عن الصواب، وقد قدمنا في ذلك ما فيه غنية وبالله التوفيق.
[ ١٩٤ ]