أي: أحكام الحكم الشرعي وفيه سبع مسائل:
الأولى:
الوجوب قد يتعلق بمعين كالصلاة والحج، ويسمى واجبًا
[ ٢ / ٥ ]
معينًا.
وقد يتعلق بمبهم من أمور معينة، أي بأحدها، ويسمى واجبًا مخيرًا وتارة يجوز الجمع بين تلك الأمور، وتكون أفرادها محصورة كخصال الكفارة.
[ ٢ / ٦ ]
وتارة لا يجوز الجمع ولا تكون أفراده محصورة، كما إذا مات الإمام الأعظم ووجد جماعة قد استعدوا للإمامة، أي: اجتمعت فيهم الشروط، فإنه يجب على الناس نصب واحد من غير زيادة عليه.
وإليه أشار بقوله: ونصب أحد المستعين للإمامة.
ونازع السبكي فيه أنه من المتواطئ الذي لم ينظر إلى خصوصياته وليس مقصودًا، ولا يتصور التكليف بواحد مبهم من أمور مبهمة؛ لأنه تكليف بما لا يعلمه المكلف.
وقالت المعتزلة: الكل واجب على معنى أنه لا يجوز الإخلال بالجميع.
ولا يجب الإتيان به.
[ ٢ / ٧ ]
وهذا بعينه هو الأول فلا خلاف في المعنى.
لكنه ينافي ما ذهب إليه بعض المعتزلة من أنه يثاب ويعاقب على كل واحد، ولو أتى بواحد سقط عنه الباقي بناء على أن الواجب قد سقط بدون الأداء.
وجمهورهم على خلاف ذلك.
وقيل: الواجب واحد معين عند الله تعالى دون الناس.
[ ٢ / ٨ ]
وهذا القول يرويه الأشاعرة عن المعتزلة، والمعتزلة عن الأشاعرة.
(كذا قيل).
وقد اتفق الفريقان على فساده.
ورد هذا القول: بأن التعيين يحيل ترك ذلك الواحد فلا يجوز العدول عن ذلك الواحد المعين.
والتخيير يجوزه أي: يجوز ترك ذلك الواحد المعين، والعدول عنه إلى غيره، والجمع بينهما غير ممكن فإذا ثبت أحدهما بطل الآخر.
وقد ثبت التخيير اتفاقًا في الكفارة، فانتفى الأول وهو
[ ٢ / ٩ ]
التعيين.
قيل: لا نسلم أن مقتضى التخيير ترك ذلك الواحد المعين؛ لأنه يحتمل أن المكلف يختار المعين بأن يلهمه الله تعالى اختيار ما عينه تعالى له.
أو يعين الله تعالى ما يختاره المكلف.
أو يسقط ذلك الواجب المعين إذا لم يقع عليه بفعل غيره، كما سقطت الجلسة الفاصلة بين السجدتين بجلسة الاستراحة.
وأجيب عن الأول:
[ ٢ / ١٠ ]
وهو أن المكلف يختار المعين بأنه يوجب تفاوت المكلفين فيه؛ لأن من اختار شيئًا يكون هو الواجب عليه دون غيره من الخصال، فيكون الواجب على هذا غير الواجب على الآخر عند الاختلاف في الاختيار، و(هو أي) (التفاوت بين المكلفين في ذلك) خلاف النص، والإجماع".
لأن الآية دالة على أن كل خصلة من الخصال مجزئة عن كل مكلف، وأن الذي أخرج خصلة لو عدل إلى الأخرى لأجزأته ووقعت واجبة.
وأن المكلفين في ذلك سواء إلا باعتبار التخيير دون التكليف.
والإجماع كالآية.
[ ٢ / ١١ ]
وأجيب عن الثاني: بأن الوجوب تحقق قبل اختياره، أي: قبل اختيار المكلف إجماعًا مع أن الواجب في تلك الحالة لا يستقيم أن يكون معينًا، لأن الفرض أن التعيين يتوقف على اختياره وقد فرض أن لا اختيار.
والجواب عن الثالث: أن الآتي بأيها أي: بأي خصلة شاء من الخصال هو آت بالواجب.
إجماعًا لا ببدله، فلو كان الواجب واحدًا معينًا والمأتي به قد يكون بدلًا عنه يسقطه لكان الآتي به ليس آتيًا بالواجب، بل ببدله وهو خلاف الإجماع.
[ ٢ / ١٢ ]
ولما انحصر السند فيما جعله المعترض سندًا صار السند ملزومًا مساويًا للمنع، فتكون الأجوبة عن السند جوابًا عن المنع، أو المنافاة بين التعيين والتخيير بديهية.
فالمعترض لا يستحق جوابًا ويترك، وأجاب عن السند دفعًا للشبهة.
قيل: دليلًا على أن الواجب واحد معين إن أتى المكلف بالكل معًا في وقت واحد، كأن وكل بالإعتاق والإطعام وأعطى الكسوة
[ ٢ / ١٣ ]
بنفسه أو بوكيل آخر، فهو ممتثل قطعًا.
فالامتثال إما أن يكون معللًا بالكل من حيث هو كل، أي المجموع علة، فالكل واجب، وهو ظاهر البطلان.
أو يعلل بكل واحد فتجتمع مؤثرات -وهي مثل الإعتاق والإطعام والكسوة -على أثر واحد، وهو الامتثال، وهو باطل؛ لأن استناده إلى هذا يستغني به عن استناده (إلى الآخر، واستناده إلى الآخر يستغنى به عن استناده) إلى هذا فيستغنى بكل منهما. عن الآخر، ويفتقر لكل منهما بدلًا عن الآخر، فيكون محتاجًا إليهما وغنيًا عنهما.
أو يعلل الامتثال بواحد غير معين ولم يوجد؛ إذ كل موجود فهو في نفسه معين، ولا إيهام ألبتة في الوجود الخارجي.
[ ٢ / ١٤ ]
أو يكون الامتثال حصل بمعين عند الله -تعالى -مبهم عند المكلف وهو المطلوب.
وأيضًا الفعل المأمور به يسقط الحكم المتعلق به بالشخص، والوجوب حكم معين فيستدعي فعلًا معينًا يسقط به لأن غير المعين، لا يناسب المعين ولا وجود له أيضًا في نفسه فيمتنع وصفه بالوجوب لاستحالة اتصاف المعدوم بالصفة الثبوتية، فبطل أن يكون غير معين، ووجوبه فتعين أن يكون واحدًا وهو المطلوب.
[ ٢ / ١٥ ]
وكذا الثواب على الفعل، والعقاب على الترك.
فإذا أتى بالكل فيثاب ثواب الواجب قطعًا، ولا جائز أن يكون على الكل ولا على (كل واحد ولا على) واحد لا بعينه لما تقدم.
وكذا إذا ترك الكل لا جائز أن يعاقب على الكل، ولا على كل واحد، ولا على واحد لا بعينه، فإذًا الواجب واحد معين لأنه لم يبق غيره.
وأجيب عن الأول:
[ ٢ / ١٦ ]
بأن الامتثال بكل واحد، ولا يلزم اجتماع مؤثرات على أثر واحد؛ لأن هذه الأمور وغيرها من الأسباب الشرعية علامات لا مؤثرات، وهو المعني بقوله: وتلك معرفات، واجتماع معرفات على معرف واحد جائز، كالعالم للصانع، وليس ما تقدم من الدليل على امتناع التأثير بكل واحد جار في المعرف؛ لأنه نصب علامة ثانية لتحصل المعرفة بهما بدلًا لامعًا وأنه غير محال.
ومقصود المصنف هدم دليل الخصم، ولا يقتضي ذلك أن يكون مختاره أن كل واحد واجب، ليناقض مختاره أولًا لأنه في مقام الجدل، هذا وقد قال أجيب.
قال العراقي: ويمكن أن يكون جوابًا تحقيقًا.
[ ٢ / ١٧ ]
وتقريره: أن قوله: إن الامتثال بكل واحد، لا يلزم منه أن يكون كل واحد هو المتمثل به، بل كل شيء حصل به الامتثال ولا منافاة بين هذا وبين قولنا: إن الواجب واحد لا بعينه لأن كل واحد متضمن للواجب وهو واحد لا بعينه ومع ذلك ففي الجواب شيء.
وأجيب عن الثاني: بأنه إنما يستدعي أحدها، أي: أحد
[ ٢ / ١٨ ]
الخصال (لا بعينه وإن كان لا يقع إلا في معين، وأحدها لا بعينه موجود وله تعين) من وجه، هو أنه أحد هذه الثلاثة، وذلك كالمعلول المعين المستدعي علة من غير تعيين مثل الحدث، فإنه يستدعي علة من غير تعيين وهو المس أو اللمس أو زوال العقل، أو خروج شيء من أحد السبيلين.
والجواب عن الأخيرين:
وهما الثواب والعقاب: أنه يستحق ثواب أمور وعقاب أمور، لا
[ ٢ / ١٩ ]
يجوز ترك كلها، ولا يجب (فعل كلها)، يعني إذا أتى بالكل أو ترك الكل فيستحق الثواب والعقاب على مجموع أمور لا يجوز ترك كلها ولا يجب فعلها.
واعلم أن تحقيق هذه المسألة: أن الذي وجب وهو المبهم لم يخير فيه، والمخير فيه وهو كل من المعينات لم يجب منه شيء؛ لأنه لم يوجب معينًا، وإن كان يتأذى به الواجب لتضمنه. مفهوم أحدها، وتعدد ما صدق عليه مفهوم أحد المعينات عند تعلق الوجوب، والتخيير ينفي اتحاد متعلق الوجوب والتخيير بحسب الذات.
[ ٢ / ٢٠ ]
وإذا لم يتحد متعلق الوجوب والتخيير بالذات، وكان التخيير بين واجب هو أحد المعينات من حيث إنه أحدها مبهمًا، وبين غير واجب هو إحداها على) التعيين من حيث التعيين، لم يلزم منه ارتفاع حقيقة الوجوب؛ لأن هذا لا يوجب جواز ترك كل واحد من المعينات على الإطلاق، بل جواز ترك معين من حيث التعيين لطريق الإثبات لمعين آخر.
[ ٢ / ٢١ ]
تذنيب: هو فضلة للمسألة الأولى وبقية منها، وهو أن الحكم قد يتعلق على الترتيب،
[ ٢ / ٢٤ ]
أي: يمتنع الإتيان بالثاني إلا بعد الأول، وقسمه ثلاثة أقسام:
الأول: ما يحرم فيه الجمع، وهو المعني بقوله: ويحرم الجمع كأكل المذكي والميتة.
وأشار إلى الثاني بقوله: أو يباح كالوضوء والتيمم فإن التيمم عند العجز واجب.
ولو استعمله مع الماء كان جائزًا في صورة، وهي ما لم تيمم لخوف بطء البرء من الوضوء، ثم يتوضأ متحملًا لمشقة بطء البرء، وإن بطل بوضوئه تيممه لانتفاء فائدته.
وأشار إلى الثالث بقوله: ويسن ككفارة الصوم حيث جامع في
[ ٢ / ٢٥ ]
رمضان بشرطه فإنه يجب عليه إعتاق رقبة، فإن عجز صام شهرين، فإن عجز أطعم ستين مسكينًا، ويستحب له الإتيان بالكل فينوي بكل الكفارة، وإن سقطت بالأولى كما ينوي بالصلاة المعادة الفرض وإن سقط بالفعل أولًا.
وقال العراقي: استحباب الجمع (بين الكفارة) لم يذكره الفقهاء في كتبهم وليس بصحيح من جهة المعنى.
[ ٢ / ٢٦ ]