وإنما ذكر حد الترادف مع تقدمه في التقسيم توطئه للفرق، بينه وبين التأكيد، والتابع، وفيه مسائل:
الأولى: في إثباته.
أوجبه قوم عقلًا، لوجهين:
الأول: أن المعاني غير متناهية؛ إذ الأعداد أحد أنواع المعاني وهي غير متناهية، إذ ما من عدد، إلا وفوقه عدد.
والألفاظ متناهية، لتركبها من الحروف المتناهية، وهي ثمانية
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وعشرون حرفًا، بضم بعضها إلى بعض مرات متناهية.
فإذا وزع المعاني الغير متناهية على الألفاظ المتناهية، لزم الاشتراك للمعاني الكثيرة في اللفظ الواحد، وإلا يلزم خلو بعض المعاني من الألفاظ؛ لأنه إذا وضع كل لفظ من الألفاظ، وهي غير متناهية لمعنى واحد، كان الموضوع له متناهيًا، وتخلو المعاني الباقية وهي الأكثر، بل لا نسبة لها لعدم تناهيها، وهو باطل؛ لأنه يخل بغرض الوضع وهو تفهيم المعاني.
ورد: بعد تسليم المقدمتين بأن المقصود بالوضع متناهٍ، أي لا نسلم أن الألفاظ متناهية، قولك: لأنها مركبة من الحروف المتناهية، قلنا: نعم، لكن لا نسلم أن المركب من المتناهي متناهٍ، كأسماء العدد فإنها غير متناهية مع تركبها من اثنى عشر اسمًا، هي الواحد إلى العشرة والمائة والألف، والباقي يتركب منها مثل أحد عشر، أو تثنية
[ ٢ / ٢٩١ ]
مثل مائتان أو جمع مثل ألوف أو شبه جمع مثل ثلاثين.
ولا نسلم أن المعاني غير متناهية؛ لأن حصول ما لا نهاية له في الوجود محال، فما وجد فهو متناه.
سلمنا المقدمتين ومع ذلك لا يفيدكم؛ إذ المقصود بالوضع متناهٍ أي: أن المعاني التي يحتاج إلى التعبير عنها متناهية، لكونها مقصودة، وذلك ما نعلقه من المعاني، لامتناع تعقل ما لا يتناهى بالنسبة إلينا، وإن كان الواضع الله تعالى؛ لأن الوضع لفائدة مخاطبة الناس بها، وهو موقوف على تصورهم.
أو المعاني على قسمين:
[ ٢ / ٢٩٢ ]
منها: ما تشتد الحاجة إلى وضعه.
ومنها: ما ليس كذلك، كأنواع الروائح، فإنه لم يوضع لكل رائحة منها اسم يخصه، فإذا تقرر خلو بعض المعاني عن الأسماء، لا يلزم محال، فإن الوضع إنما يكون لما تشتد الحاجة إليه.
ولا نسلم أن هذا المحتاج إليه غير متناهٍ.
وقد يقال: دليلكم من أصله لو سلم يلزم منه خلو بعض المعاني بالضرورة، ولو قلنا: بالاشتراك، إذ لا نسبة بين المتناهي وغير المتناهي، فإنه لو وضع لفظ الكثير من المعاني، فإنها لا تتناهى ضرورة، والله أعلم.
الثاني:
أن الوجود يطلق على الواجب، وعلى الممكن.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
ووجود الشيء عينه كما هو قول الأشعري (رحمه الله تعالى).
فالوجود الذي يطلق على الله تعالى، عين ذاته تعالى، والذي يطلق على الممكن عين الممكن، وليس هو أمرًا واحدًا فيهما فيكون مشتركًا في الاشتراك اللفظي.
ورد: بأن الوجود زائد مشترك، وليس الوجود عين الذات - كما زعمت - بل هو زائد عليها، فيكون مشتركًا اشتراكًا معنويًا فيكون مشككا.
وإن سلم أنه مشترك لفظًا، فوقوعه لا يقتضي وجوبه؛ لأن وقوع الشيء لا يستلزم وجوب وقوعه، فالدليل في غير محل النزاع.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
وأحاله أي المشترك آخرون: لأنه لا يفهم الغرض، فيكون مفسدة، يعني المشترك لا يفهم منه غرض المتكلم، الذي هو المقصود بالوضع؛ لأن الفهم لا يحصل مع الاشتراك، لخفاء القرينة، فيكون وضعه سببًا للمفسدة، والواضع حكيم فيستحيل أن يضعه.
قالوا: وما يظن من ذلك فإما مجاز أو متواطئ.
ونوقض: بأسماء الأجناس؛ لأنه لو كان عدم فهم مراد المتكلم مانعًا للوضع، لزم عدم وقوع أسماء الأجناس، كالحيوان والإنسان، إذ لو قال اشتر لي حيوانًا، لم يفهم المقصود وكذا الأسود
[ ٢ / ٢٩٥ ]
ونحوه من المشتقات، فلا يدل على خصوصية تلك الذات، لكنه واقع غير ممتنع.
فإن قلت: اسم الجنس موضوع للقدر المشترك وهو مفهوم من اللفظ بخلاف المشترك، فإن المقصود منه فرد معين وهو غير معلوم.
أجيب: بأن اسم الجنس، وإن دل على القدر المشترك، والا أنه لا دلالة له على خصوصية الأفراد، فساوى المشترك في عدم الدلالة التفصيلية.
والتحقيق: أنا لا نسلم أن الفهم التفصيلي لا يحصل مع الاشتراك؛ لأن المقصود يعرف مفصلًا بالقرائن، كما ترى سلمناه، لكن ليس المقصود التفاهم التفصيلي في كل اللغة، بدليل أسماء الأجناس، بل قد يقصد التعريف الإجمالي كما يقصد التفصيلي.
والألفاظ المشتركة، وأسماء الأجناس، وإن لم تفد الفوائد
[ ٢ / ٢٩٦ ]
التفصيلية، لكنها تفيد الفوائد الإجمالية.
والمختار إمكانه أي: إمكان المشترك، لجواز أن يقع من واضعين، ولم يعلم كلمنهما وضع الآخر، وهو السبب الأكثري، بناء على أن للاصطلاح في الوضع مدخلا فلا مفسدة؛ لأن اجتنابها موقوف على العلم بوقوع الاشتراك، والفرض أن لا علم.
أو من واضع واحد لغرض الإيهام على السامع حيث جعل التصريح سببًا للمفسدة.
أو لنسبته إلى الجهل، وهذا هو السبب الأقلي.
وقوله: ووقوعه، عطف على إمكانه أي: والمختار إمكانه ووقوعه،
[ ٢ / ٢٩٧ ]
لغة للتردد في المراد من القرء ونحوه، من العين والجون، فلو كان متواطئًا أو مشككًا أو حقيقة ومجازًا لما وقع التردد.
وقد أطبق أهل اللغة على أن القرء للطهر والحيض معًا (على البدل) من غيرترجيح، وهو معنى الاشتراك.
ووقع في القرآن على الأصح مثل: ثلاثة قروء في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾.
وقوله تعالى: ﴿والليل إذا عسعس﴾.
وهو مشترك بين أقبل وأدبر، وهذا قول مرجوح.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
والذي نقله صاحب المحكم، عن الأكثرين، والنووي عن جمهور أهل اللغة، أن معناه: أدبر.
ونقل الفراء: إجماع المفسرين عليه، قال: وقال (آخرون: معناه أقبل وقال) آخرون: إنه موضوع لهما.
لكن المثال للتفهيم فلا يضر كونه مرجوحًا.
ووقوعه في القرآن له من الفوائد مع ما تقدم فائدة في الأحكام، وهي الاستعداد للامتثال إذا بين، وأنه يطيع بالعزم على الامتثال والاستعداد، له كما يعصى بخلافه.
[ ٢ / ٢٩٩ ]