صورة ذلك الذي نقلناه عنه وقد سئل عن الرجل إذا ملك أخاه فقال: إذا ملك أباه عتق، وبين في موضع آخر مكان غيره أنه إذا ملك أخاه يعتق أيسقط دليل الخطاب أم لا، فأصل هذه المسألة ونظائرها متعلق بتبينه كلام إمامنا بعضه على بعض، وقد يحتمل ها هنا وجهين:
أحدهما: أن نقر كل رواية على موجبها وينظر أشبه الروايتين بالاحتجاج على موجب الأدلة في مذهبه فيجيء من هذا أنا نقول ملك الأخ روايتان: إحداهما لا يعتق، والأخرى يعتق. وكذلك في كل المسائل.
والوجه الآخر: نفي ثبوت موجب دليل الخطاب والقضاء عنه بما فيه التفصيل - والوجهان يحتملان إلا ومع الاحتمال فقد أوضحناه في كتاب العتق. والمأخوذ هو يتقيد العتق بملك الأخوة وذوي الأرحام. وقد بينا في كتابنا في جواباته على ما رتبناه وأنبأنا عن نص ما أخبرناه بما يتأمل في مكانه وبالله التوفيق.
- باب البيان عن مذهبه في الروايتين إذا كانتا في مكانين: مطلقا ومقيدا أيبنى مطلقها على مقيدها أم لا.
قال الحسن بن حامد ﵀: قد يشتمل الكلام في ثنية جواباته بعضها على بعض على مسائل: أول ذلك أن يرد الجواب مجملا لا تفصيل
[ ١٩٥ ]
فيه يحتمل جهات يجهل حالها وترد عنه في مكان آخر ببيان وتفصيل مبينا.
صورة ذلك ما قاله ابن منصور عنه: قلت: شهادة الأعمى؟ قال: كل شيء يضبطه ويعرفه معرفة لا تخفى عليه.
وقال مهنا عنه: قلت له: شهادة الأعمى؟ قال: لا تجوز في بعض دون بعض. قلت ماذا؟ قال: يكون يعين نسب الرجل ويعرف الرجل أنه ابن فلان، وفي مثل هذا ونحوه.
ومن ذلك أيضا قال مهنا: إذا قال إذا حضت فأنت طالق؟ قال: ينظر إليها النساء. قلت: كيف؟ قال: تعطى قطنة يخرج الدم عليها.
ومثل ذلك ما قاله في رواية يعقوب: إذا أراد أن يفتح بابا في زقاق؟ قال: نهم، وليس له أن يستطرقه إلا برضاهم، ولا يتطرف ما زاد على مكانه إلا برضاهم.
فهذا وما كان من جنسه يأتي جوابا مجملا ويأتي عنه مفسرا بينا إما مع الجواب مقرونا، أو في مكان آخر مشروحا. فالأشبه عندي أنه يقضى بالبيان والتفسير، فلا يثبت الإجمال والاحتمال مذهبا ويكون المذهب هو المفصل لا غيره. والأصل في ذلك أن كل كلمة أجهلت فالاحتمال يدخلها، وقد ثبت في أصول الشريعة أن ما ورد عن الله ﷿ ورسوله مجملة فإنه لا يثمر شيئا، ويقضى عليه بالبيان المفسر لا غيره. فإذا أثبت هذا كان ما ذكرناه عن في الأجوبة على أصل السمع منزولا وبالله التوفيق.
مسألة ثانية - فأما الكلام في الرواية إذا كانت عامة اللفظ في مكان وجاء عنه فيها الجواب في مكان آخر بالتفصيل والبيان:
[ ١٩٦ ]
صورة ذلك ما رواه عنه صالح قال أبي: يقطع في كل شيء قيمته ثلاثة دراهم.
وقال في رواية حنبل: لا يقطع الرجل إذا سرق من امرأته، فإذا بان كل واحد عن صاحبه قطع.
وقال في رواية صالح: إذا كانا جميعا، هذا جائز لا يقطع.
وروى عنه رواية أخرى مطلقا فقال: قلت: الرجل يسرق من امرأته، والمرأة من زوجها؟ قال: ليس عليهما قطع.
وقال في رواية أبي طالب والمروذي في الرجل إذا باع نفسه، أو الأمة تضرب، ولم يقل يحد.
وقال أبو يوسف: لا يجاوز عشرا.
من ذلك أيضا ما قاله في الشهادات في رواية الفضل بن زياد عنه إن كان عدلا يحسن الأدب، يعلم ما يأتي وما يذر قبلت شهادته.
وقال في مكان آخر: إذا كان عالما عدلا وربما زاهدا فقرنها بشرائط سبع.
ومن ذلك أيضا إطلاقه في شهادات أهل الذمة في السفر، قال في مكان: إذا كان على مثل ما فعله أبو موسى حلفت وقبلت عند الضرورة.
[ ١٩٧ ]
وقال في مكان آخر: لا تقبل إلا عند الضرورة إذا لم يكن هناك علم ولم يغادر ذلك بيمين ولا غيره.
ومن ذلك الجواب في المتداعيين قال في موضع يتحالفان ويكون ذلك بينهما نصفين إذا كانت الداران متساويان، وموضع سكت عن ذكر الأيمان.
ونظائر هذا يكثر فقد يحتمل في مذهبه عندي وجهين:
أحدهما: أن يقضي بالمفسر ويسقط ما كان من جوابه مطلقا، ويكون ذلك بمثابة الجواب إذا كان بغير مقارنة سواء إذ المذهب كله في حال واحد مجمع، وهذا عندي هو المذهب الذي يعمل عليه، وبه قال الخرقي. وقد بينه في كتابه في أدب القاضي في يمين الوراثة على العلم في العتق إن فضل باليمين بالعتق، وبينه بغير العتق وغير ذلك.
فأما عبد العزيز فالأغلب فيما نقله في كتابه عن أبي عبد الله أنه يأخذ بإطلاق نص جوابه ولا يجعل للشرائط دليل الخطاب ولا غيره تأثيرا.
وأما بنية الأعم على الأخص فإنه في أكثر أحواله الإطلاق من غير تفصيل، وإنه ينقل ما رواه الجماعة من اللفظ الخاص والعام ولم يبن بعض ذلك على بعض بل يأتي ما يختاره هو من الروايات، وعلى هذا عامة أصحابنا أيضا، وأنه يؤدي ما أطلقه وما فسره ويجعل في ذلك روايتين وينظر ما أوجبه من الروايات يصير إليه، ومن ذهب إلى هذا بنى الأمر فيه على أنه قد تقرر أن الرواة إنما ينقلون إلينا ما ثبت عنه من الأجوبة، فإذا ثبت هذا وكان عنه الجواب مطلقا وجب أن يكون ذلك إليه منسوبا. قالوا: وأيضا فإنه لا ينكر أن تكون الدلالة قائمة على الرواية المطلقة العامة في نفي القطع عن الزوجين وإيجاب القطع في كل شيء مما بلغ قيمة النصاب. قالوا: وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المذهب في العام والخاص سواء قالوا. وأيضا فلما كان في
[ ١٩٨ ]
الروايتين إذا كانتا متكافئتين إنهما جميعا يقران ثم ينظر إلى ما أوجبه الدليل منهما، فإذا ثبت هذا كان كذلك في الروايتين إذا أثبتنا أن نقر كل واحدة على موجبها، ولا يثبتا بعضها على بعض ولا يسقط لأحمد ﵁ قول.
وهذا كله فلا وجه له، والدليل على أنه يبنى الأعم على الأخص هو أنا وجدنا الأصول التي قدمناها عن أبي عبد الله رحمة الله عليه في جوابه وفتواه كل مرتب على أصول الشريعة في الأوامر، وما كان له دخل في الشريعة، فإذا ثبت هذا وكان في الشريعة وسها مستقرة على بينة الأعم على الأخص، وما أطلق على ما قيد وجبب أن يكون في جوابات إمامنا أن يبنى ما أطلق منها على ما ثبت من التقييد.
ومن أدل الأشياء أنا وجدنا كلام الفقهاء إلى كلام صاحب الشريعة مردود أن يبنى الأعم على الأخص، فكان كذلك في جوابات العلماء.
وأيضا فإن الفقيه قد يطلق جوابه في مكان اكتفاءا بما ثبت من جواباته بالتقييد والتفسير، وإذا كان هذا تفعله العلماء اكتفاءا ما ذكرناه سالما.
ومن أدل الأشياء ما قد ثبت وتقرر أن الروايات إذا كانت في مسألة واحدة، فكذلك بمثابة الأخبار عن النبي ﷺ في القضاء الواحد ومن حيث ثبت في أخبار النبي ﷺ أنها إذا اجتمعت رتب خاصها على عامها واحد بالمفسرات فيها وجب أن يكون ما ذكرناه في جوابات إمامنا، وإن كان في مواضع بمثابة كلامع معا في حاو واحد فيما قدمنا في كتاب الأصول غنية وبالله التوفيق.
فأما الجواب عن الذي قالوه من الروايات وإنا نقر كل رواية على ما وردت فنحن لا نأبى ذلك ولا نقول إن ما روي لا يروى بل قلنا إن أمر الروايات يقر كما ترتبت، والأولى يبنى الأعم على الأخص، وليس هذا إلا بمثابة جوابنا في الأخبار عن النبي ﷺ وإنا نقر كل خبر على ما ورد ونجمع بين الأخبار في الاستعمال فنعلق الحكم بالأخص دون الأعم
[ ١٩٩ ]
وينفي عن العموم موجب الأخذ ولا ينفي موجب الرواية فإذا ثبت هذا كان كذلك في باب الروايتين، وإن روينا فيجب أم يقع العمل بالأخص منها والمفسر دون الأعم والمطلق.
وأما الجواب عن الذي قالوه من الروايتين إذا كانتا متكافئتين فذلك لا يلزمنا إذ كونهما متكافئتين لا يكسبا قوة في أحدهما فلأجل هذا لم يكن أحدهما مقدما واعتبرنا ما وثقته الدلالة لا غيرها وليس كذلك فيهما إذا كان في أحدهما زيادة قوة من حيث التفسير، وإذا ثبت هذا كان السؤال ساقطا وبالله التوفيق.
فصل ومن هذا النوع اختلف أصحابنا في الروايتين إذا تكافأتا من وجه واحد، واختلفتا من وجه آخر يقدم ما ورد بزيادة شرط أم لا:
صورة ذلك ما قاله أبو طالب في نصراني قال لعبده أنت حر إذا خدمت بالبيعة سنة فمات الولي قبل السنة؟ قال: يعتق ولا خدمة عليه.
وقال عبد الله: إذا قال: إذا خدمتها خمس سنين فخدم سنة ثم مات مولاه؟ قال: هو حر وعليه أجرة أربع سنين.
فذهب الخلال إلى أن أخذ بما رواه أبو طالب. وقال عبد العزيز بما رواه عبد الله بن أحمد وأخذ كل رواية على ما وردت لا عن نقل رواية إلى رواية. وهذه مسألة قد أثبتها في كتاب العتق، وليس قصدنا بينا الإبانة عن الثابت من الروايتين إذ فيما قدمنا غنية، وإنما كان القصد بذكره ذلك بيانا عن ترتيب الروايات عنه ففيما قدمنا غنية وبالله التوفيق.
مسألة - ومن هذا الجنس أيضا ما قاله الميموني في كتاب السرقة: إذا سرق من الورق دراهم بقيمة ربع دينار وقال: إذا كانت ثلاثة قيمتها ربع دينار قطع.
وقال الأثرم وغيره من الورق إنه يرد إلى قيمته حلاف أن الورق في
[ ٢٠٠ ]
القطع أصل لا يرد إلى قيمة الذهب. وكل أصحابنا قدموا ما رواه الأثرم وغيره على ما رواه الميموني، وهذا ليس من حيث إسقاط رواية الميموني بل من حيث أدلتها غير مستقيمة وبالله التوفيق.
فصل - فأما الكلام في الروايتين إذا تقابلتا متكافئتين فقد مضى بيان ذلك وأنه لا يسقط من ذلك إلا ما وجب إسقاطه الدليل، وقد ذكرنا صدرا من بيان ما فيه من الروايات متكافئة بالوضوء من مس الذكر ولحوم الإبل، ومن ذلك جوابه في التعريض أنه قاله في رواية ابن منصور فأبان الحد في التعريض وأخذ بقول عمر. وقال في رواية حنبل ولا حد للأعلى الصريح، وما جانس هذا فهو الذي يقر على ما نقل، ويؤخذ بما أوجبه الدليل على ما فصلناه وبالله التوفيق.
[ ٢٠١ ]