الزنا، فليس حكمًا، وإنما الحكم جعله سببًا فهو سببي).
الرابع: الصحة: استتباع الغاية وبإزائها البطلان والفساد.
هذا تقسيم رابع للحكم باعتبار اجتماع الشروط المعتبرة في الفعل وعدم اجتماعها فيه سواء كان عبادة أو معاملة.
وغاية الشيء هو الأثر المقصود منه كحل الانتفاع بالمبيع مثلًا
[ ١ / ٣٥٥ ]
والاستمتاع في النكاح.
فإن ترتبت الغاية على الفعل وتبعته في الوجود كان صحيحًا فاستتباع الغاية طلب الفعل لتبعية غايته وترتب وجودها على وجوده؛ لأن السين للطلب.
وكأنه جعل الفعل الصحيح طالبًا ومقتضيًا لترتب أثره عليه مجازًا.
وأورد عليه أنه غير منعكس، لخروج المبيع قبل القبض في مدة الخيار إذا كان للبائع، فإنه صحيح، مع أنه لم يترتب عليه أثره وهو
[ ١ / ٣٥٦ ]
حل الانتفاع.
وغير مطرد لدخول الخلع والكتابة الفاسدين فإنه يترتب عليهما أثرهما من البينونة والعتق مع أنهما غير صحيحين.
[ ١ / ٣٥٧ ]
وأجيب عن الأول:
بأن المراد كونه متهيئًا لتبعية غايته له، ولا شك أن المبيع قبل القبض كذلك، وإن توقف على شرط.
(وقد يجاب عن الثاني بأن المراد ترتب أثره عليه من كل الوجوه.
ومقابل الصحة: البطلان والفساد، لفظان مترادفان، فإن معناهما كون الشيء لم يستتبع غايته) وفي أبواب في الفقه فرقوا بين الفاسد والباطل.
(والتحقيق أن الفاسد له إطلاقان:
[ ١ / ٣٥٨ ]
أحدهما: ما لا يترتب أثره عليه، وهذا هو المرادف للباطل وهما يقابلان الصحة.
الثاني: ما لا يترتب عليه أثره من كل الوجوه، بل من بعض الوجوه.
وهذا لا يرادف الباطل، وإن كان مقابلًا للصحيح).
وغاية المعاملات ترتب أثرها عليها كما أشار إليه بقوله: والمعني بالصحة إباحة الانتفاع (أي صحتها).
وغاية العبادة موافقة الأمر عند المتكلمين، وسقوط القضاء لدى الفقهاء.
- وفائدة الخلاف فيمن صلى بظن الطهارة ثم تبين له الحدث
[ ١ / ٣٥٩ ]
فتسمى هذه الصلاة صحيحة عند المتكلمين لموافقة الأمر.
غير صحيحة عند الفقهاء، لعدم سقوط القضاء؛ إذ لا خلاف في وجوب القضاء.
(وإليه أشار بقوله: وصلاة من ظن أنه متطهر صحيحة على الأول لا على الثاني).
وقال السبكي: تسمية الفقهاء هذه الصلاة باطلة ليس لاعتبارهم سقوط القضاء في حد الصحة كما ظنه الأصوليون، بل لأن شرط الصلاة الطهارة في نفس الأمر والصلاة بدون شرطها فاسد وغير مأمور بها.
ثم استدل على هذا: بأن الفقهاء يقولون كل من صحت صلاته صحة مغنيةً عن القضاء جاز الاقتداء به، فإنه يقتضي انقسام الصحة إلى ما يغني عن القضاء، وإلى ما لا يغني.
[ ١ / ٣٦٠ ]
ثم استدل بغير هذا ثم قال: الصواب أن يكون حد الصحة عند الفريقين موافقة الأمر، غير أن الفقهاء يقولون: ظان الطهارة مأمور مرفوع عنه الإثم بتركها، والمتكلمون يقولون: ليس مأمورًا، فلذلك تكون صلاته صحيحة عند المتكلمين لا الفقهاء.
وأبو حنيفة﵁- سمى ما لم يشرع بأصله ووصفه كبيع الملاقيح باطلًا، وما شرع بأصله دون وصفه كالربا فاسدًا.
ففي المعاملات الباطل عنده كبيع الملاقيح، وهو: ما في بطون الأمهات لانعدام ركن البيع، أي: المبيع؛ لأن من أركانه وجود مورد
[ ١ / ٣٦١ ]
العقد يقينًا ومن أوصافه كون المبيع مقدور التسليم وهما منتفيان هنا.
وفي العبادات كالصلاة بدون بعض الشروط والأركان.
والفاسد: ما كان أصله مشروعًا، ولكن امتنع لوصف عارض.
ففي العبادات كصوم يوم النحر للإعراض بصومه عن ضيافة الله تعالى للناس بلحوم الأضاحي التي شرعها (الله تعالى) فيه.
وفي المعاملات كما في بيع الدينار بالدينارين لاشتماله على الزيادة فلو أسقطت في المجلس صح البيع.
وصرح ابن الحاجب بأن الصحة والفساد عقليان.
[ ١ / ٣٦٢ ]
وظاهر كلام المصنف تبعًا للأمدي إنهما شرعيان وهو رأي الجمهور.
والأجزاء معناه قريب من الصحة فلذا ذكره هنا.
وفرق بينهما: بأن الصحة أعم من الأجزاء؛ إذ تكون صفة للمعاملات والعبادات، والأجزاء لا يوصف به إلا العبادات وفيه نظر.
[ ١ / ٣٦٣ ]
فالأجزاء لغة: الاكتفاء بالشيء.
وشرعًا: هو: الأداء- (يعني الإتيان) - الكافي لسقوط التعبدية أي: طلبه، وذلك بأن تجتمع فيه الشرائط، وتنتفي عنه الموانع.
(فدخل فيه الأداء المصطلح عليه، والقضاء والإعادة فرضًا كان أو نقلًا.
والصواب أن الأجزاء هو الاكتفاء بالمأتي به، لا الإتيان بما يكفي.
[ ١ / ٣٦٤ ]
كذا قيل).
وقيل: القائلون هم الفقهاء.
سقوط القضاء أي الأجزاء: إسقاط القضاء.
ورد بأن القضاء حينئذٍ لم يجب لعدم الموجب له (فكيف سقط؟)، وذلك أن القضاء إنما يجب بأمر جديد، فإذا أمر الشارع بالعبادة ولم يأمر بقضائها، فتأتي بها، فإنها توصف بالأجزاء، مع أن القضاء حينئذٍ لم يجب لعدم الموجب له وهو الأمر الجديد، وإذا (لم يجب) لم يقل سقط، إذ السقوط فرع الثبوت.
[ ١ / ٣٦٥ ]
أو يقال: الموجب للقضاء هو خروج الوقت من غير الإتيان بالفعل، فإذا أتى بالفعل في الوقت على وجهه فقد وجد الأجزاء ولم يوجد وجوب القضاء لعدم الموجب له، وهو خروج الوقت وإذا لم يصدق وجوب القضاء لا يقال: سقط، كما مر.
وقد يقال: المعنى بالسقوط رفع وجوب القضاء، وهي مناقشة لفظية.
- ورد تعريف الفقهاء ثانيًا بقوله: وبأنكم تعللون سقوط القضاء به أي: بالأجزاء، فتقولون: هذا سقط قضاؤه؛ لأنه أجزاء.
- والعلة غير المعلول فكيف تقولن: إنه هو؟
ولك أن تقول: المغايرة مسلمة، ولا يلزم من المغايرة عدم جواز التعريف به؛ لأنه تعريف رسمي،
[ ١ / ٣٦٦ ]
وهو يكون باللازم، وعدم لزوم القضاء من لوازم الأجزاء.
وإنما يوصف أي بالأجزاء وبعدمه ما يحتمل أن يقع على وجهين:
أحدهما: معتد به شرعًا؛ لكونه مستجمعًا للشرائط فيوصف بالأجزاء.
والثاني: غير معتد به لانتفاء شرط من شروطه، فيوصف بعدم الأجزاء.
كالصلاة والصوم والحج، وهذا مبني على أن الصلاة ونحوها تطلق على الصحيحة والفاسدة حقيقة.
[ ١ / ٣٦٧ ]
أما إذا قلنا: إطلاقها على الفاسدة مجازًا، فهي من القسم الثاني لا يقع إلا على وجه واحد، كذا قيل.
لا المعرفة ورد الوديعة، أما الذي لا يقع إلا على وجه واحد فلا يوصف بالأجزاء وعدمه كمعرفة الله تعالى، فإنه إن عرفه بطريق ما فواضح، وإن لم يعرفه فلا يقال عرفة غير مجزئة، إذ الفرض أنه ما عرف (فهو جاهل).
وأما جعل رد الوديعة كذلك، ففيه نظر؛ لأن المودع إذا حجر عليه لسفه ونحوه لا يجزئ الرد عليه بخلاف ما لم يحجر عليه
[ ١ / ٣٦٨ ]