قال الحسن بن حامد ﵀: اختلف أصحابنا في ذلك فقال عامة شيوخنا مثل الخلّال وعبد العزبز وأبي علي وإبراهيم وسائر من شاهدناه أنه لا يجوز نسبته إليه من حيث القياس، وأنكروا على الخرقي ما رسمه في كتابه من حيث أنه قاس على قوله وذهب الأثرم والخرقي وغيرهما إلى الجواز لذلك. وقد نقل هذا عن الأثرم وأخبرناه أبو علي بن الصواف إجازة قال ثنا أبو عبد الرحمن قال: كان أبو بكر الأثرم يحلف إلى أبي عبد الله، ودلف العبادي من ولد عبادة بن الصامت، وكان العبادي يسأل والأثرم
[ ٣٦ ]
يكتب خلفه فقال أبو عبدالله: هذا كان مع حلف على الإمرة، فقال له قد رجع عن ذلك.
وكان أبو بكر الأعين يسأل الأثرم فأخذ بعض المسائل التي كان يدونها الأثرم عن أبي عبد الله فدفعها إلى صالح فعرضها على أبي عبد الله وكان فيها مسائل في الحيض فقال: أي هذا من كلامي، وهذا ليس من كلامي. فقيل للأثرم؟ فقال: إنما أقيسه على قوله. وكذلك الخرقي على هذا عول عندي والله أعلم.
واختار أن يقيس على قوله. والمأخوذ به أن نفصل فما كان من جواب له في أصل يحتوي مسائل خرج جوابه على بعضنا فإنه جائز أن ينسب إليه بقية مسائل ذلك والأصل من حيث القياس. صورة هذا أن يقول في ماء الباقلاء والورد لا يتوضأ به إذا غير الماء فينسب إليه ما هو في معنى ذلك وإن كثرت أعداد مسائله.
ونظير ذلك جوابه في المسكر إنه حرام. فينسب إليه جميع أنواعه.
[ ٣٧ ]
نظير ذلك في الأرز والذرة وأعيان المسائل التي فيها كيل ليست إليه من حيث علة جوابه وقياس على أصل مقالته.
ونظير ذلك ما قاله في رواية ابن منصور في المتداعيين إذا كانت اليدان على الشيء تخالفا وكان بينهما نصفين، فأطلق جوابه في الورثة إذا اختلفوا مع المرأة في قماش البيت فقضى ما كان يصلح للرجال فهو للرجال، وسكت عن التخالف فأخذ بما قدمه وأجزل في الورثة عند الاختلاف أيضا الأيمان بمثابة تداعي الأجنبيين.
ومن ذلك ما قاله في التداعي للحائط بين الرجلين نصفين ولا يقضي بمعاقد القسط وسكت عن التخالف ولا غنية عنه. فكل ما كان من هذا النحو يحسن فيه الأخذ بالقياس وجري المسائل في ذلك الأصل.
فأما أن يعتدي بالقياس في المذهب مسائل الأشبه لها في أصوله ولا يوجد عنه منصوص بنى عليه فذلك غير جائز.
ثم بعد هذا فالذين أبوا جواز المذهب من حيث القياس فإنهم استدلوا في ذلك بأدلة فمن ذلك أن قالوا: قد بينا الإطلاق من قوله مانع من نسبة قول إلى قائل إلا من حيث النطق المسموع على الحد المعلوم.
قالوا وأيضًا: فإن القياس ليس بنطق ممن نسب إلى مذهبه شيئا كان كمن نسب إلى الساكت قولا ما قاله.
قالوا وأيضا: فإن مذاهب العلماء عبارة عما يعتقدون ويتدينون به. وبالقياس لا يجوز أن يقطع على أن الأشياء عنه ومتدين بما يوجبه قياسنا عليه، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
وأيضا: فلو جاز أن يُنسب قول بالقياس إلى أحمد جاز أن يُنسب قول
[ ٣٨ ]
أبي ثور وأبي حنيفة إلى أحمد من حيث القياس، وهذا كله فلا وجه له، والدليل على صحة ما ذكرناه من الجواز ظاهر ونُطق.
فأما الظاهر فكتاب وسنة:
فمن الكتاب ما قررناه من الحد في الأوامر، وأننا نصل إلى ثبوت القضية بالقياس في أوامر الكتاب. وننسبها إلى الله تعالى، ونقول إن ذلك أمر الله تعالى سمنا به ما نسميه في التلاوة نصًا.
ومن السنة ما لا خفاء به، وإننا ندخل تحت المنصوص عليه من حيث معنًا ما يليق به وننسبه إلى الرسول ﷺ، ألا ترى إلى ما قررناه من نص النبي ﷺ في الزيادة على سنته نسب إلى النبي ﷺ ما زاد عليها وكثر عددها من حيث وجود القياس عليها، فإذا ثبت هذا كان ذلك أصلا في الدين وجب أن يكون ذلك محكوما به في جوابات العلماء في الدين.
ومن ذلك الاشتباه من شهادات الأصول أنا وجدنا العلماء كافة مجمعين في أجوبتها وفتاويها أنها تُبنى على أصل مقالة أمامها وتعتبر مسائله فيلحق بها ما كان نظيرها وإن عدم النص عنه فيها، ولو كنا لا نجيب في حادثة بالقياس على أصل أبي عبد الله ﵀ لأدى إلى ترك كثير من مسائل الحوادث في الطهارة والصلاة وغيرها. فلما كنا نقدم على الأجوبة وبنية الأحكام كلها على قياس مقالته في أصلها كان ماذكرناه سالما.
ومن أدلته الأشياء إنا وجدنا العلماء قد أودعوا في كتاب الفرائض ينقلون عن الصحابة في الحد والاختلاف في غير مسائل قطعت القضية بينهم فيها ويفرعون على ذلك ما جانسها. وكذلك في ذوي الأرحام ينقلون عن الصحابة الأصل أما التنزيل وإعطاء القربى.، ويفرعون على ذلك مسائل، فترى كل ذلك ينسبونه إلى أهل المقالات في الأصل فإذا ثبت هذا بدءًا وعودًا كان ما ذكرناه سالما.
[ ٣٩ ]
فأما الجواب عن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿ولا تقفُ ما ليس لك به علم﴾. فذلك لنا، إذ نص الحديث في الأصل يثبت به عندنا العلم فوجب أن تكون الآية لنا بدليل هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿إن بعض الظن إثم﴾.
لا يدخل تحتها نفي قول من حيث القياس، إذ ذلك قطع لا أنه ظن، إذ الظن ما كان من حيث التخمين لا عن حقيقة أصل.
جواب ثانٍ: إنه إن كان من حيث القياس فذلك بمثابة نطق المتكلم في الأصل، ألا ترى أن أبا عبد الله قال في كتاب القياس: إذا كان الشيء يشبه الشيء، وأقبلت به وأدبرت فليس في نفسي منه شيء فقطع على أنه علم يقينا.
جواب ثالث: وهو إنا نقول لو جاء الرد لوجب القياس في الجوابات لأدى إلى إسقاط ذلك في أحكام الواجبات، فلما كانت من أحكام شرعا موجها من حيث القياس حقا كان ذلك في الأجوبة سواء.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أن هذا قول إلى ساكت فذلك لا يؤثر شيئا، إذ السكوت على ضربين:
أحدهما: نفي الأصل.
والثاني: ساكت عن نطق بيّن، والساكت في أصل الأشياء كمن لا جواب له ولا فتوى عنه ولا يُنسب إليه بحال. وساكت عن نطق حاصل فإنه مستحق أن يُنسب إليه كل ما كان في معناه، وليس هذا إلا بمثابة مسكوت القرآن لما ثبت الأمر عن الصحابة إن سكتوا عما سكت عنه القرآن ثم قد ثبت وتفرد أن الكلام بالواجبات في القرآن لا يوجب سكوتا عن جريان الأحكام من حيث القياس ولا يكون ذلك نسبة قول إلى غير قول، وإلى سكوت بل هو قول
[ ٤٠ ]
مأخوذ من أجزاء الأمر وكان كذلك ما ذكرناه سواء.
فأما الجواب عن الذي قالوه من أقاويل العلماء كأنه أهل المدينة والعراقيين وأنه يفضي إلى نسبة قولهم إليه مذهبا، فذلك خطأ منعنا من ذلك لأجل أنه قال لنا قولًا فيه صريح بالمخالفة لسائرهم فبطل جواب نسبته إلى بعضهم.
جواب ثان: هو إنا نقول: إذا صح القياس على أصله والأصل الذي نسب القضاء منه إذا كان قد قال به أهل العراق وغيرهم، وصح القياس فيه بما يتابع مقالة أهل العراق فإنا ننسب إليه ذلك مذهبا، وإن كان فيه لأهل العراق أو غيرهم من العلم متابعا كما يقول في جوابه إذا كان فيه لمن يخالفه متابعا.
فأما فقه الأثرم مع أبي بكر الأعين وإن أبا عبد الله قال: ليس هذا كلامي. فإنها من أوثق الأشياء الدلالة على جواز أن ينسب إليه مذهبا من حيث القياس الإنكار من أبي عبد الله فيما يتعلق بالدين والكذب والبهتان ويحرص الذاهب شروع، ورأيناه مع كونه سامعا لما أتى به الأثرم لم يقل أنه أخطأ على مذهبي وأنه نسب إلى ما لا أعتقده ولا أقول به بل سكت عن توثيبه وعن الأغلاط في أفعاله ونقله وما أتى به فكان ذلك قطعا على أن أبا بكر الأثرم ما عدل عن الإصابة في جوابه ولا أنه دل على فتواه على فتاويه قبله. وما قاله أحمد ﵁ فإنه يُقوّا به أثر الأثرم لأنه قال هذا ليس من كلامي بقا كونه كلاما به، وهذا يقوي فتوى الأثرم وأنه كان من فقهه أنه فعل إلى أنه قاس على كلامه وكان ما أوجبه عنه الأثرم الذي حسن لأجلها سكوت أبي عبد الله عن الإنكار عليه وبالله التوفيق.
[ ٤١ ]