(يعم الْمجَاز فِيمَا تجوز بِهِ فِيهِ فَقَوله) أَي فَلفظ الصَّاع فِي قَوْله ﷺ " لَا تَبِيعُوا الدِّينَار بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ (وَلَا الصَّاع بالصاعين) إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم الرِّبَا " (يعم فِيمَا يُكَال بِهِ) وَهُوَ مَوْضُوع للمكيال الْخَاص مُسْتَعْمل مجَازًا فِيمَا يُكَال بِهِ مُسْتَغْرق جَمِيع أَفْرَاده (فَيجْرِي الرِّبَا فِي نَحْو الجص) مِمَّا لَيْسَ بمطعوم (ويفيد مناطه) أَي عِلّة الرِّبَا، لِأَن الحكم علق بالمكيل فَيُفِيد عَلَيْهِ مبدأ الِاشْتِقَاق (وَعَن بعض الشَّافِعِيَّة لَا) يعم، وَعَزاهُ غير وَاحِد إِلَى الشَّافِعِي (لِأَنَّهُ) أَي الْمجَاز (ضَرُورِيّ) أَي لضَرُورَة التَّوسعَة فِي الْكَلَام إِذْ الأَصْل فِيهِ الْحَقِيقَة (فَانْتفى) الرِّبَا (فِيهِ) أَي فى نَحْو الجص وَجه التَّفْرِيع أَن الثَّابِت ضَرُورَة يقْتَصر على قدر الضَّرُورَة والعموم زَائِد على قدرهَا، وَالْإِجْمَاع على أَن الطَّعَام مُرَاد، فَصَارَ المُرَاد بالصاع من أجمع عَلَيْهِ لَا غير (فَسلم عُمُوم الطَّعَام) يَعْنِي لَو ثَبت عَلَيْهِ الْكَيْل بِعُمُوم الصَّاع فِي مَعْنَاهُ الْمجَازِي بِحَيْثُ دخل تَحت عُمُومه نَحْو الجص لما سلم عُمُوم الطَّعَام، لِأَن عليته تَقْتَضِي عدم تحقق الحكم عِنْد عدم الْكَيْل، فالطعام لَا يدْخل تَحت الحكم عِنْد عدم الْكَيْل: كالطعام الَّذِي لَا يدْخل تَحت الْكَيْل، لَا يجْرِي فِيهِ الرِّبَا: فَعِنْدَ ذَلِك لم يسلم عُمُومه، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لانْتِفَاء علية الْكَيْل) وَعند انْتِفَاء عليته تتَعَيَّن عَلَيْهِ الطّعْم على مَا يفهم من قَوْله ﷺ " لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء ". أخرج مَعْنَاهُ الشَّافِعِي فِي مُسْنده، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَامْتنعَ) أَن تبَاع (الحفنة بالحفنتين مِنْهُ) أَي من الطَّعَام (ولزمت عليته) أَي الطّعْم عِنْدهم (قيل) على مَا يفهم من كَلَام الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (لم يعرف) نفي عُمُوم الْمجَاز (عَن أحد وَيبعد) أَن يَقُول بِهِ أحد (لِأَنَّهَا) أَي الضَّرُورَة الْمَدْلُول عَلَيْهَا بقوله لِأَنَّهُ ضَرُورِيّ (بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَكَلّم مَمْنُوع) يَعْنِي فَقَوْل مَانع عُمُوم الْمجَاز: أَن الْمجَازِي إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ للضَّرُورَة غير مُسلم (للْقطع بتجويز
[ ٢ / ٣٥ ]
الْعُدُول) عَن الْحَقِيقَة (إِلَيْهِ) أَي الْمجَاز (مَعَ قدرَة الْحَقِيقَة) أَي الْقُدْرَة على جَوَازًا وقوعيا (لفوائده) أَي الْمجَاز لما فِيهِ من لطائف الاعتبارات، ومحاسن الاستعارات الْمُوجبَة أَعلَى دَرَجَة الْكَلَام فِي البلاغة على أَنه وَاقع فِي كَلَام من يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الْعَجز عَن اسْتِعْمَال الْحَقِيقِيَّة (و) بِالنِّسْبَةِ (إِلَى السَّامع: أَي لتعذر الْحَقِيقَة) تَفْسِير لموجب الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّامع فَإِنَّهُ إِذا تعذر الْحمل على الْحَقِيقَة للقرينة الصارفة عَنْهَا، واضطر إِلَى الْحمل على الْمجَاز تحققت الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا لَكِنَّهَا (لَا تَنْفِي الْعُمُوم) وَحَاصِل الْكَلَام أَن الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَكَلّم تستدعى نفى الْعُمُوم لما ذكر لَكِنَّهَا لَيست بموجودة، وبالنسبة إِلَى السَّامع بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور مَوْجُودَة لَكِنَّهَا لَا تستدعي نَفْيه: بل الْمُتَكَلّم لما أَرَادَ الْعُمُوم لعدم تحقق الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ اليه لزم حمل السَّامع اللَّفْظ على الْعُمُوم وَهُوَ ظَاهر (وَلَا) تتَحَقَّق الضَّرُورَة الْمُوجبَة لنفي الْعُمُوم أَيْضا (بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَاضِع) ثمَّ بَين كَيْفيَّة تحقق الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ بقوله (بِأَن اشْترط فِي اسْتِعْمَاله) أَي الْمجَاز (تعذرها) أَي الْحَقِيقَة وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الْمُسَامحَة إِذْ لم يتَحَقَّق فِي حق الْوَاضِع إِلَّا اعْتِبَار الضَّرُورَة فِي الِاسْتِعْمَال لَا نَفسهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ (لما ذكرنَا) من الْمَنْع فَإِن وُقُوع الِاشْتِرَاط مِنْهُ مَمْنُوع، وَمن أَنه لَا يَنْفِي الْعُمُوم فَإِنَّهُ على تَقْدِير وُقُوعه مِنْهُ لَا يَقْتَضِي عدم إِرَادَة الْعُمُوم إِذا اسْتعْمل بعد تعذر الْحَقِيقَة فِي الْمَعْنى الْمجَازِي (وَلِأَن الْعُمُوم للْحَقِيقَة بِاعْتِبَار شُمُول المُرَاد) بِاللَّفْظِ (بِمُوجبِه) أَي الشُّمُول بِأَسْبَاب زَائِدَة على ذَاتهَا كأداة التَّعْرِيف، ووقوعها فِي سِيَاق النَّفْي (لَا) بِاعْتِبَار (ذَاتهَا) فَإِذا وجدت تِلْكَ الْأَسْبَاب فِي الْمجَاز أَيْضا أوجبته (قيل) وقائله الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (وَلَا يَتَأَتَّى نزاع لأحد فِي صِحَة قَوْلنَا جَاءَنِي الْأسود الرُّمَاة إِلَّا زيد لَكِن الْوَاجِد) للْخلاف (مقدم) على نافيه للعجز النَّافِي عَن إِقَامَة الدَّلِيل على أَنه لم يقل بِعَدَمِ صِحَة عُمُوم الْمجَاز أحد (واندرج الْوَجْه) أَي وَجه صِحَة عُمُوم الْمجَاز الْمَذْكُور فِي المسئلة الْمُتَنَازع فِيهَا بَين الْفَرِيقَيْنِ تَحت مَا ذكر على وَجه الْإِجْمَال (ولزمت الْمُعَارضَة) بَين عِلّة وصف الطّعْم وَوصف الْكَيْل، ويترجح الْأَعَمّ، وَهُوَ الْكَيْل لتعديه إِلَى مَا لَيْسَ بمطعوم، وَهُوَ الْأَحْوَط الْأَنْسَب بِبَاب الرِّبَا.