وفيه نظر: للكيا الطبري حيث قال: كيف يصح أن يتنزل ويسلم للمعتزلة مسألة التقبيح والتحسين مع منع قولهم من مسألة شكر المنعم، مع أنهما شيء واحد؛ لأن المراد بشكر المنعم إتيان المستحسنات العقلية والانتهاء عن المستخبثات العقلية.
الفرع الأول: شكر المنعم ليس بواجب عقلًا فلا إثم في تركه على من لم تبلغه
[ ٢ / ٩٧ ]
دعوة النبوة.
والمراد بالشكر الثناء على الله - تعالى - بسبب إنعامه بالخلق والرزق والصحة وغيرها، بالقلب بأن يعتقد أنه - تعالى - وليها، واللسان بأن يتحدث بها، والأعضاء بأن تخضع بها، فلا يجب عقلًا: إذ لا تعذيب قبل الشرع لقوله تعالى:﴾ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا ﴿.
فنفى صحة التعذيب قبل البعثة فانتفى الوجوب قبلها؛ لأن الواجب هو الذي يصح أن يعاقب تاركه، فصحة التعذيب لازم
[ ٢ / ٩٨ ]
للوجوب، ونفي اللازم دليل على نفي الملزوم، فلم يكن وجوب قبل الشرع، فليس الوجوب عقليًا، إذ لو كان عقليًا لثبت قبل الشرع لوجود العقل قبل البعثة.
وقولهم: الرسول العقل، خلاف الظاهر.
وتخصيصهم العذاب بالدنيوي تخصيص بلا مخصص.
[ ٢ / ٩٩ ]
وأيضًا: لأنه لو وجب الشكر لوجب لفائدة واللازم باطل.
أما الأولى: فلأنه لولا الفائدة لكان عبثًا، وهو قبيح فلا يجب عقلًا.
وأما الثانية: فهي إما أن تكون لفائدة المشكور وهو منزه عنها لتعاليه عن الاحتياج إلى الفائدة، أو الفائدة للشاكر في الدنيا وأنه مشقة وتعب ناجز بلا حظ للنفس فيه، وما هو كذلك لا يكون له فائدة دنيوية.
أو لفائدة في الآخرة ولا استقلال للعقل بها؛ لأن أمور الآخرة من الغيب الذي لا مجال للعقل فيه.
[ ٢ / ١٠٠ ]
قيل من جهة المعتزلة: انفصالًا عن هذا الالتزام بأن له فائدة للعبد في الدنيا، لأنه يدفع عنه ظن ضرر الآجل، أي: الآتي في الدنيا.
وفي بعض الشروح أنه الأخروي، وفيه نظر لما تقدم من إبطال حصول فائدة في الآخرة؛ لأن أمور الآخرة من الغيب الذي لا مجال للعقل فيه فيأمن من احتمال العقاب لتركه. فإن العاقل يجوز أن خالقه طلب منه الشكر، فإن أتى به سلم من العقوبة، وإن تركه فلعله يعاقب، وهذا الاحتمال لازم الخطور على بال كل عاقل، فإنه إذا نشأ، ورأى ما هو عليه من النعم الجسام التي لا تحصى حينًا فحينا، علم أنه لا يمتنع كون المنعم بها قد ألزمه الشكر، فلو لم يشكره لعاقبه.
[ ٢ / ١٠١ ]
قلنا: قد يتضمنه، أي: قد يتضمن الشكر الضرر فيخاف العقاب على الشكر:
لأنه تصرف في ملك الغير بدون إذنه، فإن ما يتصرف فيه العبد من نفسه وغيرها ملك لله تعالى، ولا نسلم أن الاحتمال الأول لازم الخطور على كل بال.
وكالاستهزاء لحقارة الدنيا بالقياس إلى كبريائه، ويعني أن هذا الشكر كالاستهزاء بالمنعم وما مثله إلا كمثل فقير حضر ملكا عظيمًا يملك البلاد شرقًا وغربًا، يعم البلاد بالهبة والعطاء، فتصدق عليه بلقمة خبز، فجعل يذكرها في المجامع ويشكره عليها، فإنه يعد استهزاء منه بالملك، فكذا هنا، بل أعظم؛ لأن ما أنعم الله - تعالى - به على عباده بالنسبة إلى كبريائه وخزائن ملكه أقل من نسبة اللقمة إلى خزائن
[ ٢ / ١٠٢ ]
الملك.
لأن نسبة المتناهي إلى غير المتناهي أقل من المتناهي إلى غير المتناهي والاستهزاء بالله تعالى يخاف منه العقاب، فلا يقطع بذلك.
ولأنه ربما لا يقع الشكر لائقًا بكبريائه وعظمته، لأن العبد قد لا يهتدي إلى الشكر اللائق قبل الشرع، فيأتي به على غير وجهٍ لائق وربما يكون خطأ فاحشًا وكفرًا عظيمًا، كما وقع لعبدة الأصنام.
قيل: ينتقض هذا بالوجوب بالشرعي، فإن دليلكم يوجب أن لا يجب الشكر شرعًا بعين ما قلتم وأنتم لا تقولون به.
قلنا: إيجاب الشرع لا يستدعي فائدة أي لا يجب أن يكون لفائدة
[ ٢ / ١٠٣ ]
كإيجاب العقل (بل له بحكم) المالكية أن يحكم بأحكام وإن لم تكن فيها فائدة ولا منفعة، وهذا بخلاف حكم العقل فإنه يقتضي فائدة ألبتة.
وهذا لا ينافي ما سيجيء للمصنف من أن الله تعالى شرع أحكامه لمصالح العباد تفضلًا وإحسانًا؛ لأن الكلام هنا في أن أفعال الله تعالى لا تكون معللة با لأغراض وهناك أن الله سبحانه - وتعالى - تفضل على عباده بما فيه مصلحتهم، ولا يلزم من وقوع شيء على وجه أن يكون ذلك علة له، فأين أحدهما من الآخر.
(وهاتان المسألتان) اشتبهتا على كثير من الناس، وقد ذكرت في الشرح جوابين آخرين: أحدهما تبعت فيه بعض مشايخي وفيه نظر.
[ ٢ / ١٠٤ ]
وأيضًا: فإن إيجاب الشرع، لفائدة في الدنيا والآخرة علمناها بإخبار الشارع وهذا لا يمكن في الوجوب؛ لأن العقل لا دخل له في الأمور الأخروية.
ولما كان هذا في غاية الوضوح تنزل المصنف وسلمه، ثم أجاب بأنه وإن لم تكن فائدة فلا يلزم محال في الشرعي بخلاف العقلي.