(الْفَاء للتَّرْتِيب بِلَا مُهْملَة فَدخلت فِي الأجزئة) لتعقبها الشُّرُوط بِلَا مهلة (فَبَانَت غير الملموسة) أَي غير الْمَدْخُول بهَا (بِوَاحِدَة فِي أَنْت طَالِق فطالق) لزوَال الْمَحَلِّيَّة لما بعد الْفَاء بِسَبَب وُقُوع مَا قبلهَا (و) دخلت فِي (المعلولات) لِأَنَّهَا تتعقب عليتها بِلَا تراخ (كجاء الشتَاء فتأهب) أَي هِيَ مَا تحْتَاج إِلَيْهِ فِيهِ مَحْمُولا (على التَّجَوُّز بجاء عَن قرب فَإِن قربه عِلّة التأهب لَهُ) يَعْنِي أَن قرينَة السِّيَاق وَالْمقَام دلّت على أَن الْفَاء دَاخِلَة على الْمَعْلُول وَالتَّأَهُّب لَيْسَ بمعلول
[ ٢ / ٧٥ ]
حَقِيقَة للشتاء بل قربه (وَقَوله ﷺ) " لن يَجْزِي ولد وَالِده إِلَّا أَن يجد مَمْلُوكا " (فيشتريه فيعقته) رَوَاهُ مُسلم (لِأَن الْعتْق مَعْلُول معلوله) أَي الشِّرَاء إِذْ الشِّرَاء عِلّة للْملك، وَالْملك عِلّة لِلْعِتْقِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله أَي فيشتريه (فَيعتق بِسَبَب شِرَائِهِ) إِنَّمَا فسره بِهِ لِئَلَّا يحمل على ظَاهره: وَهُوَ أَنه بعد مَا يَشْتَرِيهِ يعتقهُ قصدا مثل مَا يعْتق غير الْقَرِيب فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يكون الْعتْق إِلَّا بِسَبَب الْإِعْتَاق لَا الشِّرَاء، وَقد علم بذلك أَن هَذَا الْمَعْلُول بالواسطة مُغَاير بِالذَّاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعلَّة (فَلَيْسَ) هَذَا الْمِثَال (من) قبيل (اتِّحَاد الْعلَّة والمعلول فِي الْوُجُود) كَمَا زعم الْبَعْض من أَن الشِّرَاء وَالْعِتْق شَيْء وَاحِد فِي الْخَارِج وَإِن تغايرا بِحَسب الْمَفْهُوم (وَلَا) من (نَحْو: سقَاهُ فأرواه) كَمَا ذكره صدر الشَّرِيعَة: إِذْ الإرواء يَتَرَتَّب على السَّقْي بِلَا وَاسِطَة، وَالْعِتْق إِنَّمَا يَتَرَتَّب على الشِّرَاء بِوَاسِطَة الْملك (فَلذَلِك) أَي لكَون الْفَاء لترتيب مَا بعْدهَا على مَا قبلهَا (تضمن الْقبُول) للْبيع (قَوْله فَهُوَ حر) حَال كَونه (جَوَاب) من قَالَ (بعتكه بِأَلف) لِأَن تَرْتِيب الْحُرِّيَّة على هَذَا القَوْل لَا يتَصَوَّر إِلَّا بِقبُول البيع الْمُوجب للْملك الْمُصَحح للإعتاق فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: قبلت فَهُوَ حر (لَا هُوَ حر) أَي لَا يتَضَمَّن هُوَ حر الْقبُول بعد قَوْله بعتكه بِأَلف لعدم مَا يدل على مَا قبله (بل هُوَ رد للْإِيجَاب) وَهُوَ قَوْله بعتكه الخ وَمَعْنَاهُ كَيفَ تبيعه وَهُوَ حر (و) كَذَلِك (ضمن الْخياط) الثَّوْب إِذا (قَالَ لَهُ) مَالِكه (أيكفيني قَمِيصًا قَالَ) الْخياط (نعم قَالَ) مَالِكه (فاقطعه فَقَطعه فَلم يكفه) لِأَن الْفَاء دلّت على أَن الْأَمر بِالْقطعِ مُرَتّب على الْكِفَايَة مَشْرُوط بهَا لَا فِي اقطعه فَلم يكفه) أَي لَا يضمن الْخياط فِيمَا إِذا قَالَ صَاحب الثَّوْب اقطعه بدل فاقطعه والمسئلة بِحَالِهَا لعدم مَا يدل على كَون الْأَمر بِالْقطعِ مَشْرُوطًا بالكفاية (وَتدْخل) الْفَاء (الْعِلَل) حَال كَونهَا (خلاف الأَصْل) لعدم ترَتّب الْعلَّة على الْمَعْلُول وَتحقّق الْعَكْس دُخُولا (كثيرا لدوامها) أَي لكَون الْعِلَل مَوْجُودَة بعد وجود الْمَعْلُول مُدَّة مديدة (فَتَأَخر) الْعلَّة عَن الْمَعْلُول (فِي الْبَقَاء) فَبِهَذَا الِاعْتِبَار تدخل الْفَاء عَلَيْهَا (أَو بِاعْتِبَار أَنَّهَا) أَي الْعلَّة (معلولة فِي الْخَارِج) أَي فِي خَارج الذِّهْن (للمعلول) وَهَذَا إِذا كَانَ مَدْخُول الْفَاء عِلّة غائية لما قبلهَا، فَإِنَّهُ بِحَسب الْوُجُود الذهْنِي مقدم على الْمَعْلُول فَإِن تعقل الرِّبْح مقدم على تحقق التِّجَارَة فِي الْخَارِج وَتحقّق الرِّبْح مُؤخر عَن تحقق التِّجَارَة فِي الْخَارِج (وَمن الأول لَا الثَّانِي أبشر فقد أَتَاك الْغَوْث) قَالَ الشَّارِح أَي من دُخُولهَا على الْعلَّة الْمُتَأَخِّرَة فِي الْبَقَاء، لَا من دُخُولهَا على الْمَعْلُول فِي الْخَارِج، فَإِن الْغَوْث بَاقٍ بعد الإبشار كَذَا قَالُوا، وَفِيه تَأمل انْتهى. إِنَّمَا جعل هَذَا الْمِثَال مِمَّا دخلت على الْعلَّة نظرا إِلَى الظَّاهِر، إِذْ إتْيَان الْغَوْث عِلّة للبشارة لَا الْعَكْس. وَقد يُقَال أَن قَوْله أبشر عِلّة للإخبار بمضمون قد أَتَاك الْغَوْث، لِأَنَّهُ يدل إِجْمَالا على مُوجب السرُور، وَبِه يحصل قلق واضطراب لَا ينْدَفع
[ ٢ / ٧٦ ]
إِلَّا بِذكر المبشر بِهِ، فَالْمُرَاد بِالْأولِ دخلوها فِي المعلولات. وَبِالثَّانِي دُخُولهَا فِي الْعِلَل، لَا يُقَال قد دخلت فِيمَا هُوَ عِلّة فِي نفس الْأَمر، فَكيف يَنْفِي، لِأَن النَّفْي باعتبارات الْمُتَكَلّم لم يقْصد إدخالها عَلَيْهِ من حَيْثُ أَنه عِلّة، بل من حَيْثُ أَنه مَعْلُول من حَيْثُ الْإِخْبَار، لَكِن آخر الْكَلَام يمْنَع تَفْسِير الأول وَالثَّانِي بِالْمَعْنَى الَّذِي ذكر على مَا سَيظْهر، ثمَّ وَجه التَّأَمُّل فِي كَلَام الشَّارِح أَن إتْيَان الْغَوْث الَّذِي هُوَ عِلّة الْبشَارَة لَا بَقَاء لَهُ بعد الْبشَارَة (وَمِنْه) أَي وَمن الأول أَيْضا (أد) إِلَيّ ألفا (فَأَنت حر) فقد دخلت الْفَاء على الْعلَّة الْمُتَأَخِّرَة فِي الْبَقَاء إِذْ الْعتْق يَمْتَد. وَوجه علية الْحُرِّيَّة للْأَدَاء أَن صِحَة الْأَدَاء مَوْقُوفَة على الْحُرِّيَّة الْحَاصِلَة عِنْد قبُول العَبْد مَا علق الْمولى عتقه عَلَيْهِ إِذْ العَبْد لَا يقدر على الْأَدَاء فِي حَال مملوكيته إِذْ مَا فِي يَده ملك للْمولى فَلَا يصلح بَدَلا عَن نَفسه (_ و) مِنْهُ أَيْضا قَول الإِمَام للحربي (انْزِلْ فَأَنت آمن) فَإِن الْأمان يَمْتَد فَأشبه المتراخي عَن النُّزُول (وَتعذر الْقلب) بِأَن يكون بِمَعْنى أَنْت حر فأد وَأَنت آمن فَانْزِل لتَكون الْفَاء دَاخِلَة على الْمَعْلُول معنى (لِأَنَّهُ) أَي الْحمل على الْقلب (بِكَوْنِهِ) أَي مَا بعد الْفَاء (جَوَاب الْأَمر) لِأَنَّهُ إِذا كَانَ جَوَابه كَانَ بِمَنْزِلَة جَزَاء الشَّرْط فَإِن أنزل تصب خيرا فِي معنى أَن تنزل تصبه، وَفِي مثله قد يحصل على الْقلب فيراد إِن تصب خيرا تنزل لكَونه لَازِما للْأَصْل: إِذْ سَبَبِيَّة النُّزُول لإصابة الْخَيْر يلْزمه أَن من تقرر فِي حَقه إِصَابَة الْخَيْر ينزل فَتدبر (وَجَوَابه يخص الْمُضَارع) لِأَن الْأَمر إِنَّمَا يسْتَحق الْجَواب بِتَقْدِير إِن المختصة بِهِ: وَهِي إِذا كَانَت مقدرَة لَا تجْعَل الْمَاضِي وَالْجُمْلَة الاسمية بِمَعْنى الْمُسْتَقْبل، هَذَا غَايَة مَا تيَسّر من التَّوْجِيه، وَفِيه مَا فِيهِ، وَهَذَا كُله بِنَاء على مَا فسر بِهِ الشَّارِح الْقلب، وَالْحق أَن المُرَاد من الْقلب عكس قَوْله من الأول لَا الثَّانِي: أَي من الثَّانِي: وَهُوَ الدُّخُول على الْعلَّة بِاعْتِبَار أَنَّهَا معلولة فِي الْخَارِج لَا الأول: وَهُوَ الدُّخُول عَلَيْهَا بِاعْتِبَار تأخرها فِي الْبَقَاء، وَذَلِكَ لِأَن تعقل الْأَمْن عِلّة النُّزُول وَهُوَ مَعْلُول النُّزُول فِي الْخَارِج، لِأَن الْمَعْنى أَن تنزل تأمن فَيصير نُزُوله سَببا للأمن، وَلذَا علل تعذره بِأَن هَذَا مَبْنِيّ على كَون فَأَنت آمن جَوَاب الْأَمر، وَلَا يَصح لِأَنَّهُ يخص الْمُضَارع وَقد بَيناهُ (فَيعتق) فِي الْحَال أدّى أَو لم يؤد، لِأَن الْمَعْنى لِأَنَّك حر (و) كَذَا (يثبت الْأمان فِي الْحَال) نزل أَو لم ينزل، فَقَوله فِي الْحَال مُتَعَلق بالفعلين جَمِيعًا (وَمن الثَّانِي) أَي دُخُولهَا على الْعلَّة المعلولة فِي الْخَارِج مَا أخرج النَّسَائِيّ فِي الشُّهَدَاء عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (زملوهم الحَدِيث) أَي بدمائهم فَإِنَّهُ لَيْسَ كلم يكلم فِي سَبِيل الله إِلَّا يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يدمي، لَونه لون الدَّم وريحه ريح الْمسك، فَإِن الْإِتْيَان على هَذِه الْكَيْفِيَّة يَوْم الْقِيَامَة عِلّة تزميلهم فِي الذِّهْن، والتزميل: الْإخْفَاء واللف فِي الثَّوْب وَهُوَ معلوله فِي الْخَارِج (وَاخْتلفُوا فِي عطفها) أَي الْفَاء (الطلقات) حَال كَونهَا (معلقَة) على الشَّرْط فِي
[ ٢ / ٧٧ ]
غير الْمَدْخُول بهَا كَأَن دخلت فَأَنت طَالِق فطالق (قيل) هُوَ (كالواو) أَي على الْخلاف فَعنده تبين بِوَاحِدَة وَيسْقط مَا بعْدهَا لزوَال الْمَحَلِّيَّة بِالْأولَى، وَعِنْدَهُمَا يَقع الْكل جملَة على مَا ذكر (وَالأَصَح الِاتِّفَاق على الْوحدَة للتعقيب) الْمُفِيد وُقُوع الْمَعْطُوف بعد الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فَصَارَ كثم وَبعد (وتستعار الْفَاء لِمَعْنى الْوَاو فِي لَهُ عَليّ دِرْهَم فدرهم) إِذْ التَّرْتِيب فِي الْأَعْيَان لَا يتَصَوَّر، إِنَّمَا التَّرْتِيب فِي الْمعَانِي جَاءَ زيد فعمرو، وَقيل هَذَا من إِطْلَاق اسْم الْكل على الْجُزْء، لِأَن مَفْهُوم الْوَاو: وَهُوَ الْجمع الْمُطلق جُزْء مَفْهُوم الْفَاء: إِذْ هُوَ الْجمع مَعَ التَّرْتِيب، ثمَّ هَذِه الِاسْتِعَارَة مسموعة. قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(بسقط اللوى بَين الدُّخُول فحومل )
فَإِنَّهُمَا اسمان لموضعين (يلْزمه اثْنَان) كَمَا فِي قَوْله لَهُ عَليّ دِرْهَم وَدِرْهَم، وَعَن الشَّافِعِي أَنه يلْزمه دِرْهَم وَاحِد بِجعْل قَوْله فدرهم جملَة مُبتَدأَة لتحَقّق الدِّرْهَم الأول، تَقْدِيره فَهُوَ دِرْهَم.