أي: في صيغة القول الطالب، فإنه المراد بصيغة الأمر، وهو أمر المخاطب، وأمر الغائب، واسم الفعل بمعنى الأمر، وفيه مسائل:
الأولى أن صيغة: "افعل" ترد لستة عشر معنى:
الأول: الإيجاب، كقوله تعالى:﴾ وأقيموا الصلاة ﴿.
الثاني: الندب، مثل قوله تعالى:﴾ فكاتبوهم ﴿.
[ ٣ / ١٤٥ ]
ومنه، أي: ومن الندب، التأديب كقوله - ﷺ - لعمر بن أبي سلمة: "كل مما يليك" متفق عليه.
فالأدب مندوب إليه، ونص على أنه منه؛ لأن بعضهم جعله قسما آخر.
[ ٣ / ١٤٦ ]
والفرق بينهما: ما بين العام والخاص؛ لأن الأدب متعلق بمحاسن الأخلاق، والمندوب أعم.
وأنت خبير بأن المثال للتفهيم، فلا يضر كون الشافعي (﵁) نص على تحريم الأكل مما لا يلي الإنسان.
ويكفي في ذلك أن الندب قيل به في الجملة.
الثالث: الإرشاد، كقوله تعالى:﴾ واستشهدوا ﴿، والفرق بين الإرشاد والندب، أن الندب لثواب الآخرة، والإرشاد (لمنافع الدنيا.
والعلاقة بين الوجوب والندب والإرشاد) المشابهة المعنوية لاشتراكهما في الطلب.
[ ٣ / ١٤٧ ]
الرابع: الإباحة مثل قوله تعالى:﴾ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴿يفهم منه إرادة فوق سد الرمق إلى الشبع وليس بواجب.
ويجب أن تكون الإباحة معلومة من غير الأمر حتى تكون قرينة لجملة على الإباحة، والعلاقة هي الإذن، وهي مشابهة معنوية.
قال العراقي: أورد عليه أن الأمر في هذه الآية للوجوب.
ونحن نقول: لم يرد هذه الآية، بل قوله تعالى:﴾ كلوا من الطيبات ﴿.
الخامس: التهديد كقوله تعالى:﴾ اعملوا ما شئتم ﴿.
[ ٣ / ١٤٨ ]
فإنه فهم بالقرينة أنها صغية مذكورة فيه في معرض التهديد.
ومنه الإنذار كقوله تعالى:﴾ قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ﴿. ونص عليه؛ لأن جماعة جعلوه قسمًا آخر.
والفرق بينهما أن التهديد هو نفس التخويف، والإنذار هو الإبلاغ، ولا يكون إلا في التخويف، قاله الجوهري.
فقوله تعالى:﴾ قل تمتعوا ﴿أمر بإبلاغ هذا الكلام المخوف الذي عبر عنه بالأمر، وهو تمتعوا فيكون أمرًا بالإنذار.
والعلاقة التي بينه وبين الإيجاب هي المضادة؛ لأن المهدد عليه هو الحرام.
[ ٣ / ١٤٩ ]
السادس: الامتنان كقوله تعالى:﴾ كلوا مما رزقكم الله ﴿.
والفرق بينه وبين الإباحة: أن الإباحة هي الإذن المجرد، والامتنان أن يقترن به ذكر احتياجنا إليه، أو عدم قدرتنا عليه، ونحوه كالتعرض في هذه الآية إلى أن الله تعالى هو الذي رزقه.
وفرق بعضهم بأن الإباحة تكون في الشيء الذي سيوجد بخلاف الامتنان.
والعلاقة فيه مشابهة الإيجاب في الإذن، لأن الامتنان إنما يكون في مأذون فيه.
السابع: الإكرام، نحو قوله تعالى:﴾ ادخلوها بسلام آمنين ﴿فإن ضم السلامة والأمن للأمر بدخول الجنة قرينة لكونها للإكرام.
[ ٣ / ١٥٠ ]
والعلاقة هي المشابهة في الإذن أيضًا.
الثامن: التسخير كقوله تعالى:﴾ كونوا قردة خاسئين ﴿.
والفرق بينه وبين التكوين، أن التكوين سرعة الوجود عن العدم، وليس فيه انتقال من حالة إلى حالة.
والتسخير هو الانتقال إلى حالة ممتهنة؛ إذ هو لغة الذلة: والامتهان في العمل، والباري تعالى خاطبهم بذلك في معرض التذليل لهم.
والعلاقة فيه وفي التكوين هي: المشابهة المعنوية، وهي التحتم في وقوع هذين، وفي فعل الواجب أو العلاقة الطلب.
ولا يقال الصواب السخرية، وهو الاستهزاء، فإنه ذهول عن
[ ٣ / ١٥١ ]
المدلول السابق، وتغليط للأئمة، إذ سماه القفال، والغزالي، والإمام، وأتباعه، بالتسخير لا بالسخرية، وتكرير لما يأتي؛ إذ لا يخرج الاستهزاء عن الإهانة (أو التحقير).
التاسع: التعجيز كقوله تعالى:﴾ فأتوا بسورة من مثله ﴿.
أعجزهم بطلب المعارضة عن الإتيان بمثله.
والعلاقة المضادة؛ لأن التعجيز إنما هو في الممتنعات، والإيجاب
[ ٣ / ١٥٢ ]
في الممكنات.
العاشر: الإهانة مثل قوله تعالى:﴾ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴿إذ فهم بالقرينة أنها في معرض الإهانة.
والعلاقة فيه وفي الاحتقار هي المضادة؛ لأن الإيجاب على العباد تشريف لهم لما فيه من تأهيله لخدمته؛ إذ كل أحد لا يصلح لخدمة الملك، ولما فيه من رفع درجاتهم.
الحادي عشر: التسوية بين الشيئين، مثل قوله تعالى:﴾ اصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم ﴿.
وعلاقته هي المضادة؛ لأن التسوية بين الفعل والترك مضادة
[ ٣ / ١٥٣ ]
لوجوب الفعل.
الثاني عشر: الدعاء، كقوله - ﷺ -: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت " إلى آخره رواه مسلم.
والعلاقة فيه وفيما بعده ما عدا الأخير هو الطلب.
وقد تقدم لبعضها علاقة أخرى.
الثالث عشر: التمني، كقول امرئ القيس:
"ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي"
[ ٣ / ١٥٤ ]
وجعل الشاعر متمنيًا ولم يجعله مترجيًا؛ لأن الترجي في الممكنات، والتمني في المستحيلات، كما مر.
وليل المحب لطوله كأنه مستحيل الانجلاء، ولذا قال الشاعر:
*** وليل المحب بلا آخر
الرابع عشر: الاحتقار، نحو قوله تعالى حكاية عن موسى - (﵊) يخاطب السحرة:﴾ ألقوا ما أنتم ملقون ﴿. يعني أن السحر في مقابلة المعجزة حقير.
[ ٣ / ١٥٥ ]
والفرق بينه وبين الإهانة أنها تكون بقول أو فعل أو ترك قول، أو ترك فعل كترك إجابته، ولا يكون بمجرد الاعتقاد، والاحتقار، قد يحصل بمجرد الاعتقاد.
الخامس عشر: التكوين، وهو الإيجاد، كقوله تعالى:﴾ كن فيكون ﴿.
السادس عشر: وروده بمعنى الخبر، كقوله - ﷺ -: "إذا لم تستحي
[ ٣ / ١٥٦ ]
فاصنع ما شئت" رواه البخاري.
معناه: صنعت ما شئت.
وقيل: المعنى إذا لم تستحي من شيء لكونه جائزًا فاصنعه، إذ الحرام يستحى منه بخلاف الجائز.
وقد يرد عكسه، أي: الخبر بمعنى الأمر، كقوله تعالى:﴾ والوالدات يرضعن أولادهن ﴿أي: ليرضعن.
قال الإمام: والسبب في جواز هذا المجاز، أن الأمر والخبر يدلان على وجود الفعل.
[ ٣ / ١٥٧ ]
وقوله: "لا تنكح المرأة المرأة" يعني به: أن الخبر يقع موقع النهي، كما وقع موقع الأمر.
كما رواه الدارقطني في سننه أن النبي - ﷺ - قال: "لا تزوج المرأة المرأة"، وفيه جميل، وثقه ابن حبان، فإن المراد منه النهي، وصيغته صيغة الخبر.
وأهمل عكس هذا القسم، وذكره الإمام وقال: "وجه المجاز أن النهي وهذا الخبر يدلان على عدم الفعل".
[ ٣ / ١٥٨ ]
ولا شك أن مجيء الخبر بمعنى الأمر أو النهي لا تعلق له بالمقصود الذي هو بيان مدلولات صيغة الأمر، وإنما ذكره استطرادًا.
وبقي من مدلولات صيغة الأمر:
التفويض، مثاله:﴾ فاقض ما أنت قاض ﴿.
والتعجب، كقوله تعالى:﴾ انظر كيف ضربوا لك الأمثال ﴿.
والتكذيب، كقوله تعالى:﴾ قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ﴿.
والمشورة، كقوله تعالى:﴾ فانظر ماذا ترى ﴿.
[ ٣ / ١٥٩ ]