أي في تحقيق وضع اللغات، وما يتعلق به، وهو ستة:
(الوضع، والموضوع، والموضوع له، وفائدته، والواضع، وطريق معرفته).
وذكرها في هذا الفصل على هذا الترتيب فقال: لما
[ ٢ / ١٨٣ ]
مست، أي اشتدت الحاجة إلى التعاون والتعارف لأن الله- تعالى- خلق الإنسان غير مستقل بمصالح معاشه، محتاجًا إلى مشاركة أبناء جنسه، لاحتياجه إلى غذاء ولباس ومسكن، والواحد لا يتمكن من تحصيل هذه الأشياء فضلًا عن صنعتها، فلابد من جمع يعاون بعضهم بعضًا، وذلك لا يتم إلا بأن يعرفه ما في نفسه، فاحتيج إلى شيء يحصل به التعريف.
والتعريف إما باللفظ، أو بالإشارة كحركة اليد والرأس والحاجب، أو بالمثال كالكتابة وشكل المطلوب، وكان اللفظ أفيد من الإشارة والمثال لعمومه.
[ ٢ / ١٨٤ ]
إذ يمكن التعبير به عن الذات والمعنى، والموجود والمعدوم، والحاضر والغائب، والقديم والحديث، وذي الشكل وغيره.
بخلاف الإشارة والمثال.
وأيسر لأن الحروف كيفيات تعرض للنفس الضروري للإنسان يحصل بطبيعته من غير كلفة ومشقة.
ولما كان الأمر ما ذكرنا وضعت الألفاظ بإزاء المعاني الذهنية دون الأمور الخارجية، لدورانها (أي الألفاظ) معها أي مع المعاني الذهنية.
[ ٢ / ١٨٥ ]
فإن من رأى شبحًا من بعيد وظنه حمارًا سماه حمارًا، وإن ظن فرسًا سماه فرسًا، وإذا حضر عنده وعلم أنه إنسان سماه إنسانًا.
فإذا دار اللفظ مع المعاني الذهنية، علم أن اللفظ موضوع بإزائها، ولو كانت موضوعة بإزاء الأمور الخارجية لتغير الخارجي بتغير الظنون، وهو باطل قطعًا.
واختار الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أن الوضع بإزاء المعنى الخارجي.
[ ٢ / ١٨٦ ]
قال الإسنوي: ويظهر أن يقال: إن اللفظ موضوع بإزاء المعنى من حيث هو، أي مع قطع النظر عن كونه ذهنيًّا أو خارجيًّا.
وقوله: «ليفيد» أي وضعت لتفيد النسب أي الإضافة مثل غلام زيد، ودار هند.
والمركبات أي: المعاني المركبة، مثل: قام زيد، وزيد قائم،
[ ٢ / ١٨٧ ]
فوضع لفظ زيد لشخص معين، ولفظ غلام لآخر لنعلم عند الإضافة النسبية بينهما بالمالكية والمملوكية.
وكذا قام زيد ليعلم عند الإسناد صدور القيام من زيد.
وليس الغرض من الوضع إفادة الألفاظ للمعاني المفردة إذ لو كان كذلك لزم الدور.
ولذا أشار بقوله: «دون المعاني المفردة وإلا فيدور»، وذلك لأن الوضع موقوف على تصور المعنى، فلو توقف تصور المعنى على الوضع لدار.
ولا يجيء مثله في المركب لأن تصور معنى المركب موقوف على وضع الألفاظ لمعانيها المفردة من غير عكس.
هذا والدور مندفع؛ لأن فهم المعنى من اللفظ يتوقف على العلم بالوضع، وهو إنما يتوقف على فهمه في الجملة لا على فهم المعنى من اللفظ حتى يلزم الدور.
[ ٢ / ١٨٨ ]
ولم يثبت تعيين الواضع للغات هل هو الله تعالى أو البشر؟
والشيخ أبو الحسن الأشعري: زعم أن الله تعالى وضعه (أي
[ ٢ / ١٨٩ ]