(ثمَّ لتراخي مدخولها عَمَّا قبله) حَال كَونهَا مدخولها (مُفردا، والاتفاق على وُقُوع الثَّلَاث على المدخولة فِي طَالِق ثمَّ طَالِق ثمَّ طَالِق فِي الْحَال بِلَا زمَان) متراخ بَينهمَا (لاستعارتها لِمَعْنى الْفَاء) إِذْ لَا فَائِدَة لاعْتِبَار التَّرَاخِي فِي المدخولة، لَا بِاعْتِبَار الحكم وَلَا بِاعْتِبَار التَّكَلُّم كَمَا لَا يحفى (وتنجيزه) أَي أبي حنيفَة (فِي غَيرهَا) أَي المدخولة (وَاحِدَة وإلغاء مَا بعْدهَا) أَي تِلْكَ الْوَاحِدَة (فِي طَالِق ثمَّ طَالِق ثمَّ طَالِق إِن دخلت و) قَوْله (فِي المدخولة تنجزا) أَي الْأَوَّلَانِ (وَتعلق الثَّالِث وَإِن تقدم الشَّرْط تعلق الأول وَوَقع مَا بعده فِي المدخولة وَفِي غَيرهَا) أَي المدخولة (تعلق الأول وتنجز الثَّانِي فَيَقَع الأول عِنْد الشَّرْط بعد التَّزَوُّج الثَّانِي) صفة التَّزَوُّج، قيد بِهِ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالثَّانِي الْمُنجز، وَذَلِكَ لِأَن زَوَال الْملك لَا يبطل الْيَمين وَهِي لم تنْحَل (ولغا الثَّالِث) لعدم الْمحل. وَقَوله تنجيزه مُبْتَدأ خَبره (لاعتباره) أَي أبي حنيفَة التَّرَاخِي الْمَدْلُول عَلَيْهِ بثم (فِي (التَّكَلُّم فَكَأَنَّهُ سكت بَين الأول وَمَا يَلِيهِ) إِنَّمَا قَالَ كَأَنَّهُ لِأَنَّهُ لم يَقع مِنْهُ سكُوت بَينهمَا غير أَنه أَفَادَ بثم أَن مَا بعْدهَا متراخ عَمَّا قبلهَا، وَحمل ذَلِك على التَّرَاخِي بِاعْتِبَار التَّكَلُّم: يَعْنِي أَن التَّكَلُّم بِالثَّانِي متراخ عَن التَّكَلُّم بِالْأولِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ سكت بَينهمَا (وَحَقِيقَة) أَي السُّكُوت (قَاطِعَة لِلْعِتْقِ) بِالشّرطِ فَكَذَا مَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ (كَمَا لَو قَالَ لَهَا) أَي لغير المدخولة (بِلَا أَدَاة إِن دخلت فَأَنت طَالِق طَالِق طَالِق: ذكره الطَّحَاوِيّ) ووجهة أَن الأول تعلق بِالشّرطِ، وَالثَّانِي وَقع مُنجزا، تَقْدِيره أَنْت طَالِق ولغا الثَّالِث لإبانتها إِلَى عدَّة، فالتشبيه بِاعْتِبَار الحكم لَا الْوَجْه (وعلقاها) أَي الإمامان الثَّلَاث بِالشّرطِ (فيهمَا) أَي فِي تقدم الشَّرْط وتأخره (فَيَقَع
[ ٢ / ٧٨ ]
عِنْد) وجود (الشَّرْط فِي غَيرهَا) أَي غير المدخولة (وَاحِدَة) وَهِي الأولى (للتَّرْتِيب) عِنْد الْوُقُوع على طبق التَّرْتِيب عِنْد التَّعْلِيق، وَيَلْغُو الْبَاقِي لانْتِفَاء الْمَحَلِّيَّة بالبينونة بِالْأولِ إِلَى عدَّة (وفيهَا) أَي المدخولة يَقع (الْكل مُرَتبا لِأَن التَّرَاخِي) الْمَدْلُول عَلَيْهِ بثم (فِي ثُبُوت حكم مَا قبلهَا) أَي ثمَّ (لما بعْدهَا) كَمَا تَقْتَضِيه اللُّغَة فَإِنَّهُ لَا يفهم من جَاءَ زيد ثمَّ عَمْرو إِلَّا تراخي عَمْرو عَن زيد فِي ثُبُوت حكم الْمَجِيء بِثُبُوتِهِ لعَمْرو وَبعد زمَان، وَأما كَون التَّكَلُّم بِعَمْرو بعد التَّكَلُّم بزيد فَلَيْسَ مِمَّا يقْصد مِنْهُ لُغَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لَا فِي التَّكَلُّم، واعتباره) أَي أبي حنيفَة التَّرَاخِي فِي التَّكَلُّم حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق و(سكت) ثمَّ قَالَ وَأَنت طَالِق اعْتِبَار (بِلَا مُوجب، وَمَا خيل دَلِيلا) على اعْتِبَار التَّرَاخِي فِيهِ (من) لُزُوم (ثُبُوت تراخي حكم الإنشاءات عَنْهَا) أَي عَن الإنشاءات على تَقْدِير اعْتِبَاره فِي الحكم من غير اعْتِبَاره فِي التَّكَلُّم (وَهِي) أَي الْأَحْكَام (لَا تتأخر) عَن الإنشاءات، فِي التَّوْضِيح إِنَّمَا جعل رَاجعا إِلَى التَّكَلُّم، لِأَن التَّرَاخِي فِي الحكم مَعَ عَدمه فِي التَّكَلُّم يمْنَع فِي الإنشاءات لِأَن الْأَحْكَام لَا تتراخى عِنْد التَّكَلُّم فِيهَا، فَلَمَّا كَانَ الحكم متراخيا كَانَ التَّكَلُّم متراخيا تَقْديرا كَمَا فِي التَّعْلِيق فَإِن قَوْله إِن دخلت فَأَنت طَالِق يصير كَأَنَّهُ قَالَ عِنْد الدُّخُول أَنْت طَالِق، وَلَيْسَ هَذَا القَوْل فِي الْحَال تطليقا: أَي تكلما بِالطَّلَاق: بل يصير تطليقا عِنْد الشَّرْط (فَلَزِمَ الحكم على اللُّغَة بِهَذَا الِاعْتِبَار) أَي اعْتِبَار التَّرَاخِي فِي التَّكَلُّم، تَفْرِيع على مَا علم ضمنا كَأَنَّهُ قَالَ إِن لم تعْتَبر هَكَذَا ثَبت تراخي الْأَحْكَام عَن الإنشاءات وَهِي لَا تتأخر فَلَزِمَ علينا أَن نحكم على لَفْظَة ثمَّ بِأَنَّهُ قد يُرَاد بِهِ لُغَة التَّرَاخِي فِي التَّكَلُّم، وَفِيه إِشْعَار بالاعتراض، وَهِي أَن اللُّغَة تحكم وَلَا يحكم عَلَيْهَا (مَمْنُوع الْمُلَازمَة) خبر الْمَوْصُول، وَذَلِكَ لِأَن توهم لُزُوم التَّرَاخِي الحكم، وَهُوَ وُقُوع الطَّلَاق عَن الْإِنْشَاء، وَهُوَ تَنْجِيز الطَّلَاق اللَّازِم للتعليق إِنَّمَا هُوَ عِنْد وجود الشَّرْط: إِذْ الطَّلَاق الْمُعَلق عِنْد تحقق الْمُعَلق بِهِ يصير مُنجزا فَكَأَنَّهُ قَالَ عِنْد دُخُول الدَّار: أَنْت طَالِق ثمَّ طَالِق ثمَّ طَالِق. وَأَنت خَبِير بِأَن تراخيه إِنَّمَا يلْزم لَو اعْتبر وجود مَا عطف بثم مُتَّصِلا بِوُجُود الشَّرْط، وَأما إِذا اعْتبر متراخيا فَلَا تراخي لحكمه عَنهُ فَإِن قلت كَيفَ يعْتَبر الْجَزَاء متراخيا عَن الشَّرْط قُلْنَا لكَونه علق على هَذَا الْوَجْه، وَقد استبان بِهَذَا أَن تَقْرِير السُّكُوت فِي زمَان التَّعْلِيق بِحَيْثُ يمْنَع عِنْد كَون مَجْمُوع المتعاطفات مُعَلّقا بِالشّرطِ فِي صُورَتي تَقْدِيم الشَّرْط وتأخيره مَعَ أَنه لَا يتَصَوَّر هُنَاكَ تَرْتِيب الحكم مَا لَا يظْهر لَهُ وَجه فَتدبر (وَلَو اكْتفى) أَبُو حنيفَة فِي اعْتِبَار التَّرَاخِي فِي التَّكَلُّم (بِاعْتِبَارِهِ) أَي التَّرَاخِي الْمَذْكُور (شرعا) أَي من حَيْثُ الشَّرْع لَا من حَيْثُ اللُّغَة (فَفِي محلّة تراخي حكمه) أَي فَلَا يعْتَبر حِينَئِذٍ إِلَّا فِي مَحل تراخي حكم الْإِنْشَاء (وَهُوَ) أَي مَحل تراخيه إِنَّمَا يتَحَقَّق
[ ٢ / ٧٩ ]
(فِي الْإِضَافَة) كَمَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق غَدا (وَالتَّعْلِيق) كَمَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق إِن دخلت الدَّار (دون عطفه) بعض أَجزَاء الْإِنْشَاء (بثم) على الْبَعْض (لِأَنَّهُ) أَي الْعَطف (النزاع) أَي مَحل النزاع، أَو المنازع فِيهِ (على أَنا نمنعه) أَي تراخي الحكم (فيهمَا) أَي الْإِضَافَة وَالتَّعْلِيق (أَيْضا بِمَعْنى اعْتِبَار السُّكُوت، وَمَا قيل) قَالَه غير وَاحِد (هِيَ) أَي ثمَّ (للتراخي فَوَجَبَ كَمَاله) لانصراف الْمُطلق إِلَى الْكَامِل (وَهُوَ) أَي كَمَاله (بِاعْتِبَارِهِ) أَي التَّرَاخِي فِي التَّكَلُّم وَالْحكم (مَمْنُوع) الْمُقدمَة (الثَّانِيَة) أَي كَمَاله بِاعْتِبَارِهِ (إِذْ الْمَفْهُوم) من التَّرَاخِي بثم (لَيْسَ غير حكم اللَّفْظ) أَي التَّرَاخِي بِاعْتِبَار حكم اللَّفْظ (فِي الْإِنْشَاء وَمَعْنَاهُ) أَي وتراخي معنى اللَّفْظ (فِي الْخَبَر، وَهَذَا) الْجَواب (يصلح) جَوَابا (عَن الأول أَيْضا) وَهُوَ مَا ظن دَلِيلا (وَكَذَا) ثمَّ للتراخي (فِي الْجمل) أَيْضا (وموهم خِلَافه) أَي خلاف كَونهَا للتراخي فِيهَا من نَحْو قَوْله تَعَالَى - ﴿وَإِنِّي لغفار لمن تَابَ وآمن وَعمل صَالحا ثمَّ اهْتَدَى﴾: إِذْ الاهتداء لَيْسَ بمتراخ عَن الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح، وَقَوله تَعَالَى - ﴿فَلَا اقتحم الْعقبَة﴾ - إِلَى قَوْله ﴿ثمَّ كَانَ من الَّذين آمنُوا﴾ إِذْ كَونه من الْمُؤمنِينَ الخ لَيْسَ بمتراخ عَمَّا ذكر قبله، إِذْ هُوَ أصل كل طَاعَة (تؤول بترتب الِاسْتِمْرَار) أَي ثمَّ اسْتمرّ على الْهدى، ثمَّ اسْتمرّ على الْإِيمَان كَمَا قيل:
(لكل إِلَى نيل العلى حركات وَلَكِن عَزِيز فِي الرِّجَال ثبات)
وَيجوز أَن يكون فِي نَحْوهمَا مستعار للتفاوت فِي الْمرتبَة والمنزلة، فَإِن للاهتداء الْكَامِل مرتبَة بعيدَة عَن حُدُوث أصل الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح، وَأما مرتبَة الْإِيمَان بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذكر قبله فَلَا تحْتَاج إِلَى الْبَيَان.