الأولى
الواو العاطفة للجمع المطلق، فهي في عطف الجملة التي لا محل لها من الإعراب لإفادة ثبوت مضمون الجملتين، لأن مثل قولنا: ضرب زيد أكرم عمرو بدون العاطف، يحتمل الإضراب، والرجوع عن الأول، فلا يفيد ثبوتهما بخلاف ما إذا عطفت.
وأما في عطف المفردات وما في حكمها من الجمل التي لها محل من الإعراب فهي لإفادة الجمع في حكم المعطوف عليه من الفاعلية، أو المعفولية، أو المسندية، أو غير ذلك.
ولا يجب الاجتماع في الزمان، وهو المعبر عنه بالمعية، ولا عدم الاجتماع، وكونهما في زمانين مع تأخر ما دخلت عليه، وهو المعبر عنه بالترتيب في زمان بل هي للجمع المشترك بينهما، المحتمل في
[ ٣ / ٥١ ]
الوجود لهما، من غير تعرض في الذكر لشيء منهما، ولا يلزم من عدم التعرض للمعية التعرض للترتيب. وهو معنى الجمع المطلق.
وفي تعبير المصنف "بالجمع المطلق" نظر لتقييد الجمع بقيد الإطلاق، وإنما هي للجمع لا بقيد. والأحسن أن يقال: لمطلق الجمع.
وقيل: للترتيب، وقيل: للمعية.
وقيدتها بالعاطفة تبعًا للإمام، للاحتراز عن الواو بمعنى
[ ٣ / ٥٢ ]
مع وواو الحال.
ثم استدل المصنف على أنها لمطلق الجمع بإجماع النحاة (أنها كذلك).
ونقله أبو علي الفارسي، وذكره سيبويه في سبعة عشر موضعًا من كتابه.
وفيه نظر، فقد نقل عن جماعة من أئمة النحو: أنها للترتيب، منهم: قطرب،
[ ٣ / ٥٣ ]
والربعي والفراء، وثعلب، وأبو عمرو الزاهد، وهشام، وأبو جعفر الدينوري.
[ ٣ / ٥٤ ]
واشتهر عن أصحاب الشافعي، بل نقل عن الشافعي - ﵁.
واستدل المصنف أيضًا على أنها لمطلق الجمع بقوله: ولأنها أي الواو تستعمل حيث يمتنع الترتيب: إما لمفهوم الفعل، مثل: تقاتل زيد وعمرو.
فإن مفهوم التقاتل هو: الأخذ في فعل القتل معًا، ومع المعية يمتنع الترتيب.
وإما لقرينة تمنع منه، وذلك مثل: جاء زيد وعمرو قبله، فإنها لو كانت للترتيب فيه لتناقض الكلام، لكنه لم يتناقض اتفاقًا، وإذا صح استعمالها حيث يمتنع الترتيب كانت للجمع المطلق.
واعترض: بأن صحة إطلاق الواو حيث لا ترتيب لا يستلزم كونها
[ ٣ / ٥٥ ]
حقيقة في جواز أن يكون مجازًا.
وأجيب: بأن الأصل في الإطلاق الحقيقة، وله زيادة تحقيق تطلب من الشرح.
ولأنها، أي الواو في الأسماء المختلفة، كالجمع والتثنية في الأسماء المتماثلة، لأنهم لما لم يتمكنوا من جمع الأسماء المختلفة، وتسميتها، استعملوا واو العطف فيها.
وهما - أي: الجمع والتثنية لا يوجبان الترتيب اتفاقًا، بل يفيدان الاشتراك في الحكم، فكذا واو العطف، وهذا الدليل ينفي المعية أيضًا.
قيل: لو كانت واو العطف بمنزلة التثنية، من غير إشعار بالترتيب، لما أنكر النبي ﷺ على من خطب.
وأثنى، وثنى، ولم يعطف، لكنه أنكر - ﵇ - على الخطيب، وهو ثابت بن قيس بن شماس في قوله: ومن عصاهما، حيث قال صلى
[ ٣ / ٥٦ ]
الله عليه وسلم "بئس الخطيب أنت" ملقنًا للخطيب بقوله: "قل ومن عصى الله ورسوله".
ولفظ الحديث: أن رجلًا خطب عند النبي ﷺ فقال: ومن يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، فقال ﷺ: "بئس الخطيب أنت قل: ومن يعصي الله ورسوله". رواه مسلم وغيره.
[ ٣ / ٥٧ ]
ولولا أن الواو للترتيب، لما كان بين العبارتين فرق.
ولم يكن للرد والتلقين معنى، وهو محال.
قلنا: ذلك الإنكار ليس لأن الواو للترتيب، بل لأن الإفراد أشد تعظيمًا، وليس في القرآن مثله، فرد عليه لترك التعظيم الذي كان يحصل بالإفراد لو أفرد.
[ ٣ / ٥٨ ]
يدل عليه أن معصيتهما، لا ترتيب فيها، لأن كلا (من الله ورسوله) آمر بطاعة الأخر.
فمعصية أحدهما معصية لهما، كما أن رضاهما واحد.
وأما ما رواه أبو داود أن رسول الله ﷺ خطب وقال "ومن يعصهما" فلا ينافي هذا، لأنه من رواية أبي عياض وهو مجهول.
هذا مع احتمال أن يكون في الأصل بالإفراد واختصر الراوي، وعلى تقدير الصحة والضبط فالمحذور من الجمع، وهو إبهام التسوية في حق المعصوم.
قيل: لو قال الزوج لغير الممسوسة أنت طالق وطالق، طلقت واحدة، بخلاف ما لو قال: أنت طالق طلقتين فإنها تطلق ثنتين.
[ ٣ / ٥٩ ]
وما ذلك إلا بإفادة العبارة الأولى الترتيب فتبين منه بالطلقة الأولى، فلا يبقى المحل قابلًا للثانية.
ولا ترتيب في العبارة الثانية، فيلحقها الثنتان دفعة واحدة.
فلو كانت واو العطف بمنزلة الثانية لوقع ثنتان أيضًا.
قلنا: قوله: أنت طالق إنشاء، والإنشاءات مرتبة بترتيب اللفظ، فلما قال: (أنت طالق)، وقعت طلقة، فبانت فلم يبق المحل لخروج البائن عن كونها قابلة لوقوع الطلاق عليها، حتى تقع الثانية، فالترتيب فيها مستفاد من ترتيب الألفاظ لا من الواو.
وقوله: طلقتين إنما هو تفسير لطالق والكلام يتم بآخره فهو بخلاف الأول.
* * *
[ ٣ / ٦٠ ]