قال الحسن بن حامد: أول ما نبدأ به هو البيان عن الجواب لإيقاع الجواب بالكراهية، ثم بعد هذا بيان ما تقتضيه فتواه بذلك.
فأما الأصل في جواز الأجوبة فذلك دليل الظاهر والنظر، فمن دليل الظاهر أنا وجدنا أجوبة العلماء مرتبة على ما قد اتسع كلام العرب به وبما جاءهم الكتاب والأخبار فالثابت في الكتاب قوله تعالى: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم﴾ الآية: فإذا ثبت الاسم في كراهية الحق أن يكونوا خارجين بعد. . . من الأخبار ما لا خفائه ألا ترى إلى ما أخبرناه ابن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيد الله بن سفيان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال إن الله ﷿ ينهاكم عن كل ذي ناب من السباع. فأبان عن التحريم بلفظ الكراهية.
ابن النصري أبو الفتح قال ثنا محمد بن داود قال ثنا أحمد بن سلام قال
[ ١٦٨ ]
ثنا عبد الرحمن قال ثنا يزيد قال ثنا إسرائيل قال ثنا أبو إسحاق عن الحارث عن علي قال قال رسول الله ﷺ: يا علي إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي لا تقرأ إذا أنت ركعت ولا أنت ساجد ولا تصل وأنت عاقص شعرك، فإنه كفل الشيطان.
وأنبأنا ابن مقسم قال ثنا إبراهيم قال ثنا ابن مسلمة قال ثنا عبد الله يعني ابن عمر أن النبي ﷺ سئل عن القزع للصبيان فكرهه.
ومن حديث مالك بن أنس عن سهيل عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال.
[ ١٦٩ ]
وأخبرناه أبو بكر ابن إبراهيم بن عبد الله الشافعي قال ثنا محمد بن الحسن بن الفرج الهمداني قال ثنا مسعدة قال ثنا شبل بن عباد المكي عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله أهدي إلى الرسول ﷺ قباء ديباج فلبسه، ثم أوشك أن نزعه فبعث به إلى عمر بن الخطاب فأتاه عمر فقال يا رسول الله كرهته أن تلبسه وأعطيتنيه فقال إني لم أعطكه لتلبسه وإنما أعطيتكه لتبيعه فباعه بألفين.
ومن ذلك أيضا ما أخبرناه الشافعي قراءة عليه قال ثنا محمد بن غالب ابن حرب قال ثنا الحميدي قال ثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن وهب بن منبه عن أبيه عن معاوية عن النبي ﷺ أنه قال: لا تلحفوا في المسألة فإنه لا يسألني أحد منكم فأعطيه وأنا كاره فيبارك له فيه.
ومن ذلك الحديث كان النبي ﷺ يكره أن يأتي الرجل أهله طروقا ونظائر هذه الآثار تكثر كل مؤذن بأنه شيع في الأوامر والنواهي إن تبع بلفظ الكراهية ويكون ذلك بمثابة الأجوبة بالتحريم، وإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه عن إمامنا من الأجوبة بالكراهية سائغا إذ ذاك يطابق لحد ما ثبت في
[ ١٧٠ ]
الأمر ويطابق موجبه لغة العرب، وكل العلماء لا يتناكرون الأجوبة بذلك من المدنيين والعراقيين وبالله التوفيق.
فصل فأما الكلام في موجب جوابه بالكراهية أيوجب التحريم أم الاستحباب فالمذهب فيه عندي أن ذلك يقتضي الإيجاب إلا أن يقاربه بيان يكشف به عن المراد وما ورد مطلقا، لا بيان فيه فإنه يقتضي التحريم لا غير ذلك. وقد نقل عن أبي عبد الله في ذلك أجوبة عدة في أماكن شتى فقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: يكره جلود الثعالب وقال عنه حنبل: أكره لبس الملحم. قلت: حلف لا يمس من غزلها يعطي أجرة القصار والخياط؟ قال: أكرهه.
ابن منصور قلت: كره سفيان قيم الغنم ثم البقر اثنين واحد؟ قال: نعم.
وقال أيضا: قلت له كسب الحجام؟ قال: كره النبي ﷺ كسب الحجام.
[ ١٧١ ]
وعبد الله عن أبيه: أكره أكل الحية والعقرب وذلك أن العقرب لها حمة، والحية لها ناب.
المروذي: كره أن يصلي في القبور. قال: ما يكره من الساعات يصلى فيها؟ قال: ثلاث ساعات. قلت: النفخ في الصلاة؟ قال: يروى
[ ١٧٢ ]
عن ابن عباس من نفخ فقد تكلم، وأكره النفخ في الصلاة شديدا ولا أقول يقطع الصلاة.
الميموني قال أحمد: ما أعلم أحدا كره وطئ المدبرة، إلا إسحاق بن إبراهيم، قلت: ترى الدم في القدور من اللحم؟ قال: إنما يكره الدم العبيط.
الميموني: قلت له رد اليمين؟ قال: أكرهه؛ هذا حديث النبي ﷺ. ونظائر هذا يكثر، كل ذلك عندي مؤذن بالتحريم إلى مكان
[ ١٧٣ ]
وجد منه الجواب بذلك. وقال بما ذكرناه من تضامن شيوخنا الخلال وعبد العزيز وغيرهما.
وخالفت طائفة من أصحابنا فقالت حيث كان جوابه بالكراهية كان ذلك توقيفا إلا ماكان عنه بيان بالإيجاب، وما لم يكن عنده تفسير، فإنه للتكثر فيه لا غير ذلك.
ومن قال نبدأ استدل بأصول من أجوبة أبي عبد الله من ذلك أنه قال في رواية ابن منصور أكره أن يصلى في ثياب أهل المدينة.
ومن ذلك المروذي: أكره قراءة حمزة.
وابن منصور: أكره القراءة بالألحان.
والمروذي عن أبي عبد الله: أكره الخبز الكبار. فأقول وكل هذ عند علمائنا للاستحباب لا غير ذلك.
واستدلوا بعد ذلك أن أبا عبد الله قطع أن الكراهية لا توجب التحريم فقال في رواية مهنا في كتاب الذبائح أن يذبحها حتى تزهق، فقلت: يقطع
[ ١٧٤ ]
فيها قبل أن تبرد؟ قال: مكروه، قلت: حرام؟ قال: لا، إنما قلت مكروه.
عصروا ذلك بالاستدلال وشهادة الأثر والنظر. فالأثر أن النبي ﷺ كره أن يأتي الرجل أهله طروقا. وذلك مستحب. ومن ذلك حديث علي: أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، ولا تقرأ وأنت راكع أو ساجد، ولا تصل عاقصا. والفعل لا يؤثر فسادا، فكانت الكراهية استحبابا.
قالوا وأيضا: فقد ثبت وتقرر أن لفظة يكره حث على التوقي لا غير ذلك. ألا ترى أنهم يقولون نكره هذا يريدون التوقي لذلك.
ومن ذلك قال: فرض وحتم إذا تركه ويقولون مكروه ومستحب أن لا يفعل فأقر وكل هذا استحباب، فإذا ثبت هذا الإطلاق في الجواب بأمر الكراهية استحبابا. وهذا كله فلا وجه له فالدليل على صحته ما ذكرناه ظاهر ونظر، فالظاهر كتاب وسنة: فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم﴾ الآية. وإطلاق الكراهية يؤذن بإيقاع الفرض والحتم. ومن السنة ما ذكرناه من الأخبار حديث علي وجابر. ومن ذلك حديث مالك بن أنس عن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: إن الله ﷿ كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال. وحديث ابن عمر أن النبي ﷺ سئل عن القزع للصبيان فكرهه.
وأنبأنا أبو زيد قال ثنا ابن محمد قال محمد بن إسماعيل البخاري قال: ثنا قتيبة بن سعيد قال ثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن الحسين عن
[ ١٧٥ ]
عقبة بن عامر أنه قال: أهدي لرسول الله ﷺ فروج حرير فلبسه ثم صلى فيه ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا كالكاره له ثم قال لا ينبغي هذا المتقين.
فإنه قيل فقد عارض هذه الأحاديث والأخبار ما أخبرناه ابن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال ثنا عفنان ثنا شعبة قال أخبرني سليمان بن عبد الرحمن قال سمعت عبيد بن حمدون مولى بني هاشم أنه قال سألت البراء بن عازب عن الأضاحي وما نهى رسول الله ﷺ منها وما كره فقال: أربعا لا تجزئ قلت يار رسول الله فإني أكره أن يكون في القرن نقص أو في إذن فقال: ما كرهت فدعه ولا تحرمه على أحد. وهذا مؤذن بأن الكراهية لا توجب التحريم.
فالجواب أن هذا لا وجه إذ ليس في نص قول النبي ﷺ ما يقتضي أن الكراهية ليست للتحريم، وبالنص بدايته وحال نهايته استحق به أن الكراهية علم للتحريم، وبالنص بدايته وحال نهايته استحق به أن الكراهية علم للتحريم، إذ قوله ما كره رسول الله ﷺ وما نهى فنقل أنه قال: أربع لا تجزئ. فأبان أن المكروه هو الذي لا يجزئ فكان ذلك نصا في بابه.
وأما قول البراء يا رسول الله إني أخاف أن يكون في الإذن والقرن نقص فقال ما كرهته فلا تحرمه، مؤذن بأن ما حرمت أنت على نفسك ومنعت نفسك عنه فلا تمنع الناس منه، وهذا أيضا يطابق أن التسمية في الكراهية على المنع فكان الخبر لنا.
جواب ثان - وهو أن البراء إنما أسقط أن يكون كلامه مؤثرا لأنه شيء من رأيه، وما كان من رأيه كان الاعتبار به فاسدا.
[ ١٧٦ ]
جواب ثالث - وهو أن الإذن والقرن قد يثبت البيان فيها من صاحب الشريعة يأتي لا كراهية فيها، فكان ذلك هو الأصل فكان من كرهه لا تؤثر كراهيته شيئا إلا في تسمية ولا غيرها، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
ومن أدل الأشياء ما أخبرناه أيضا ابن الصواف في الإجازة قال ثنا هارون قال ثنا محمد قال ثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن خراش أن رجلا من اليهود لقي حذيفة بن اليمان فقال: نعم القوم أنتم إنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشاء محمد. قال: فذكر حذيفة للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: إن كنت لأكرهها ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد. وهذا منه صلى عليه وسلم نص في أن الكراهية اسم للتحريم والزجر والنهي، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما، وأن هذا جرى في الشريعة لاستحقاق التحريم لا غير ذلك، ثم الذي يدل على صحة ذلك أن هذه تسمية من الصحابة جارية للمحدثات لا غيرها ألا ترى إلى ما رواه ابن سيرين كان ممن يكره الصلاة فيما لم ير عمر وابن عمر وعمران بن حصين وعائشة وجابر، وهذا لا محالة اسم للتحريم والردع لا غير ذلك. وكذلك أيضا قوله هذا حرام لا تفعل هذا ويكره هذا، كل ذلك علم للامتناع والردع. فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
فأما الجواب عن الذي قالوه بذا من الروايات على أبي عبد الله في الخبر وفي باب أن يكره أن يصلي وفي قبلته شيء فذلك لا يؤثر شيئا أو كل شيء فيها صدر عنه فيه البيان أنه مستحب وما نقل عنه، وثبت البيان والتفسير كان متعلقا لما نقل عنه فيه ولا تفسير فإنه يقر على ظاهره مستحق به الكراهية لا غير ذلك.
[ ١٧٧ ]
ومن أدل الأشياء أنه قد أثبت في جلود الأنمار قال أكرهه افترى يقال لا تكتب ذلك تحريما.
ومن ذلك ما نقل عنه أنه قال: أكره الصلاة في القبور، وأكره أكل الحية والعقرب، وأكره النفخ في صلاته، والقراءة بألحان، كل يقول أكرهه لا خلاف عنده أن ذلك النهي، فإذا ثبت في هذه الأصول كلها علمت بذلك أن إطلاقات الأجوبة بالكراهية كالجوابات بالتحريم سواء.
فأما الذي اعتمدوا عليه من حديث الاستدلال فالأثر عن النبي ﷺ أنه قال لعلّي أكره لك ما أكره لنفسي، فذلك لنا، أو ظاهر ذلك مؤذن بالزجر والردع وأنه لا يقرأ في ركوعه ولا ساجد ولا بشعره عاقصا، فإذا ثبت أنه يوجب ذلك بطل الاستدلال.
جواب ثان - وهو إنا وإن قلنا إنه بالعقص للشعر لا يبطل صلاته فلسنا نخرج ذلك من أنا ننسبه إلى أنه قد تركعليه وهو إنا بالدليل علمنا صحة صلاته من فسادها.
وأما نهي النبي ﷺ أن يأتي أهله طروقا وأنه كره ذلك فلذلك أيضا لا يضرنا إذ ظاهر ذلك مستحق به الزجر عن الفعل وهو إنا بالدليل علمنا أن الأمر ندب، وهذا بأسره لا يضرنا إذ الظاهر إدخال الدليل عليه في نقله عن ظاهره ولا يكسب إسقاط يوجب القضاء بأصله.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أن اللفظ الذي يستحق به التحريم كان بلفظ البتات، وأن الكراهية لا تعطي حظرا بذلك لا ينبغي له إذ ليس، وإن قلنا إن لفظ البتات، يقع التحريم مما يمنع أن يكون أيضا يقع بلفظ فيه تضعيف ألا ترى أنه إذا قال ينبغي أن تفعل كذا وكذا فذلك إذن بالأمر، وإن كان أدون في موقعه من لفظ البتات، فإذا ثبت هذا لم ينكر أن يكون لفظ الكراهية وإن كان أدون من غيره أن يقع البتات في الحكم به.
جواب ثان- وهو إنا قد قدمنا أن لفظ الكراهية هو من أحد أنحاء ما ثبت به الأحكام وقد بينا من حيث الأثر والنظر ما فيه غنية وبالله التوفيق.
[ ١٧٨ ]