الخطاب إن اقتضى الوجود ومنع النقيض فوجوب.
لما قدم أن الحكم هو: الخطاب، صح التقسيم في الخطاب، وقرن الخطاب باللام لإفادة المعهود السابق، وهو خطاب الله تعالى.
فخطاب الله تعالى، إن اقتضى أي طلب وجود الفعل، ومنع من نقيضه هو الترك فوجوب.
وإن اقتضى الوجود ولم يمنع من الترك فندب.
[ ١ / ٣٢٧ ]
وإن اقتضى الترك أي ترك الفعل ومنع من النقيض وهو الإتيان به فحرمة، وإلا فكراهة أي: وإن اقتضى الترك ولم يمنع من الإتيان به فكراهة.
وزاد إمام الحرمين: خلاف الأولى فقال: الخطاب إن اقتضى الترك دون جزم فإن كان بنهى مخصوص (فالكراهة أو غير مخصوص) فخلاف الأولى.
[ ١ / ٣٢٨ ]
وإن كان الخطاب لا يقتضي شيئًا بل خيرنا بين الإتيان والترك فإباحة وإليه أشار بقوله: وإن خيرنا فإباحة.
فحد الوجوب مثلًا طلب الفعل مع المنع من الترك، وأمثلة الباقي
[ ١ / ٣٢٩ ]
لا تخفى.
ويرسم الواجب أي بأنه الذي يذم شرعًا تاركه قصدًا مطلقًا.
الرسم التعريف بالجنس والخاصة فالواجب الفعل المتعلق بالوجوب.
[ ١ / ٣٣٠ ]
وقوله: بأنه الذي، مراده به الفعل، فهو كالجنس دخل فيه الأحكام الخمسة.
والمراد بالذم شرعًا: نص الشارع به أو بدليله، وذلك أنه لا وجوب إلا بالشرع.
ومعنى الذم على تركه أنه على حالة لو تركه لكان مستنقصًا وملامًا، بحيث ينتهي الاستنقاصواللوم إلى حد يصلح لترتيب العقاب عليه.
واحتزر به عن المندوب والمكروه والمباح؛ إذ لا ذم فيهما.
وقوله: «تاركه» أخرج به الحرام فإنه يذم فاعله.
[ ١ / ٣٣١ ]
وقوله: قصدًا، أي هو الذي بحيث لو ترك قصدًا لذم؛ إذ التارك لا على سبيل القصد لا يذم.
ويجوز أنه احترز به عما إذا مضى من الوقت مقدار يتمكن فيه من إيقاع الصلاة، ثم تركها بنوم أو نسيان (أو موت) فإن هذه الصلاة واجبة، ومع ذلك لم يذم شرعًا تاركها لأنه ما تركها؛ قصدًا فأتى بهذا القيد لإدخال هذا الواجب في الحد، فيصير به جامعًا.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وقوله: «مطلقًا» ليدخل من الواجبات ما لا يذم تاركه كيفما تركه، بل بوجه دون وجه: وهو الموسع فإنه يذم تاركه إذا تركه في جميع وقته ولو تركه في بعض الوقت وفعله في بعض لا يذم.
وكذا فرض الكفاية فإنه يذم تاركه إذا لم يقم به غيره في ظنه.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وكذا المخير إذا قلنا: كل واحد واجب، فإنه يذم تاركه إذا ترك معه الآخر. إذا عرفت ذلك فالواجب يرادفه الفرض عند الجمهور.
وقالت الحنفية: الفرض ما ثبت من التكليف بقطعي كالصلوات الخمس.
[ ١ / ٣٣٤ ]
والواجب: ما ثبت بظني كوجوب الوتر.
والنزاع لفظي، فنحن نجعل اللفظين اسمًا لمعنى واحد تتفاوت أفراده.
وهم يخصون كلًا منهما بقسم من ذلك المعنى ويجعلونه اسمًا له.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وقد يتوهم من جعلهما مترادفين أن خبر الواحد «الظني»، بل القياس المبني عليه في مرتبة الكتاب القطعي حيث جعل مدلولهما واحدًا وهو غلط ظاهر.
وأورد أنه قد فرق أصحابنا بين الفرض والواجب في الحج.
[ ١ / ٣٣٦ ]
حيث قالوا: الواجب ما يجبر بالدم والركن ما لا يجبر به.
والفرض يشملها، فيكون الفرض في هذا الموضع أعم من الواجب.
وأيضًا: إذا قال: الطلاق واجب علي طلقت زوجته بخلاف ما إذا قال: فرض علي على رأي.
وأجيب بأن الكلام هنا: في الأسماء الشرعية، فالمراد يترادف الفرض والواجب أنهما جميعًا يطلقان في الشرع على ما يمدح فاعله ويذم تاركه، والطلاق مبناه على وضع اللغة أو عرف الناس.
[ ١ / ٣٣٧ ]
والتحقيق: أن الفرض له إطلاقان: منها ما يأثم تاركه، وهو مرادف الواجب. ومنها ما لابد منه وهو الركن.
والواجب له إطلاقان: ما يمدح فاعله، ويذم تاركه، وهو مرادف للفرض بالمعنى الأول. وهو ما يقابل الركن).
والمندوب أي: الفعل الذي يتعلق به الندب.
وهو لغة: المدعو إليه فسمى الفعل بذلك لدعاء الشارع إليه وأصله المندوب إليه، ثم توسع بحذف حرف الجر فاستكن الضمير.
واصطلاحًا: ما يمدح فاعله ولا يذم تاركه.
فقوله يمدح: أخرج به المباح؛ إذ لا مدح فيه ولا ذم.
[ ١ / ٣٣٨ ]
وقوله: «فاعله» أخرج به الحرام والمكروه، إذ يمدح تاركهما.
والمراد بالفعل هنا هو الصادر من الشخص؛ ليعم الفعل المعروف والقول نفسانيًّا أو لسانيًّا فتدخل الأذكار القلبية واللسانية.
وقوله: ولا يذم تاركه، أخرج الواجب بجميع أقسامه فإن تاركه يذم في الجملة؛ لأنه نكرة في سياق النفي فيعم.
(والمحققون من النحاة على أن المراد بتنكير الجملة أن المفرد الذي يسبك منها نكرة في عموم الفعل المنفي ليس من جهة تنكيره، بل من جهة أن ما يتضمنه من المصدر نكرة، فمعنى ولا يذم تاركه، لا يكون ذم على تاركه).
[ ١ / ٣٣٩ ]
والمندوب يسمى: سنة ونافلة ومستحبًّا وتطوعًا ومرغوبًا فيه ألفاظ مترادفة.
وخالف في ذلك القاضي حسين والبغوي.
[ ١ / ٣٤٠ ]
والخوارزمي وقالوا: السنة ما واظب عليه النبيﷺ-.
والمستحب: ما فعله مرة أو مرتين.
والتطوع: ما ينشئه الإنسان باختياره من الأغراض.
ولم يتعرضوا للمندوب؛ لشموله للأقسام الثلاثة كما هو الظاهر، والخلاف لفظي عائد إلى اللفظ والتسمية.
[ ١ / ٣٤١ ]
والحرام ما أي فعل يذم (شرعًا فاعله)
[ ١ / ٣٤٢ ]
(فبقوله يذم: أخرج المكروه والمندوب والمباح.
وقوله: «شرعًا» إشارة إلى أن الذم لا يكون إلا بالشرع كما مر، خلافًا للمعتزلة.
وقوله: فاعله أخرج به الواجب.
والمراد بالفعل: الشيء الصادر من الفاعل ليعم الغيبة والنميمة من الأقوال والحسد والحقد ونحوهما من أعمال القلب.
[ ١ / ٣٤٣ ]
ويسمى الحرام معصية، وذنبًا، وقبيحًا، ومزجورًا عنه، ومتوعدًا عليه، أي من الشرع.
والمكروه ما أي فعل يمدح تاركه ولا يذم فاعله.
فـ «يمدح» أخرج المباح، و«تاركه» أخرج الواجب والمندوب.
«ولا يذم فاعله» أخرج الحرام.
والمباح لغة: الموسع فيه.
[ ١ / ٣٤٤ ]
واصطلاحًا: ما أي فعل لا يتعلق بفعله ولا تركه مدح ولا ذم، فخرج الأربعة وهو ظاهر، ويسمى المباح طلقًا وحلالًا.
الثاني: ما نهى عنه شرعًا فقبيح وإلا فحسن كالواجب والمندوب
[ ١ / ٣٤٥ ]
والمباح وفعل غير المكلف.
[ ١ / ٣٤٦ ]