الأولى
أنه حقيقة في القول الطالب للفعل، لسبقه إلى الفهم عند إطلاقه، فكان حقيقة فيه، غير مشترك بينه وبين غيره، وإلا لبادر غيره، أو لم يبادر شيء.
وليس متواطئًا، وإلا لكان أعم من القول الطالب، فلم يفهم منه القول الطالب. لأن الأعم لا يدل على الأخص، كما لا يفهم من الحيوان الإنسان خاصة.
فقوله: "القول": أخرج الطلب بالإشارة، والقرائن المفهمة،
[ ٣ / ١٣٠ ]
فلا يكون أمرًا حقيقة.
وقوله: "الطالب" أخرج: الخبر وشبهه والأمر النفساني، فإنه طلب لا طالب، ولا شك أن الطالب حقيقة هو المتكلم، وإطلاقه على الصيغة مجاز من باب تسمية المسبب باسم سببه الفاعلي.
وقوله: "للفعل" أخرج: النهي فإنه طالب لترك الفعل.
وقد تقدم في تقسيم الألفاظ تقييد الطلب بالذات أي: بالوضع. ولا بد منها هنا، لئلا يرد: أنا طالب منك كذا.
ولم يقيده هنا به؛ لأنه حيث أطلق ينصرف إلى الطالب بالوضع، ولأنه قدمه.
[ ٣ / ١٣١ ]
وما يقال: أنه لا بد من قيد آخر وهو: المانع من النقيض سهو.
ولا يعتبر العلو ولا الاستعلاء على ما اختاره المصنف.
قال المحقق: وهو الحق.
واعتبرت المعتزلة: العلو في حد الأمر.
وهو: أن يكون الآمر أعلى رتبة من المأمور في الواقع دون
[ ٣ / ١٣٢ ]
الاستعلاء:
وهو أن يطلب (على وجه) الغلظة، وإظهار تعاظم، وبه قال الشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ والسمعاني.
ونقله القاضي عبد الوهاب عن أهل اللغة، وجمهور أهل العلم، واختاره.
وشرطه (أبو الحسين) البصري، من المعتزلة الاستعلاء دون
[ ٣ / ١٣٣ ]
العلو.
وبه قال الإمام الرازي، والآمدي، وابن الحاجب.
واشترطهما: ابن القشيري، ونقل عن القاضي عبد الوهاب.
ويفسدهما، أي: يفسد اشتراط العلو والاستغلاء، قوله تعالى: حكاية عن فرعون:﴾ ماذا تأمرون ﴿فأطلق الأمر على القول الطالب للفعل الصادر عن قوم فرعون بلا علو؛ لأن فرعون كان أعلى رتبة منهم، ولا استعلاء؛ لأنه كان يدعي إلهيتهم.
[ ٣ / ١٣٤ ]
وما يقال: لعله لم يكن العلو والاستعلاء شرطًا في لغة فرعون، ويكون شرطًا في لغة العرب بعيد؛ لأن الله تعالى حكى عنهم بالمعنى، فلا بد من الموافقة معنى.
وما اختاره المصنف هنا لا يناقض ما تقدم له لما تقدم.
وليس حقيقة في غيره، دفعًا للاشتراك، فإن الأصل عدمه، ولو كان مجازًا لأنه خير من الاشتراك.
وقال بعض الفقهاء: إنه مشترك بينه، أي: بين القول المخصوص وبين الفعل أيضًا؛ لأنه يطلق عليه أي: على الفعل مثل قوله
[ ٣ / ١٣٥ ]
تعالى:﴾ وما أمرنا ﴿أي: وما فعلنا إلا واحدة.
ومثل قوله تعالى:﴾ وما أمر فرعون ﴿، أي: وما فعل فرعون برشيد والأصل في الإطلاق الحقيقة.
قلنا: المراد في الآيتين: الشأن مجازًا لما مر من كونه حقيقة في القول الطالب.
فمعنى الآية الأولى: إن شأننا شيء واحد، وهو أنا إذا أردنا شيئًا أن نقول له: كن فيكون.
وحمل الأمر على الشأن في الثانية أشمل لمذمة فرعون من الفعل.
[ ٣ / ١٣٦ ]
وقال أبو الحسين البصري: إذا قيل: أمر فلان، ترددنا بين القول والفعل والشيء والشأن والصفة، وهو آية، أي: علامة الاشتراك.
لأنه إذا أطلق لفظ الأمر غير مقيد بما يخصصه بأحد الأمور الخمسة لم يدر الذهن أي هذه الأمور أريد.
فإذا قيد بشيء من المخصصات.
وقيل: أمر بالصلاة فهم القول، أو فعل أمره، فهم الفعل، أو تحرك لأمر فهم الشيء، (أو ساد) لأمر فهم الصفة، أو أمره مستقيم فهم الشأن.
[ ٣ / ١٣٧ ]