قال الحسن بن حامد: الكلام في جوابه بالاختلاف مشتمل على مسائل.
أول ذلك إذا أجاب بالاختلاف فراجعه السائل فبين له ما يرضاه ويراه من الاختلاف.
صورة ذلك ما قاله مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل قال: أول غلام يطلع فهو حر، فاطلع غلامان أو كل عبيده. قال: قد اختلفوا، قلت له: ما تقول أنت؟ قال: يقرع بينهم.
قال مهنا: وسألته قال لأربع نسوة: أول امرأة تطلع منكن طالق. فطلقهن كلهن. قال: قد اختلفوا في هذا أيضا، قلت: أخبرني بشيء فيه؟ فقال: قال بعضهم يقسم بينهن تطليقه. قلت: ما تقول أنت؟ قال: يقرع ..
ونظائر هذا الأصل إذا ورد الجواب بالاختلاف ونازلوه فيما يذهب إليه ويراه فقال: يأخذ مما بان يصار إلى ما قطع به منهما وثبت مذهبه عليه ولا يؤثر الآخر شيئا، ويقطع على أن الآخر ليس يذهب له، والأصل فيه أنه إذا قال هذا اختلف الناس فإنه أثبت بذلك حكاية مذاهب يحتمل أن يكون هو فما حكاه داخلا، ويحتمل أن يكون فيما حكاه خارجا، ومن هذين الاحتمالين
[ ٨٢ ]
واحد فاسد إذ لا يجوز أن يجيب الفقيه في مسألة بأن يقول اختلف الناس إلا ويذكر ما قد اشتملت عليه الإصابة للجواب في الجملة ولا يجوز أن يكون قد أفتى مما عنده أن الحق فيه مسلوبا فإذا ثبت هذا بطل أن يكون حكاية موصلة إلى إخراجه غما إلى العلماء، عزاه أنه داخل في جملة الاختلاف فإذا قيل له فماذا تقول أنت من هذين فقال بأحدهما علمنا يقينا أن ذلك عين الإجابة عنده فما يدين الله به ويعتقده فقطعنا بأن ذلك مذهبه. وعلى ذلك ترتيب كل ما كان من الأجوبة. وبالله التوفيق.
مسألة ثانية ومن هذا الباب إذا جاب بالاختلاف في وقت وتوقف عن القطع وبين في مكان آخر بالبيان والقطع.
صورة ذلك. مارواه عنه أبو الحارث في كتاب العتق إذا اشترى أخاه، هل يعتق عليه أم لا؟ فقال: دعها قد اختلفوا فيها وابن شقيق. قلت: دبر ثم احتاج إلى بيعه؟ فقال: دع هذه المسألة وأحمد بن هشام.
سئل أحمد عن أم ولد النصراني إذا أسلمت؟ فقال: فيها اختلاف. قال بعضهم: وكره أن يقول فيها شيئا.
[ ٨٣ ]
ومن ذلك مسألة أبي الحارث إذا أعتق عبده وله مال.
ونظائر هذا ونقل عنه الجواب وكل هذه المسائل قد أثبت جوابه فيها فقطع في رواية ابن منصور إذا عتقه كان ماله لسيده، وإذا اشترى أخاه عتق عليه في رواية الأثرم وغيره. وكذلك في بيع المدبرات.
الجواب فيه فيما رواه عنه صالح وغيره، وقطع في رواية ابن منصور بأنه لا يرى السعي، وأن أم ولد النصراني يوقف على موته ويزال عن يده.
ومن ذلك ما رواه عنه علي بن سعيد في كفارة من أصاب حائضا إن صح الحديث قلت به. وقطع في عدة أماكن بصحة ووجوب الكفارة فيه
[ ٨٤ ]
بالمذهب في هذا، وما جاء من نحوه أنه يؤخذ بالبين المفسر عنه، ولا يلتفت إلى ما كان من الروايات بالاختلاف والتوقف وهذا هو دأب العلماء أن يتوقفوا عند بداية الحادثة حتى يستجدوا الأدلة ويسبرون طرقها، ويجمعوا بينها وبين ما يضامها ويعارضها، فإذا سلمت الدلالة عرية عن الشبهة والالتباس قطعوا بالنص ظن الجواب.
وقد نقل الميموني عن أبي عبد الله في هذا النحو وأكثر وأنه كان لمسائله فيقول لا تكتب، ويقال حتى يتناظر، وربما وقفت المسألة يوما حتى يناديه أبو عبد الله بالجواب بينا، وللعلماء بالاجتهاد ذو نأي بينهم في الأجوبة والتوقف على القطع حتى يصح لهم نص الأمر يباينون غيرهم ويبلغون بذلك منازل الأئمة ويتبعون منهج الصحابة وما عليه الدليل الواجب اتباعه على الكافة وبالله التوفيق.
مسألة ثالثة: فأما إذا صدر فيه الجواب قطعا وقارن ذلك بدليل حتما وأردف ذلك بحكاية بذهب بحادث ما سبق من جوابه:
صورة ذلك: ما قاله الميموني قلت لابن حنبل قوله: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾. قال: هو أن يشهد بشهادة فتطلب منه فلا يأبى.
قلت: وقد قال بعضهم تفسير هذه الآية إذا طلبوا يشهدون. قال: قد قال ذلك بعضهم.
ومن ذلك: قال حرب: قلت: حلف كاذبا متعمدا فيه كفارة؟ قال: هذا أعظم من أن يكون فيه كفارة، وقد روى عن بعضهم أنه قال: يكفر. والمروذي عنه في السعاية وقال بعضهم: يسعى.
[ ٨٥ ]
والرواية عن الأثرم في الأضاحي إذا اشترى أضحية فأصاب معها أخرى فقال مثل قصة عدي بن حاتم ثم أرسل كلبي خالطه غيره. قال له النبي ﷺ: لا يأكل. قال: إذا كانت ذكية ومنية: لا يأكل يذكيا جميعا وهؤلاء يقولون يأكل واحدا ويدع واحدا. ونظائر هذا يكثر والمذهب أنه لا يكون بالذكر لقول غيره بعد جوابه بالثبات مضعفا له. وقد يحتمل فيه وجه آخر وأنه يذكره لقول بعض الناس بعندنا أنه إن ذهب إليه ذاهب فقد أصاب مذهبا مرضيا غير فاسد، ألا ترى إلى ما نقله عنه صالح: قلت لأبي: يكبر في دبر كل صلوة الضحى كما يكبر في الفرض أم لا؟ قال: إن ذهب إليه رجل فقد روى عن بعض الناس والمعروف المكتوبة.
[ ٨٦ ]
وهذه المسألة تعطي أنه إذا قال: وقد قال بعض الناس إنه يقيد الأخذ به، ومن ذهب إلى هذا الوجه وجعل له بحكاية عن بعض الناس مذهبا، فطريق الاستدلال له في ذلك أن أبا عبد الله لا يحكي بعد جوابه مسألة يقطع فيها بزور وبهتان، وإنما يحكي ما له دخل في الجواز، فإذا حكى شيئا بعد جواب سالف، علمت أنه قارنه بما له دخل في الجواز. وأيضا فإنه إنما يحكي ذلك لفائدة ولا ثمرة لذلك فائدة إلا أن يثبت لنا بذلك زيادة في الإجارة وأيضا فقد ثبت أن أبا عبد الله ﵁ إذا سئل فقد يعتمد في جوابه على الفتوى بقول سابق، ويكون ذلك صريحا في مذهبه، فإذا ثبت هذا كان كذلك إذا قرن جوابه بالحكاية عن مذهب غيره أنه يفيدنا أنه بين عن قول ثاني لا غير ذلك. وهذا كله فلا وجه له، والأشبه ما ذكرناه وأن بالحكاية لا ينسب إليه مذهبا. والدليل على ذلك ظاهر ومعنى. فالظاهر كتاب وسنة، فالكتاب إنا وجدنا ما ورد في الكتاب بلفظ الخبر لا يدخل فيه بعتب ولا بثمر لنا إلا إيقاع العلم بمثابة مأمور آخر بنا ألا ترى إلى الخبر عن أهل الجنة وأهل النار، وما كان من بيان الكفار ومن خلا من القرون وما أخبرنا به عن المعاقبة والرضوان، وكل ذلك بالاتفاق لاحظ فيه الإيقاع العلم لنا بمثابة أمرنا ورأينا ما جاءنا بالحتم من أمر لازم أن حظ إثبات الحكم لنا وعلينا بقوله: ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾. ﴿ولا تأكلوا الربا﴾. ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾. ونظائر ذلك يكثر كل حظ في المخاطبة الختم على الأمور فإذا ثبت هذا في التنزيل وجب لك أن يكون حظ الخبر عن الأقاويل يكتسى إلا إثبات العلم بمثابة ورود الخبر.
ومن دليل السنة إنا وجدنا لما نقل عن الرسول ﷺ من
[ ٨٧ ]
الأوامر له حد، وما ورد بلفظ الخبر عن العفو حد ألا ترى أن قوله: ﴿أدوا زكاة أموالكم في الرقة ربع العشر﴾ وما جانس ذلك له حظ في ثبوت الأمر، وما ورد بلفظ الأمر ومقارنة الخبر لا يكون الخبر أمرا، ألا ترى أنه ﷺ قال: استنزهوا عن البول. وقال: أما علمتم ما لقي
[ ٨٨ ]
صاحب بني إسرائيل كان أحدهم إذا أصابه البول قرضه بالمقراض فنهاهم عنه فعذب في قبره فأبان الأمر بالاستنزاه حد الحكم ولم يكن بالخبر مكتئبا إحداث أمر لا دخل له في عبادتنا فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما ثم الدليل من حيث المعنىى، وهو إنا وجدنا الأصول مرتبة، على إنا نقول قد صدق في الخبر، وصدق أنه إذا قال قد قال بعض الناس أنه لا يكون له دخل في ذلك، أو لإخباره عن تفسير حده ولإخباره عن غيره ثبت له إخبار عن غيره كما لا يجوز أن يقال إن ما حكاه عن نفسه أنه حاك له عن غيره.
ومن حيث ثبت أنه لو أجاب وقال: قال بعض الناس: إنا لا نجعل ما حكاه عن نفسه منسوبا إلى مذهب غيره. وكذلك ما حكاه عن غيره لا يكون حاكيا ما لا يحل وما لا يكون وفدا، فذلك لا يضرنا إذ ليس بحكايته ما يحل يكون ذلك له مذهب، وليس كل ما حلت حكايته كان ذلك منسوبا إلى من جوز حكايته.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أنا نفيذ بالحكاية ثمرة جواز ما حكاه
[ ٨٩ ]
خطاه أن يثمر لنا الصدق في الأخبار أن يخبر كما أخبر ولا يثمر لنا أن نقول إنه أباح بالحكاية أن نقول ما حكى فله مذهب.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أنه إذا حكى عن بعض الناس مذهبا فذلك لا يضرنا، لأنه إذا حكى شيئا عريا عن جواب، كانت حكايته جوابا، وإذا حكاه بعد جواب بطل أن تكون الحكاية جوابا وبالله التوفيق.
[ ٩٠ ]