(لَا شكّ أَن الْمَوْضُوع قبل الِاسْتِعْمَال لَيْسَ حَقِيقَة وَلَا مجَازًا لانْتِفَاء جنسهما) أَي جنس تعريفي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، وَهُوَ الْمُسْتَعْمل (وَلَا) شكّ أَيْضا (فِي عدم استلزام الْحَقِيقَة مجَازًا) لجَوَاز أَن لَا يسْتَعْمل اللَّفْظ فِي غير مَا وضع لَهُ (وَاخْتلف فِي قلبه) أَي استلزام الْمجَاز الْحَقِيقَة (وَالأَصَح نَفْيه) أَي نفي قلبه (وَيَكْفِي فِيهِ) أَي فِي نفى استلزامه إِيَّاهَا (تَجْوِيز التَّجَوُّز بِهِ) أَي بِاللَّفْظِ لما يُنَاسِبه (بعد الْوَضع قبل الِاسْتِعْمَال) لَهُ فِيمَا وضع لَهُ (لكِنهمْ استدلوا بِوُقُوعِهِ) أى الْمجَاز وَلَا حَقِيقَة (بِنَحْوِ ثَابت لمة اللَّيْل) إِذا ظهر فِيهِ تباشير الصُّبْح، فَإِن هَذَا مجَاز لَا حَقِيقَة لَهُ (وَدفع) هَذَا الِاسْتِدْلَال (بِأَنَّهُ مُشْتَرك الْإِلْزَام) يَعْنِي أَن الِاسْتِدْلَال فرع تحقق الْمُسْتَعْمل فِيهِ، وَبِهَذَا الدَّلِيل يُمكن نفي الْوَضع لِأَن مَا لَا تحقق لَهُ لَا يصلح لِأَن يوضع لَهُ، لِأَن الْوَضع لمصْلحَة الِاسْتِعْمَال فَلَا يُمكن إِثْبَات مجَاز بِدُونِ الْحَقِيقَة بِهَذَا الدَّلِيل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لاستلزامه) أَي الْمجَاز (وضعا) إِذْ الِاسْتِعْمَال فِي غير مَا وضع لَهُ فرع تحقق الْوَضع، وَقد عرفت أَن امْتنَاع الِاسْتِعْمَال لما ذكر يسْتَلْزم امْتنَاع الْوَضع، ثمَّ أَفَادَ أَن نَحْو مَا ذكر لَا يصلح للاستدلال بِهِ فِي مَحل النزاع بقوله (والاتفاق) على (أَن الْمركب لم يوضع)
[ ٢ / ٢٠ ]
وضعا (شخصيا وَالْكَلَام فِيهِ) أَي فِي الْوَضع الشخصي (وَأَيْضًا إِن اعْتبر الْمجَاز فِيهِ) أَي فِي شابت لمة اللَّيْل (فِي الْمُفْرد) أَي فِي شابت بِأَن أُرِيد بالشيب حُدُوث بَيَاض الصُّبْح فِي آخر سَواد اللَّيْل، وَفِي لمة بِأَن أُرِيد بهَا سَواد آخر اللَّيْل وَهُوَ الْغَلَس (منعنَا عدم حَقِيقَة شابت أَو لمة) لاستعمالهما فِي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ لَهَا من بَيَاض الشّعْر، وَالشعر المجاور على شحمة الْأذن فِي غير هَذَا الْمركب (أَو) اعْتبر الْمجَاز فِيهِ (فِي نسبتهما) أَي النِّسْبَة الإسنادية للشيب إِلَى اللمة، وَالنِّسْبَة الإضافية للمة إِلَى اللَّيْل (فَلَيْسَ) الْمجَاز فيهمَا (النزاع) لِأَنَّهُ مجَاز عَقْلِي، والنزاع إِنَّمَا هُوَ فِي الْمجَاز فِي الْمُفْرد (وَأما منع الثَّانِي) أَي الْمجَاز فِي النِّسْبَة بِأَن يُقَال: لَا مجَاز فِي النِّسْبَة (لِاتِّحَاد جِهَة الْإِسْنَاد) كَمَا سبق فِي تَنْبِيه قَول الْحَنَفِيَّة: وَالْمجَاز على غير الْمُفْرد (فَغير وَاقع لما تقدم) هُنَاكَ وأوضحناه فَليُرَاجع (وَأَيْضًا) وضع (الرَّحْمَن لمن لَهُ رقة الْقلب وَلم يُطلق) إطلاقا (صَحِيحا إِلَّا عَلَيْهِ تَعَالَى) وَالله منزه عَن الْوَصْف بهَا (فَلَزِمَ) أَن يكون إِطْلَاقه عَلَيْهِ تَعَالَى (مجَازًا بِلَا حَقِيقَة بِخِلَاف قَوْلهم) أَي بني حنفية فِي مُسَيْلمَة الْكذَّاب (رَحْمَن الْيَمَامَة). وَقَول شَاعِرهمْ:
(وَأَنت غيث الورى لَا زلت رحمانا )
فَإِنَّهُ لم يُطلق عَلَيْهِ إطلاقا صَحِيحا لمُخَالفَته اللُّغَة إِذا انفق أَهلهَا أَن لَا يُطلق إِلَّا على الله سُبْحَانَهُ، أوقعهم فِيهِ لحاجهم فِي الْكفْر (وَلِأَنَّهُم لم يُرِيدُوا بِهِ) أَي بِلَفْظ رَحْمَن فِي إِطْلَاقه على مُسَيْلمَة الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ من رقة الْقلب) بل أَرَادوا أَن يثبتوا لَهُ مَا يخْتَص بالإله بعد مَا أثبتوا لَهُ مَا يخْتَص بالأنبياء وَهُوَ النُّبُوَّة وَقد يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُم لم يستعملوا الرَّحْمَن الْمُعَرّف بِاللَّامِ، وَإِنَّمَا استعملوه مُعَرفا بِالْإِضَافَة من رَحْمَن الْيَمَامَة، ومنكرا فِي لازلت رحمانا، ودعوانا فِي الْمُعَرّف بِاللَّامِ (قَالُوا) أَي الملزمون (لَو لم يسْتَلْزم) الْمجَاز الْحَقِيقَة (انْتَفَت فَائِدَة الْوَضع) وَهِي الِاسْتِعْمَال فِيمَا وضع لَهُ (وَلَيْسَ) هَذَا (بِشَيْء) يعْتد بِهِ (لِأَن التَّجَوُّز) بِاللَّفْظِ (فَائِدَة لَا تستدعى غير الْوَضع) أَي تتَحَقَّق هَذِه الْفَائِدَة بِمُجَرَّد الْوَضع، وَلَا تتَوَقَّف على الِاسْتِعْمَال فِيمَا وضع لَهُ: فَإِذا كَانَت هَذِه الْفَائِدَة حَاصِلَة بِمُجَرَّد الْوَضع كفى بِهِ فَائِدَة للوضع وَالله أعلم.