أي: بألفاظ كتاب الله تعالى، وحديث (رسول الله) - ﷺ - على الأحكام الشرعية، وفيه مسائل:
الأولى:
لا يخاطبنا الله تعالى بالمهمل: الذي لا موضوع له، فلا يفهم منه شيء، لأنه أي: المهمل هذيان، وهو نقص، لا يجوز على الله تعالى.
[ ٣ / ٧٧ ]
واحتجت الحشوية: على أن الله - تعالى - خاطبنا بالمهمل بأوائل السور مثل: ألم، وطه، وحم.
قلنا: أسماؤها، أي: أسماء السور عند الأكثرين فليست بمهملة.
[ ٣ / ٧٨ ]
واستدلوا أيضًا: بأن الوقف على قوله تعالى:﴾ وما يعلم تأويله إلا الله ﴿، واجب حتى يكون قوله:﴾ والراسخون في العلم ﴿كلاما مستأنفًا، وإلا، أي: لو لم يجب الوقف عليه حتى يكون قوله تعالى:﴾ والراسخون في العلم ﴿عطفًا على قوله:﴾ إلا الله ﴿فيكون المراد بقوله:﴾ يقولون آمنا به ﴿قائلين:﴾ آمنا ﴿فيكون حالًا، وهو باطل.
لأنه: إما أن يكون حالا عن الله تعالى، وعن الراسخين في العلم، فيلزم أن الله - تعالى - والراسخين في العلم﴾ يقولون آمنا به كل من عند ربنا ﴿، وذلك في حق الله تعالى محال.
ولم يذكره لوضوحه.
أو يكون حالا عن الراسخين في العلم فقط، وحينئذ يتخصص
[ ٣ / ٧٩ ]
المعطوف بالحال دون المعطوف عليه وهو باطل، لأنه مناف للقاعدة وهي: أن المعطوف في حكم المعطوف عليه، فثبت أن الوقف على قوله تعالى:﴾ إلا الله ﴿واجب
وإذا كان الوقف عليه واجبًا، فقد خاطبنا الله تعالى بما لم نفهمه وهو المهمل.
قلنا: يجوز تخصيص المعطوف بالحال، حيث لا لبس مثل قوله تعالى:﴾ ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة ﴿. فنافلة: حال عن
[ ٣ / ٨٠ ]
المعطوف فقط، وهو يعقوب؛ لأن النافلة لغة: ولد الولد، وإنما هو يعقوب دون إسحاق.
أو استئنافًا، أي: جوابًا عن سؤال، كأن سائلًا سأل ما يقول الراسخون في المتشابهات؟
أجيب بقوله:﴾ يقولون آمنا به كل من عند ربنا ﴿.
سلمناه: لكن مخالفة الظاهر أهون من الخطاب بما لا يفيد أصلًا.
قال المحقق: والحق أن الخطاب بما لا يفهم بعيد، وإن كان لا يمتنع على الله تعالى.
قال في الكشاف: والأول هو الوجه، يعني العطف؛ لأنه لو
[ ٣ / ٨١ ]
أريد بيان حظ الراسخين مقابلًا لبيان حظ الزائغين، لكان المناسب أن يقال: وأما الراسخون فيقولون، ولأنه لا فائدة حينئذ في قيد الرسوخ، بل هذا حكم العالمين كلهم ولأنه حينئذ، لا ينحصر الكلام في المحكم والمتشابه.
على ما هو ظاهر العبارة حيث لم يقل: ومنه متشابهات؛ لأن ما لا يكون متضح المعنى ويهتدي العلماء إلى تأويله ورده إلى المحكم لا يكون محكمًا ولا متشابهًا بالمعنى الذي ذكرتم وهو كثير جدًا.
(وقد حكى الطبري والخطابي عن جمهور السلف الوقف على قوله
[ ٣ / ٨٢ ]
﴾ إلا الله ﴿.
وروى عبد الرزاق (بسند صحيح) قال: كان ابن عباس - ﵁ - يقرؤها:﴾ وما يعلم تأويله إلا الله ﴿.
ويقول الراسخون في العلم آمنا به.
وأخرج الطبري، وابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن عائشة -
[ ٣ / ٨٣ ]
﵂ - قالت في قوله تعالى:﴾ والراسخون في العلم ﴿: انتهى علمهم، إلى أن آمنوا بمتشابهه، ولم يعلموا تأويله.
وروى الطبري نحوه عن مالك - ﵁ -).
قال الشيخ سعد الدين: والحق: أنه إن أريد بالمتشابه ما لا سبيل إليه للمخلوق، فالحق الوقوف على إلا الله، وإن أريد ما لا يتضح بحيث يتناول المجمل والمؤول فالحق العطف.
واستدلوا أيضًا على أن الله - تعالى - يخاطبنا بالمهمل
[ ٣ / ٨٤ ]
بقوله - تعالى -:﴾ كأنه رءوس الشياطين ﴿.
ورءوس الشياطين لا معنى له، فيكون مهملًا.
قلنا: مثل في الاستقباح، يعني أنه موضوع لمتخيل يستقبحون ذلك المتخيل ويضربون المثل به في الاستقباح تنفيرًا عنها، فلا يكون مهملًا.
تنبيه: ذكر في المحصول: أن حكم الرسول (ﷺ) في الامتناع كحكم الله - تعالى.
[ ٣ / ٨٥ ]