وفيه مسائل:
الأولى: التكليف بالمحال جائز عقلًا
[ ٢ / ١٤٩ ]
وهو ظاهر كلام الأشعري (وعليه جل أصحابه) (بل صرح به الشيخ في كتابه المسمى "بالإيجاز" حيث قال: إن تكليف العاجز الذي لا يقدر على شيء.
وتكليف المحال الذي لا يقدر عليه المكلف صحيح، وقد وجد تكليف الله تعالى لعباده بما هو المحال.
نقله الكرماني في النقود والردود) واختاره الإمام الرازي
[ ٢ / ١٥٠ ]
لأن حكمه تعالى لا يستدعي غرضًا، فجائز أن يكلف بالمحال.
فإن كان لذاته فالأمر به للإعلام، بأنه يعاقب المأمور به ألبتة، لأن لله - تعالى - أن يعاقب من شاء.
وإن كان محالًا لغيره فالأمر لفائدة الأخذ في المقدمات ليظهر طاعته بالبشر والأخذ، أو عصيانه بالكراهية والترك.
قيل: لا يتصور وجوده أي المحال، فلا يطلب؛ لأن التكليف به هو الطلب، وهو استدعاء الحصول، واستدعاء حصوله فرع تصور الوقوع، وموقوف عليه، فإذا (انتفى انتفى) وإنما
[ ٢ / ١٥١ ]
قلنا: إنه لا يتصور وقوعه، لأنه لو تصور لتصور مثبتًا، ويلزم منه تصور الأمر على خلاف ماهيته، فإن ماهيته تنافي ثبوته، وإلا لم يكن ممتنعًا، فما يكون ثابتًا فهو غير ماهيته.
وحاصله: أن تصور ذاته غير ذاته، ويلزم قلب الحقائق
ويوضحه أنا لو تصورنا أربعة ليس بزوج، وكل ما ليس بزوج ليس بأربعة، فقد تصورنا أربعة ليس بأربعة، وهو ظاهر البطلان.
قلنا: إن لم يتصور امتنع الحكم باستحالته.
[ ٢ / ١٥٢ ]
وتحقيقه: أنا لا نسلم أن المحال لا يتصور وجوده، بل يتصور ثبوته في النفس، لأنا نحكم عليه بالحكم الثبوتي بأنه معدوم ومستحيل، وثبوت الشيء ليغره فرع ثبوته في نفسه فهو ثابت، وإذ ليس هو في الخارج فهو في النفس وذلك كاف في طلبه.
فلو امتنع تصوره لامتنع الحكم باستحالته (وفيه نظر).
والتكليف بالمحال: وإن كان جائزًا عقلًا فهو غير واقع شرعًا
[ ٢ / ١٥٣ ]
بالممتنع لذاته: كإعدام القديم، وقلب الحقائق، كأن ينقلب الحيوان حجرًا، أي مع بقاء حقيقة الحيوانية، وإلا لم يكن ممتنعًا لذاته.
وقيل: لم يقع مطلقًا، وحكاه الإمام في الشامل عن الجمهور وظاهر اختياره كالمصنف.
وقيل: وقع مطلقًا.
وقوله: للاستقراء دليل على عدم وقوع التكليف بالمحال لذاته،
[ ٢ / ١٥٤ ]
أي: تتبعنا الأحكام الشرعية فما وجدنا شيئًا يكون ممتنعًا لذاته.
فإن التكليفات الشرعية من الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها معلوم، فالاستقراء التام معلوم.
وأيضًا الممتنع لذاته لا يكون في وسع المكلف، وما لا يكون في الوسع لا يكون مكلفًا به لقوله تعالى:﴾ لا يكلف الله نفسًا إلى وسعها ﴿.
وفيه نظر؛ لأن الآية تقتضي عدم وقوع التكليف بما ليس في الوسع، أعم من أن يكون لذاته أو لغيره.
فلا يصح الاستدلال بها على القول المفصل إلا مع بيان المخصص
[ ٢ / ١٥٥ ]
وجوابه: أنه سيأتي تخصيصه في كلام المصنف.
(وقال الكرماني: ما لا يطاق على مراتب:
أدناها: أن يمتنع العقل لعارض لعلم الله بعدم وقوعه أو اختياره.
والتكليف بهذا جائز، بل واقع إجماعًا، وإلا لم يكن العاصي مكلفًا.
وأقصاها: أن يمتنع لنفس مفهومه، كجمع الضدين.
وهذا أيضًا مما لا نزاع فيه للاتفاق على امتناعه.
والمرتبة الوسطى هي المتنازع فيها: فإنا معشر الأشاعرة نجوزه وإن لم يقع.
والمعتزلة تمنعه، وهو ما لا يتعلق به القدرة الحادثة عادة.
ولهذا يقال: تكليف ما لا يطاق بصيغة المجهول، لا ما لا يطيق بالمعرف، دفعًا لتوهم اختصاصه بفاعل معين).
قيل: التكليف بالمحال لذاته وقع، لأن الله تعالى أمر أبا لهب
[ ٢ / ١٥٦ ]
بالإيمان بما أنزل؛ لأنه أمر بتصديق رسوله - ﷺ - في جميع ما جاء به، ومنه أنه لا يؤمن، فيكون مكلفًا بأنه يصدقه في أنه لا يصدقه في شيء مما أتى به من الله - تعالى - وهو محال.
وقوله: فهو جمع بين النقيضين يحتمل أنه تكليف بالنقيضين؛ لأن التصديق في الإخبار بأنه يصدقه في شيء، يستلزم عدم تصديقه في ذلك ضرورة أنه صدقه في شيء.
والتكليف بالشيء تكليف بلوازمه.
ويحتمل أنه تكليف بجمع النقيضين، أي: بالتصديق في حال عدم وجوب التصديق بناء على إخبار الله تعالى بأنه لا يصدقه.
قلنا: لا نسلم أنه أمر بعد ما أنزل أنه لا يؤمن، يعني لو أنزل
[ ٢ / ١٥٧ ]
الله - تعالى - أولًا أنه لا يؤمن، ثم أمره بالإيمان بجميع ما أنزل كان جمعًا بين النقيضين لكنه ليس كذلك، بل أمره أولًا بالإيمان، فلما لم يؤمن، أخبر الله - تعالى - نبيه (ﷺ) أنه لا يؤمن.
على أن إيمان أبي لهب ممكن في نفسه، فلا يصير ممتنعًا لذاته بسبب إخبار الله تعالى.
غايته أنه ممتنع لتعلق علم الله - تعالى - به أو بإخباره، فليس من الممتنع لذاته في شيء، وإن كنا نقطع بعدم إيمانه، وهنا زيادة تحقيق مذكورة في الشرح.
(قال العراقي: والإجماع متحقق على أنه مكلف بالإيمان (قبل وبعد) فجواب المصنف باطل).
[ ٢ / ١٥٨ ]