السادس: هذا تقسيم للحكم باعتبار كونه على وفق الدليل أو خلافه.
وحاصله: أن الحكم ينقسم إلى رخصة وعزيمة.
فالرخصة لغة: التيسير والتسهيل، وهي بتسكين الخاء، وحكي ضمها.
واصطلاحًا- ما أشار إليه المصنف بقوله: الحكم إن ثبت على خلاف الدليل لعذر فرخصه.
فالحكم جنس، وأشار بالثابت: إلى أن الترخيص لا بد له من دليل.
واحترز (بقوله: على خلاف) الدليل عما أباحه الله تعالى من الأكل وغيره.
[ ١ / ٣٨٠ ]
وأطلق الدليل ليشمل: ما إذا كان الترخص بجواز الفعل.
على خلاف الدليل المقتضى للتحريم كأكل الميتة.
وما إذا كان بجواز الترك على خلاف الدليل المقتضي للوجوب كجواز الفطر في السفر.
أو على خلاف الدليل المقتضي للندب لترك الجماعة لعذر المطر والمرض ونحوهما فإنه رخصة.
ومعنى العذر: ما يطرأ في حق المكلف من مشقة وحاجة، فيمنع
[ ١ / ٣٨١ ]
حرمة الفعل ونحوه.
واحترز به عن الحكم الثابت بدليل راجح على دليل آخر معارض له.
وعن التكاليف كلها- كما قيل- فليست برخصة؛ لأنها لم تثبت لأجل المشقة.
ثم أشار إلى أقسام الرخصة بقوله: كحل الميتة للمضطر والقصر
[ ١ / ٣٨٢ ]
والفطر للمسافر واجبًا، ومندوبًا، ومباحًا، فأكل الميتة للمضطر مثال للواجب والقصر للمسافر إذا كان سفره المباح ثلاث مراحل، مثال للمندوب.
والفطر للمسافر مثال للمباح، بالنظر إلى المسافر من حيث إنه مسافر، من غير نظر إلى التضرر وعدمه، ويجوز أن يكون الشيء مباحًا في نفسه، ويصير مندوبًا، بل واجبًا بسبب أمر طرأ.
(وأيضًا هو مباح عند بعض الفقهاء، ويكفي في التمسك ذلك.
[ ١ / ٣٨٣ ]
وبقي من أقسام الرخصة خلاف الأولى، مثل فطر المسافر الذي لا يجهل الصوم).
ومن الرخصة إباحة ترك الجماعة في الصلاة لمرض أو نحوه وحكمه الأصلي الكراهة (الصعبة بالنسبة إلى الإباحة، وسببها قائم حال الإباحة، وهو الانفراد فيما يطلب فيه الاجتماع من شعائر الإسلام).
وإلا أي: وإن لم يثبت الحكم على خلاف الدليل، كإباحة الشرب، أو ثبت على خلاف الدليل لكن لا لعذر كالتكاليف فعزيمة.
قال العراقي: فعلم من ذلك انقسام العزيمة عنده إلى الأحكام الخمسة.
[ ١ / ٣٨٤ ]
وعليه مشى السبكي ولم يحك خلافه.
وفي المحصول كذلك ما عدا الحرام.
وجعلها القرافي منقسمة إلى الواجب والمندوب فقط.
وخصها الآمدي وابن الحاجب في مختصره الكبير بالوجوب.
وفي كلام والدي أنها مختصة بالوجوب والتحريم لأن كلا منهما فيه عزم مؤكد.
[ ١ / ٣٨٥ ]
ونقل عن ابن دقيق العيد كلامًا آخر.
وقال الشيخ سعد الدين: إن الفعل لا يتصف بالعزيمة ما لم يقع في مقابلة الرخصة.
والعزيمة لغة: القصد المصمم (لأنه عزم أمره أي قطع وحتم، صعب على المكلف أو سهل.
قال الأب هري: للشارع في الرخصة حكمان:
أحدهما: كونها واجبًا أو ندبًا أو إباحة.
[ ١ / ٣٨٦ ]
وثانيهما: كونها مسببة عن عذر طارئ في حق المكلف، فناسب تخفيف الحكم عليه مع قيام المحرم، وهو من أحكام الوضع؛ لأنه حكم بالمسببة كما في غير الرخص).
[ ١ / ٣٨٧ ]