قال الحسن بن حامد: والمذهب أنه إذا سئل عن مسألة فأجاب بتلاوة أنه يقرأها وينسب إليه ذلك مفسرا. صورة ذلك ما قاله صالح وعبدالله قالا: قال أبي: طاعة الرسول ﷺ في نيف وثلاثين موضعا في كتاب الله تعالى، وقرأ الآيات. ونظائر هذا كل ما أجاب بتلاوة آية كاللعان أيضا بين الزوجين الكتابة والأمة. وكل جواب أبي عبدالله فيه بالآية يقطع على موجبها بما به نص.
قوله الأصل في ذلك أن السؤال لا غنية فيه عن الجواب، فإذا تلى آية كان ذلك مستخفيا به البيان عن موجب القضية، والدليل على ذلك موجب التنزيل وجوابات سيد المرسلين، ألا ترى إلى فصة اللعان حيث جاءه الرامي فقال له النبي ﷺ: حد في ظهرك. فأنزل الله تعالى آية اللعان، فدعاه النبي ﷺ وقال: ادع صاحبك. فدعاه فقرأ عليهما الآية.
[ ١٩ ]
ومن ذلك حديث عائشة ﵂: لقد جاءت المجادلة وأنا أسمع ما تقول، فأنزل الله ﷿: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله﴾ فقال النبي ﷺ: ادعو لي صاحبك، فدعت ابن عمها فقرأ عليهما النبي ﷺ.
ومن ذلك قول للأعرابي: توضأ كما أمرك الله. ونظائر ذلك كلما يوقع جوابه بنص آية ليكون ذلك منه بيانا كافيا وحكما ماضيا، فإذاا ثبت هذا شرعا كان جواب إمامنا على ذلك الطريق به وبالله التوفيق.
مسألة: فأما الجواب بالسنة والأثر
صورة ذلك من مذهبه في أجوبته ما رواه صالح قال: سألت أبي عن الإمام إذا اطلع على رجل يفجر أيقيم عليه الحد؟ فحدثني أبي قال ثنا عبد الرحمن قال ثنا حرب بن أسيد عن يحيى بي أبي كثير عن محمد بن عبد الله بن زبيد بن الصلت أنه سمع أبا بكر الصديق يقول: لو أحدث سارقا لأحببت أن يستره الله. فما أجاب بغيره.
وقال الأثرم: قلت له: الرجل انقطع شسع نعله، أيمشي في الأخرى؟
[ ٢٠ ]
فقال: لا. حديث النبي ﷺ فذكر الحديث.
وقال أبو الحارث: قلت لأبي عبد الله: صدقة الخيل والرقيق؟ فقال: حديث النبي ﷺ: ليس على الرجل في عبده ولا فرسه صدقة.
وقال أبو النصر: قلت لأبي عبد الله: حديث النبي ﷺ لعبد الرحمن ولم يقل إذا رأيت خيرا منها فاستثنى.
والميموني: قال أبو عبد الله ﵁: بلغني أن أبا حنيفة كان يقول: لا نؤاخذ بما كان في الجاهلية. والنبي ﷺ يقول: نؤاخذ. حديث سفيان عن عبد الله.
والميموني: قال: لا يصلى على الغال. والنبي ﷺ لم يصل على الغال.
وقال الحسن بن محمد بن الحارث: سئل أحمد عن رجل يؤم قوما،
[ ٢١ ]
فخالف أحاديث جاءت عن النبي ﷺ؟ قال: أخبره وعلمه، فإذا أخبرته عن النبي ﷺ فلم يقبل فاهجره.
وقال صالح: قال أبي: الذي يذهب إليه ابن عمر عن النبي ﷺ يعني بالرفع في الصدقة. ونظائر هذا يكثر نقله عنه.
فما سئل عنه فيجيب بالحديث أو يفتي ويستدل فيه بالحديث أو يسأل عنه فيروي فيه الحديث عن النبي ﷺ فكل ذلك مذهب له صريح بمثابة ما يفتي به من قبله سواء وأنه يراعى فيه ظاهر الحديث الذي احتج به، فيكون ظاهر موجب الخبر، وهذا مذهب أصحابنا كافة لا أعلم بينهم فيه خلافا. والأصل في ذلك ما قدمنا من الاحتجاج بالآية، وكذلك الاحتاج بالسنة أو الجواب بالسنة كالآية سواء.
ومن أول الأشياء أن الصحابة كذلك أفتت وبالأخبار تعلقت من حيث ثبت عن أبي بكر الصديق ﵁ القضاء في أهل الردة فقالوا: كيف نقاتل وقد قال رسول الله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.
ومن ذلك ما يكثر اختلافهم في الماء من الماء وما جانس ذلك.
[ ٢٢ ]
فإذا ثبت هذا علمت أن الجواب بالأثر بمثابة نص الفتوى.
وقد ثبت أيضا أن الفقيه إذا سئل عن حكم فأفتى بالخبر، فإنه إيذان ببيان الحكم لا أنه لم يتبين عن الحكم فإذا ثبت هذا علمت بذلك صحة ما ذكرناه، ولا أعلم في هذا أيضا خلافا إلا شيء شذ به بعض المتأخرين فقالوا: إنه لا يحتج بالخبر على إتيانه لمن أفتى به مذهبا إذ الخبر قد يرده، وإذا سئل عنه فسر وبين، فإذا ثب هذا بطل أن ينسب إليه بذلك مذهبا. وهذا قول بعيد عن الإصابة، إذ من شأن الفتوى ثبوت الجواب بما يوصل إلى القضية في الأحكام، فإذا ثبت الاقتصار على الأثر استقر بذلك موجب الجواب بغير تدافع.
[ ٢٣ ]
فأما الجواب عن الذي قالوه من أنه قد يسأل عن الخبر فيفسره بتفسير يخالف ظاهره، فذلك لا يضر بالأسئلة في جوابه قد يرد مطلقا، فإذا سئل عنه فسره ألا ترى أنه سئل عن الأضاحي؟ فقال: يأكل. فقال له: يأكلها كلها؟ فقال: لا، يأكل ثلثا. وليس تفسيره لجواب قد أطلقه دليل على أن جوابه النطق لاتفاق به، وكذلك في الأخبار إذا احتج بظاهرها وجب إجراء مذهبه بموجب الظاهر إلا أن يقارب ذلك التفسير وبالله التوفيق.
مسألة: فأما الكلام في جوابه فظاهر مقالة الصحابة
صورة ذلك: ما قاله صالح قلت لأبي: صلاة الجماعة؟ قال: أخشى أن تكون فريضة. يروى عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر. وذكر حديث عائشة.
[ ٢٤ ]
وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عمن حلف بسورة من القرآن؟ فقال: قال ابن مسعود: عليه بكل آية يمين. قلت: ما تقول أنت؟ قال: أسق قولي هذا ابن مسعود يقول هذا.
وقال ابن منصور: قلت ذاك والله لا يؤدي يعني حديث ابن عمر. فقال: إذا قامت البينة.
وقال في الجارية يستثني ما فيه بطنها إذا عتقها؟ قال: قد روي عن ابن عمر أنه بعده. قلت: تذهب إليه؟ قال: نعم، ولا أذهب إليه في البيع.
وقال المروذي: قلت يؤذن وهو قاعد؟ قال: قد روي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ.
وقال ابن منصور: قلت: نذر أن يطوف على أربع؟ قال: قال ابن عباس: طوافا لليدين وطوافا للرجلين.
قلت: حديث علي في الزينة؟ قال: ما أعلم شيئا يدفعه.
ونظائر هذا يكثر بكل ما فيه جوابه بالخير، واستند إلى أثر عن الصحابة أو قضاء مأثور عن الصحابة وكل مستحق نسبه المذهب إليه من حيث ظاهر ما رواه واعتمد عليه وارتضاه يشابه ما قدمنا من الحكم في جوابه بالسنة عن النبي
[ ٢٥ ]
ﷺ لا غير ذلك والطريق فيه أن الفقيه لا غنية له عن البيان فيما يسأل ولا يسعه أن يوقع جوابا إلا من حيث نصه، ولا يفتي بما لا يصح له، فإذا ثبت هذا بأن بذلك أنه قصد ما رواه هو ما ثبت من ظاهر قصد بقول الصحابة ﵃ بلقائه جوابه بالسنة وبالله التوفيق.
[ ٢٦ ]