قال الحسن بن حامد ﵀: كل ما بيّنه إمامنا ﵁ من الأثر وصحّ به السند عن الصحابة له نقل من غير رد ولا نكير فذلك بأسره عندي ثابت في مذهبه بمثابة جوابه نطقا.
والأصل الدليل على هذا من مذهبه ما رواه عنه الميموني قال: قال أبو عبد الله: إذا كان الكتاب والسنة فهو الأمر.
وقال المروذي قال أبو عبد الله: نحن نسفك الدماء بهذه الأخبار الصحاح، فإذا ثبت الخبر قلنا به. وفي هذا بيان عن مذهبه أنه إذا كان في القضية خبر كان ذلك مذهبًا له، وأنه قائل به. وهذه طريقة عامة شيوخنا، وأن ما وجد عن أبي عبد الله فيه رواية الأثر من غير رد ولا جواب يضاره جعلوا ذلك له مذهبًا، وهذا مذهب المروذي والأثرم وصالح وعبد الله، وأنهم يعتمدون في مذهبه على ما بينت من أحاديثه.
وأما ارتضاء طريقه فقال المروذي في كتابه أبواب عدة وما ذكر فيها إلا ما رواه فقال في باب القيام عن ركعتين: حدثنا أحمد قال ثنا يزيد بن هارون قال: أنبأ المسعودي عن زياد بن علاقة قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة فلمّا صلى ركعتين قام ولم يجلس، فسبح به من خلفه فأشار إليهم أن قوموا. . الحديث.
[ ٢٧ ]
ومن ذلك ذكر عنه الجهر والإخفاء فذلك ابن عباس ونظائر ذلك كثير.
وخالف في ذلك طائفة من أصحابنا فقالوا به لا يجوز أن يُنسب إليه بروايته الأخبار مذهبًا له، وتابعهم على هذا جماعة الشافعيين فقالوا: لو جاز هذا جاز أن ينسب أهل الآثار ومن دون الأخبار أنه بالفقه مختص وله قائل. قالوا: من جوّز أن ينسب إلى قائل مذهبًا جاز أن ينسب إلى ساكت مذهبًا.
وأيضًا فإن الفقيه ليس من حيث الخبر إذ قد يكون ما يأتي من الخبر له تأويل عنده إذا سئل عنه أظهره. قالوا: فإذا ثبت لهذا وجب أن لا يجوز أن لا ينسب إليه مذهبًا.
وأيضًا: فإن أبا عبد الله قد أثبت صحة أحاديث لا يقال بها في مذهبه: حديث سهل بن سعد في النكاح على آيات من القرآن.
ومن ذلك ثبت الحديث: يدخل من أمتي سبعون ألفًا الجنة بغير حساب. قيل من هم؟ قال: هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون. ومع هذا لا ينفي ذلك الاسترقاء.
[ ٢٨ ]
وأيضًا فلو جاز أن يثبت بروايته الخبر مذهبًا، كان إسقاط المذهب بالخبر الثابت إذا رواه جائزًا، فلمّا لم يسقط شيء من جوابه بالخبر، فكذلك لا يُثبت له جواب بالخبر.
وهذا كله فله وجه له، والدليل على صحة ما ذكرناه دلّ الكتاب والسنة ووجوه العبرة.
فمن الكتاب أن الله جل وعز نهى عن قول ما لا علم لقائله، وزجر عن
[ ٢٩ ]
الكذب فقال تعالى: ﴿ولا تقفُ ما ليس لك به علم﴾ وقال جل وعز: ﴿قُتل الخرّاصون﴾. يريد الكذابين. وقد ثبت الأمر بما أمر الله به، والنهي عما نهى الله عنه فقال تعالى: ﴿قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾. وقال جل وعز: ﴿تلك حدود الله﴾ الآية. وما جانس ذلك مستحق به حظ الأمر والنهي من حيث النص ومن حيث العموم، وإن قوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾. وقوله: ﴿والسارق والسارقة﴾. وما جانس العموم مستحق به الاستغراق للجنس والطبقة في كل حال، وما يتفرد بدا في الشريعة، فإذا ثبت هذا وكان عن أبي عبد الله جواب في الأحاديث والآثار بيان يطلق أنها له مذهب وجب أن يكون ذلك حيث وجدناه أن يقضى أنه بذلك قائل. وقد بينا عن أبي عبد الله في كتاب أحكام القرآن من كتاب الأصول وما يذهب إليه من الطرق في الأخبار وأقاويل الصحابة ومما قدمناه عنه ثم قد قررنا أن أبا عبد الله بالخبر في الحادثة أنه يُنسب إليه مذهبًا على عموم اللفظ، فإذا ثبت هذا وجب أن يكون من الأخبار إذا رآها وارتضاها بمثابة فتواه ما يوجبه نص قوله فيها.
ومن أدل الأشياء إنا وجدنا الفقيه إذا بيّن عن علته في جواب مسألة أو كان مبنيا على أصل له فإنه ينسب إليه كل ما أوجبه نص إعلاله، فإذا ثبت هذا وجب إن يكون ما بيّنه لنا من أصله في الأخبار أن ينسب إليه كل ما ارتضاه إذا لم يكن منه دفع له ولا إنكار.
[ ٣٠ ]
فأما الجواب عن الذي قالوه من أنه يلزم أن ينسب إلى الساكت مذهبًا فذلك لا يضرنا، إذا الساكت على ضربين: ساكت في معنى الناطق وهو أن يكون سيأخذ حصره بالدين مختصا فلا ينكره ولا يغيره فذلك ينسب إليه القوله به حتما بما قلناه في الصحابة إذا سكتوا على حادثة قائلة يُنسب إليهم من ذلك جوابا أو مذهبا فإذا أشبه هذا بأن طريقة إمامنا فيما رواه وارتضاه مذهبا ثبتا.
جواب ثان: وهو إنا نقول كل شيء سكت عنه نسبناه إليه لا غير ذلك.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أن الخبر قد يرويه، فإذا سئل عنه يبين فيه عما يوجبه نطقه فذلك باطل، إذ بهذا بعينه ينقلب في احتجاجه بالخبر قدر مما سئل عنه فقال: لا أقول به، ويجيب بجواب مطلق فإذا سئل عنه ترك بعضه وأخذ ببعضه، وكل لا ينفي كون المذهب مهما أقام على إطلاقه فكذلك في الأخبار سيان.
وأما عن حديث سهل بن سعد وغيره لم ينسب إليه مذهبا به فذلك لا يتضرر إذ كل منقول عنه ترك الأخذ بها، وقد بيّن في حديث سهل أنه لم يعمل عليه لأنه قد قابله ما منع من المصير إليه، وكذلك في حديث الرقى بيّن أنه جائز الاسترقاء، وأن الخبر مُتأول، فما كان من الأخبار عنه فيها التنكر رددناها، وما لم ينقل عنه فيها نكير قبلناها، وإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أنه لو جاز أن ينسب إليه مذهبا لروايته الأثر لأسقط مذهبه بالأثر، فذلك فاسد إذا ما ثبت عنه فيه الجواب ثبت أنه في بابه أصلا لم يجز لنا إدخال سنة عليه فور أن هذا أن يكون عنه في الحادثة
[ ٣١ ]
التي فيها الخبر جوابا كافيا لا يلتفت إلى غير جوابه، فإذا لم يوجد جواب بالنص، فإن الجواب منسوب إليه من حيث الأخبار الذي قد بيّن لنا أنها مذهبه حيث كانت.
جواب ثان: وهو أن الإسقاط غير الإثبات، ألا ترى أن إسقاط واحد من الستة في الرمي غير جائز ولا ينفي ذلك أن يزيد على الستة غيرها من حيث كونها داخلة في مجرى الخبر أو دليله، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
[ ٣٢ ]