وتقسيمه بحسب الاعتبار، دون الذات؛ لأن أكثر هذه الأقسام متداخلة، ومورد القسمة المفرد واحد كان أو أكثر.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
وقد تقسم الألفاظ باعتبار دلالتها، فتقسيم الدلالة اللفظية يلزمه تقسيم اللفظ الدال عليها.
فالتقسيم إما للدال، أو للمدلول، أو لهما.
فالأول: للدال: وهو ماله الدلالة، والدلالة كون الشيء بحيث يفهم منه شيء آخر والأول الدال والثاني المدلول.
فإن كان الدال لفظًا فالدلالة لفظية، وإلا فغير لفظية.
وكل منهما وضعية إن توقف الفهم على الوضع والاصطلاح،
[ ٢ / ٢٠٦ ]
وإلا فغير وضعية
والوضع: تعيين الشيء ليدل على شيء آخر من غير قرينة.
والمقصود هنا الدلالة اللفظية الوضعية التي يكون للوضع فيه مدخل؛ إذ لا ينضبط غيرها.
وعرفوها بفهم المعنى من اللفظ بالنسبة إلى من هو عالم بوضعه، أي: فهمها يتوقف على العلم بالوضع.
إذا علمت ذلك (فتقول اعلم) أن دلالة اللفظ على تمام مسماه كدلالة لفظ الإنسان على الحيوان الناطق مطابقة، وسمي بذلك لأن اللفظ طابق معناه.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
ودلالة اللفظ على جزئه أي على جزء المسمى، كدلالة الإنسان على الحيوان فقط، أو الناطق فقط تضمن، وسمي بذلك لكون المعنى المدلول في ضمن المعنى الموضوع.
ودلالة اللفظ على لازمه الذهني كدلالة الإنسان على قائل العلم الذي هو خارج عن الحيوان الناطق التزام، وسمي دلالة التزام لكون المعنى المدلول لازمًا للمعنى الموضوع له.
وتقييده بالذهني إشارة إلى أنه يشترط لضبط المدلول الالتزامي أن يكون الخارج بحيث يلزم من تصور المعنى الموضوع له، تصوره بمعنى أنه كلما حصل المعنى الموضوع له في الذهني، حصل ذلك المعنى الخارج فيه؛ لأن فهم المعنى من اللفظ، إما بسبب أن اللفظ الموضوع له
[ ٢ / ٢٠٨ ]
أو بسبب أنه يلزم من فهم المعنى الموضوع له فهمه.
وأما اللوازم البعدية التي قد تفهم من الألفاظ، فليس فهمها من مجرد الألفاظ، بل بمعونة القرائن فلا تكون مدلولات الألفاظ لأنا نعني بالدلالة: كون اللفظ بحيث يفهم منه المعنى عند إطلاقه بالنسبة إلى العالم بالوضع بشرط توجهه إليه، وتجرده عن الموانع والشواغل.
ولا يشترط في الالتزام اللزوم الخارجي، أي: كون المعنى التزامي بحيث متى حصل المسمى في الخارج حصل هو في الخارج.
تنبيه:
لا يقال: عبر باللفظ، وهو جنس بعيد لإطلاقه على المستعمل والمهمل، فكان التعبير بالقول أحسن؛ إذا لا يشتمل إلا المستعمل،
[ ٢ / ٢٠٩ ]
كما نبه عليه ابن مالك؛ لأن القول يطلق على الرأي والاعتقاد إطلاقًا غلب على الحقيقة، بخلاف اللفظ هذا.
وقد قال بعضهم: وأورد على حصر الدلالة اللفظية في الثلاثة، دلالة صيغة العموم على أحد أفرادها فإنه ليس مطابقة ولا التزامًا -وذلك واضح -ولا تضمنًا (لأن دلالة صيغة العموم كلية: وهي الحكم على كل فرد بحيث لا يبقى فرد من الأفراد وإلا لزم عدم دلالتها على فرد من أفرادها في صورة الأمر والنهي.
وفي مقابلتها: الجزئية)
وهي: الحكم) على بعض أفراد الحقيقة من غير تعيين
[ ٢ / ٢١٠ ]
كقولنا: بعض الحيوان إنسان فالتعبير بالجزء يخرجها لأنه في مقابلة الكل: وهو الحكم على المجموع من حيث هو مجموع كأسماء العدد.
وأجاب الأصفهاني (في شرح المحصول) بأن هذا التقسيم إنما هو لفظ مفرد دال على معنى ليس ذلك المعنى نسبة بين مفردين وذلك لا يأتي هنا فلا ينبغي تطلبه.
قال: فيقول: اقتلوا المشركين، في قوة جملة من القضايا،
[ ٢ / ٢١١ ]
فإن مدلوله اقتل (هذا المشرك) وهذه (الصيغ للعموم إذا اعتبرت بجملتها لا تدل على قتل) زيد المشرك، ولكنها تتضمن ما يدل على قتله، لا بخصوص كونه زيدًا، بل لعموم كونه زيدًا، ضرورة تضمنه اقتل زيدًا المشرك، فإنه من جملة هذه القضايا، وهي جزء من مجموع تلك القضايا فتكون دلالة هذه الصيغة على وجهين: قتل زيد المشرك فتضمنها ما يدل على ذلك الوجوب والذي هو في ضمن ذلك المجموع وهو دال على ذلك مطابقة.
قال: وليس ذلك من قبيل دلالة التضمن، بل هو من قبيل دلالة المطابقة.
واللفظ إن دل جزؤه أي: كل واحد من أجزائه على جزء المعنى
[ ٢ / ٢١٢ ]
المستفاد منه فمركب، كقام زيد وخمسة عشر وغلام عمرو وإلا أي واللفظ إن لم يدل جزؤه على جزء المعنى حال كونه جزءًا من ذلك فمفرد، وإن جاز أن يدل في حال آخر.
ولا خفاء أن المراد الدلالة الوضعية، وإلا فلحروف المفرد دلالة عقلية في الجملة فشمل ما لم يمكن للفظه جزء كهمزة الاستفهام.
أو يكون له جزء غير دال على معنى كزيد.
أو يكون له جزء دال على معنى لكن لا على جزء المعنى، كعبد الله
[ ٢ / ٢١٣ ]
علمًا، وتأبط شرًا، وبعلبك.
والمفرد إما أن لا يستقل بمعناه، وهو الحرف، يعني: أنه مشروط بحسب الوضع في دلالته على معناه الإفرادي ذكر متعلقه، فنحو من وإلى -مشروط في وضعهما دالين على معناهما الإفرادي، وهو الابتداء أو الانتهاء ذكر متعلقهما من دار أو سوق أو غيرهما مما يدخل عليه الحرف، وفيه إشكال وجوابه مذكور في الشرح.
أو يستقل بمعناه وهو الفعل:
إن دل بهيئته على الحاصلة باعتبار ترتب الحروف الأصلية
[ ٢ / ٢١٤ ]
والزائدة وحركاتها وسكناتها، على أحد الأزمنة الثلاثة الماضي كقام، والحال كيقوم، والمستقبل كقم.
وقوله: «بهيئته» احترز به عما يدل على الزمان بجوهره، كالأمس والغد فإنه اسم.
وهذا إنما هو في لغة العرب، وأما في لغة العجم فالدلالة على الزمان ليست بالهيئة، إذ قد تتحد الهيئة مع اختلاف الزمان.
وإلا أي: وإن لم يدل بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة فاسم،
[ ٢ / ٢١٥ ]
وهو كلي إن اشترك معناه.
أي: اشترك في مفهومه كثيرون بإمكان فرض صدقه على كثيرين كالعلم والوجود.
والكلي: متواطئ إن استوى حصول أفراده الذهنية والخارجية.
(وسمي بذلك) لتوافق الأفراد فيه كالإنسان الحاصل معناه في
[ ٢ / ٢١٦ ]
الأفراد الخارجية، والشمس الحاصل معناه في الأفراد الذهنية.
ومشكك: إن تفاوت في ذلك المعنى بأن كان حصوله في بعض الأفراد أو لا، أو أقدم أو أشد من حصوله في البعض الآخر.
وسمي مشككًا؛ لأنه يوقع الناظر في الشك من أنه من المتواطئ بناء على اشتراك الأفراد فيه معنى، أو من المشترك بناء على تفاوت ما بينهما كالوجود فإنه في الواجب أولى لكونه من ذاته، وأقدم لكونه موجد
[ ٢ / ٢١٧ ]
الممكنات، فوجوده لنفسه، وأشد لكون آثاره أكثر من آثار الممكنات.
وليس المراد بالأولوية أو الأقدمية أو الأشدية في الوجود، بل بالاتصاف بمفهوم اللفظ، بمعنى أن العقل إذا حاول مطابقة المفهوم لكثيرين وجد بعض الأفراد أولى بهذا المفهوم أو أقدم أو أشد.
والأمر الزائد في المشكك الذي به التفاوت مأخوذ في ماهية الفرد الذي يصدق عليه المشكك كمطلق البياض.
فالأفراد متفاوتة الماهيات في ذلك المفهوم، كالثلج والعاج.
والمفهوم مشترك بين الكل، والكلي، جنس إن دل على ذات غير معينة، كالفرس.
وأورد عليه: علم الجنس كأسامة فإنه يصدق عليه هذا التعريف مع أنه ليس باسم جنس.
[ ٢ / ٢١٨ ]
والفرق بينهما أن اسم الجنس هو الموضوع للحقيقة الذهنية من حيث هي هي.
وعلم الجنس: هو الموضوع للحقيقة بقيد تشخصها في الذهن.
ولعل المصنف يختار أنهما سواء، كما ذهب إليه جماعة.
ومشتق إن دل على ذي أي: صاحب صفة معينة كالفارس.
فإنه يدل على ذات مبهمة باعتبار صفة معينة من الصفات المتعينة التي تتضمنها المشتقات، لا على خصوصية الذات من كونه جسمًا أو غيره بدليل صحة قولنا الفارس جسم، فإنه يفيد فائدة جديدة.
[ ٢ / ٢١٩ ]
والاسم جزئي إن لم يشترك في مفهومه كثيرون كزيد.
واعلم أن الكلية والجزئية من صفات المعنى دون اللفظ، وإنما يقال للفظ: كلي وجزئي بالمجاز لكون معناه كذلك.
والجزئي: علم إن استقل بالدلالة على مدلوله من غير قرينة.
ومضمر إن لم يستقل، بل احتاج إلى قرينة غير الإشارة كأنا وأنت وهو.
واعلم أن عدم الاستقلال هنا غير عدم الاستقلال في الحرف.
فإن المضمر لما كان في إفادته المعنى الإفرادي غير مشروط بذكر متعلقه وضعًا فهو اسم مستقل، ولما كان مدلوله لا يتشخص إلا بإحدى القرائن فهو غير مستقل.
[ ٢ / ٢٢٠ ]