(يلْزم الْمجَاز لتعذر) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ كحلفه وَلَا نِيَّة) لَهُ (لَا يَأْكُل كل من هَذَا الْقدر فَلَمَّا يحله)
[ ٢ / ٥٤ ]
أَي فَينْعَقد الْحلف لما يحل الْقدر بِتَأْوِيل: وَإِلَّا فالقدر مؤنث سَمَاعي يَعْنِي مَا يطْبخ فِيهَا لتعذر أكل عينهَا عَادَة، تجوز باسم الْمحل عَن الْحَال، بِخِلَاف مَا إِذا نوى حَقِيقَتهَا أَو غَيرهَا من الْمعَانِي المجازية فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يحمل عَلَيْهَا (ولعسره) أَي الْحَقِيقِيّ مَعْطُوف على قَوْله لتعذره (كمن الشَّجَرَة) أَي كحلفه لَا يَأْكُل من الشَّجَرَة الَّتِي لَا تُؤْكَل عَادَة (فَلَمَّا تخرج) الشَّجَرَة من الثَّمر وَغَيره حَال كَونه (مَأْكُولا بِلَا كَبِير صنع) بِخِلَاف مَا يخرج مِنْهَا بصنع كَبِير كالعصر الشَّديد وَغَيره تجوزا باسم السَّبَب عَن الْمُسَبّب (وَمِنْه) أَي مِمَّا تخرجه مَأْكُولا (الْجمار) وَهُوَ شَحم النّخل والعصير (والخل لأبي الْيُسْر) الْبزورِي أَي لقَوْله وَأبي اللَّيْث. وَفِي فتح الْقَدِير وفَاقا لكثير لَا يَحْنَث لِأَنَّهُ لَا يخرج كَذَلِك وَلم يذكرَا فِيهِ نقلا عَن الْمُتَقَدِّمين (لَا ناطفها) يسيل من الرطب (ونبيذها) لِأَن الْمُتَبَادر بِحَسب الْمُتَعَارف مَا يخرج مِنْهَا من غير توقف على الصنع كَمَا يُسْتَفَاد من قَوْله تَعَالَى - ﴿ليأكلوا من ثمره وَمَا عملته أَيْديهم﴾ - (وَلَو لم تخرج) الشَّجَرَة الْمَحْلُوف عَلَيْهَا (مَأْكُولا فلثمنها) أَي فَيحنث بِأَكْل مَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ (وللهجر) أَي لكَون الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ مَهْجُورًا (عَادَة وَأَن سهل) تنَاوله (كمن الدَّقِيق) أَي كحلفه لَا يَأْكُل مِنْهُ (فلمآ لَهُ) أَي ينْعَقد لما يؤول إِلَيْهِ كالعصيدة فَيحنث بأكلها، لَا بِسَفَه لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَل هَكَذَا عَادَة خلافًا للشَّافِعِيّ (و) حلفه (لَا يشرب من الْبِئْر) وَهِي غير ملأى (فلمائه) أَي الْمَكَان الْمُسَمّى بالبئر، وَإِلَّا فَهِيَ مؤنث سَمَاعي (اغترافا اتِّفَاقًا فَلَا يَحْنَث بالكرع) أَي بتناوله بِفِيهِ من مَوْضِعه من غير أَن يشرب بكفيه أَو بِإِنَاء. وَفِي الفتاوي الظَّهِيرِيَّة تَفْسِير الكرع عِنْد أبي حنيفَة أَن يَخُوض الْإِنْسَان فِي المَاء ويتناوله بِفِيهِ من مَوْضِعه، وَلَا يكون إِلَّا بعد الْخَوْض فِي المَاء فَإِنَّهُ من الكراع وَهُوَ من الْإِنْسَان مَا دون الرّكْبَة، وَمن الدَّوَابّ مَا دون الكعب انْتهى، وَالْأول هُوَ الْمَعْرُوف، وَيَكْفِي فِي التَّسْمِيَة أَن الدَّابَّة لَا تكَاد تشرب إِلَّا بِإِدْخَال أكارعها فِيهِ: فحين شاركها الْإِنْسَان فِي هَذَا النَّوْع من الشّرْب سمي شَرّ بِهِ بالكرع (فِي الْأَصَح) وَفِي الذَّخِيرَة فِي الصَّحِيح (وَلَو) كَانَت (ملأى فعلى الْخلاف الْمَشْهُور فِي: لَا يشرب من هَذَا النَّهر) فَعنده على الكرع، وَعِنْدَهُمَا على الاغتراف أَيْضا (وأفادوا أَن مجازي الْبِئْر الاغتراف) فقولهما مَبْنِيّ على حمل الشّرْب من الْبِئْر على الْمَعْنى الْمجَازِي وَهُوَ الِاعْتِرَاف، وَقَوله على الْحَقِيقِيّ وَهُوَ الكرع. قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَإِنَّمَا قُلْنَا أَن الكرع حَقِيقَة اللَّفْظ، لِأَن من هَهُنَا لابتداء الْغَايَة: فَالْمَعْنى ابْتِدَاء الشّرْب من نفس رجله، وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بِوَضْع الْفَم عَلَيْهَا نَفسهَا، فَإِذا وضع الْفَم على يَدَيْهِ وكوز وَنَحْوه، وَفِيه مَاؤُهَا لم يصدق حَقِيقَة اللَّفْظ (وَفِيه بعد) لَا لعدم العلاقة الثَّابِتَة الِاعْتِبَار كَمَا قَالَ الشَّارِح: بل لما نقل فِي شرح الْهِدَايَة عَن أبي سُهَيْل من أَن الْبِئْر إِذا كَانَ ملآن فعندهما يَمِينه على الاغتراف
[ ٢ / ٥٥ ]
ثمَّ قَالَ وَيَنْبَغِي أَن يُقَال على مَا هُوَ أَعم من الاغتراف (وَالْأَوْجه أَن تَعْلِيق الشّرْب بهَا) أَي بالبئر (على حذف مُضَاف) أَي من مَائِهَا (فَهِيَ) أَي الْبِئْر (حَقِيقَة) والحنث بالكرع لتحَقّق الشّرْب من مَاء الْبِئْر فِيهِ، وَذكر الشَّارِح وَجها آخر، وَهُوَ التَّجَوُّز باسم الْمحل عَن الْحَال، وَجعله أوجه لأكثرية مجَاز العلاقة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مجَاز الْحَذف، ثمَّ قَالَ وأياما كَانَ يلْزم تَرْجِيح الْحِنْث بالكرع وَإِن كَانَت غير ملأى انْتهى، وَأَنت خَبِير بِأَن مجَاز الْحَذف فِي التَّحْقِيق حَقِيقَة كَمَا تقدم، والحقيقة خير من الْمجَاز إِذا لم يكن صَارف (وَمِنْه) أَي من لُزُوم الْمجَاز للهجر عَادَة حلفه (لَا يضع قدمه) فِي دَار فلَان فَإِنَّهُ مجَاز (عَمَّا تقدم) وَهُوَ دُخُولهَا على مَا أوضحه ثمَّة (و) للهجر (شرعا) حلفه (لينكحن أَجْنَبِيَّة فَلَا يَحْنَث بِالزِّنَا إِلَّا بنيته) أَي بنية الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ الَّذِي هُوَ الْوَطْء: إِذْ كالمهجور شرعا كالمجهور عرفا لمنع الْعقل وَالدّين مِنْهُ ظَاهرا، وَإِنَّمَا يَحْنَث بِالْعقدِ كَمَا تقدم، ثمَّ أَن الْمَوْجُود فِي نُسْخَة الشَّارِح وَغَيرهَا مِمَّا رَأَيْته لينكحن وَالظَّاهِر أَنه سَهْو من النَّاسِخ وَالصَّوَاب لَا ينكحن (وَالْخُصُومَة فِي التَّوْكِيل بهَا) أَي بِالْخُصُومَةِ، لِأَن حَقِيقَتهَا وَهِي الْمُنَازعَة مهجورة شرعا فِيمَا عرف الْخصم فِيهِ محقا لِأَنَّهَا حرَام لقَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَا تنازعوا﴾ - وَغَيره فَهِيَ (للجواب) مجَازًا إطلاقا لاسم السَّبَب على الْمُسَبّب (عِنْد القَاضِي) لَا غير لِأَن إِقْرَاره إِنَّمَا يَصح بِاعْتِبَار أَنه جَوَاب الْخُصُومَة، وَالْخُصُومَة تخْتَص بِمَجْلِس الْقَضَاء كالبينة والاستحلاف وَغَيرهمَا، فَكَذَا جوابها. وَفِي بعض النّسخ على اسْم السَّبَب فِي الْمُسَبّب أَي بِنَاء على اسْتِعْمَاله (فتعم) الْخُصُومَة المستعملة فِي الْجَواب (الْإِقْرَار) كالإنكار، لِأَن الْجَواب كَلَام يستدعيه كَلَام الْغَيْر ويطابقه، مَأْخُوذ من جَانب الفلاة إِذا قطعهَا، فَإِن كَلَام الْغَيْر يقطع بِهِ، وَذَلِكَ كَمَا يكون بِلَا، يكون بنعم (وَلَا يكلم الصَّبِي فَيحنث بِهِ شَيخا) أَي وَمن المهجور شرعا إِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ بِالصَّبِيِّ فِي حلفه: لَا يكلم هَذَا الصَّبِي، لِأَن الصَّبِي من حَيْثُ هُوَ صبي مَأْمُور فِيهِ بالمرحمة شرعا، فَانْصَرف الْيَمين عِنْد الْإِشَارَة إِلَى ذَات الصَّبِي إِلَى خُصُوص الذَّات من غير اعْتِبَار وصف الصِّبَا فَيحنث بِكَلَامِهِ حَال كَونه شَيخا لوُجُود الذَّات (بِخِلَاف الْمُنكر) كَأَن حلف لَا يكلم صَبيا لِأَنَّهُ لم يشر إِلَى خُصُوص ذَات كَأَن الصِّبَا نَفسه مثير الْيَمين، وَإِن كَانَ على خلاف الشَّرْع كحلفه ليشربن خمرًا (وَقد يتَعَذَّر حكمهمَا) أَي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز (فيتعذران) أَي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فَيكون ذَلِك لَغوا (كبنتي لزوجته المنسوبة) أَي كَقَوْلِه لزوجته الثَّابِت نَسَبهَا من غَيره هَذِه بِنْتي (فَلَا تحرم) عَلَيْهِ حُرْمَة أبدية سَوَاء كَانَت أكبر مِنْهُ أَو أَصْغَر، أصر على ذَلِك أم رَجَعَ، فَقَالَ: غَلطت أَو وهمت، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَإِن أصر) أَي دَامَ على هَذَا الْكَلَام (فَفرق) أَي حَتَّى فرق القَاضِي بَينهمَا (منعا من الظُّلم) بترك قربانها، وَإِنَّمَا قُلْنَا تَعَذَّرَتْ
[ ٢ / ٥٦ ]
الْحَقِيقَة هَهُنَا (للاستحالة فِي الْأَكْبَر مِنْهُ وَصِحَّة رُجُوعه) عَن كَونهَا بنته (فِي الممكنة) أَي فِي الْأَصْغَر مِنْهُ سنا (وَتَكْذيب الشَّرْع) لَهُ فِي هَذَا الْإِقْرَار لكَونه مُبْطلًا حق الْغَيْر (بدله) أَي قَائِم مقَام رُجُوعه لِأَن تَكْذِيب الشَّرْع لَا يكون أدنى من تَكْذِيب نَفسه (فَكَأَنَّهُ رَجَعَ وَالرُّجُوع عَن الْإِقْرَار بِالنّسَبِ صَحِيح) وَعند الرُّجُوع لَا يبْقى الْإِقْرَار فَلَا يثبت النّسَب مُطلقًا وَلَا فِي حق نَفسه (بِخِلَافِهِ) أَي الْإِقْرَار بِالنُّبُوَّةِ (فِي عَبده الْمُمكن) كَونه مِنْهُ من حَيْثُ السن الثَّابِت نسبه من الْغَيْر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِقْرَار على الْغَيْر لِأَنَّهُ صَار مجَازًا عَن الْحُرِّيَّة، وَالْعَبْد وَالْأَب لَا يتصوران بهَا، وَذَلِكَ بِنَاء على مَا هُوَ الأَصْل من أَن الْكَلَام إِذا كَانَ لَهُ حَقِيقَة وَلها حكم يُصَار إِلَى إِثْبَات حكم تِلْكَ الْحَقِيقَة مجَازًا عِنْد تعذر الْحَقِيقَة، وَحَيْثُ لزم أَن يكون المُرَاد بِهِ دلك لَا يَصح رُجُوعه عَنهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لعدم صِحَة الرُّجُوع عَن الْإِقْرَار بِالْعِتْقِ وَلِأَن ثُبُوته) أَي التَّحْرِيم الَّذِي هُوَ الْمَعْنى الْمجَازِي لهَذِهِ بِنْتي (إِمَّا حكما للنسب وَهُوَ) أَي النّسَب قد ثَبت (من الْغَيْر) فَيثبت للْغَيْر، لَا لَهُ (أَو بِالِاسْتِعْمَالِ) لهَذِهِ بِنْتي (فِيهِ) أَي فِي التَّحْرِيم (وَهُوَ) أَن التَّحْرِيم الَّذِي هُوَ حكم النّسَب: أَعنِي الأبدي (منَاف لسبق الْملك) بِالنِّكَاحِ لانْتِفَاء صِحَة نِكَاح الْمُحرمَات (لَا أَنه) أَي التَّحْرِيم الْمَذْكُور (من حُقُوقه) أَي حُقُوق ملك النِّكَاح (وَالَّذِي من حُقُوقه) أَي التَّحْرِيم الَّذِي من حُقُوق ملك النِّكَاح وَهُوَ إنْشَاء التَّحْرِيم الْكَائِن بِالطَّلَاق (لَيْسَ اللَّازِم) للمعنى الْحَقِيقِيّ (ليتجوز بِهِ) أَي بِهَذِهِ بِنْتي (فِيهِ) أَي فِي التَّحْرِيم الْكَائِن بِالطَّلَاق.