الثالثة: اسم الفاعل لا يشتق لشيء، والفعل أي: المصدر المشتق منه لغيره، (أي: قائم بغير ذلك الشي)، بل يجب بمقتضى اللغة إطلاق ذلك المشتق على الذي قام به، للاستقراء، أي تتبعًا اللغة فوجدناها كذلك فلا يقال: زيد ضارب، والضرب قائم بعمرو.
وقالت المعتزلة:
[ ٢ / ٢٦٧ ]
الله تعالى متكلم بكلام يخلقه في جسم، كما أنه الخالق، والخلق المخلوق، فجعلوا المتكلم لله، لا باعتبار كلام هو له بل كلام لجسم هو يخلقه فيه.
ويقولون: لا معنى لكونه متكلمًا، إلا أنه يخلق الكلام في الجسم.
لأنه قد ثبت إطلاق المتكلم عليه، وحصل لهم شبهة على امتناع قيام الكلام به، فلزمهم القول، بأن معنى المتكلم في حقه خالق الكلام في جسم.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
وقد أقيم البرهان في الكلام على صحة قيام الكلام النفسي بذاته، فيطلق عليه متكلم باعتبار الكلام القديم القائم بذاته، الذي ليس بحرف ولا صوت.
ثم قالوا: قد أطلق الخالق على الله تعالى باعتبار الخلق وهو المخلوق لقوله تعالى: ﴿هذا خلق الله﴾ والمخلوق ليس قائمًا بذاته.
قلنا: الخلق هو التأثير، وهو معنى إضافي قائم بالخالق، بمعنى تعلقه بالخالق واتصاف الخالق به، وليست صفة حقيقية.
وأما إطلاق الخلق في الآية على المخلوق، فهو مجاز من باب تسمية المتعلق باسم المتعلق.
قالوا: فيلزم قدم العالم وإلا لافتقر إلى تأثير آخر وتسلسل، إذ
[ ٢ / ٢٦٩ ]
ليس يطلق الخالق إلا بمعنى المصدر أو المفعول، وقلتم: ليس هو المفعول، فتعين أن يكون هو المصدر، والمصدر هو: التأثير المستلزم للأثر ضرورة، فإن قدم التأثير قدم العالم، إذ لا يتصور تأثير ولا أثر، وإن كان حادثًا، احتاج إلى تأثير آخر وتسلسل.
قلنا: هو نسبة فلم يحتج إلى تأثير آخر.
تحقيقه: أن الذات قديم، وكذا القدرة، فلابد من أمر حادث (عنده تحدث) الحوادث، وهو تعلق القدرة، فهذا التعلق من حيث انتسابه إلى العالم صدور العالم، ومن حيث انتسابه إلى الذات الموصوفة بالقدرة القديمة هو خلق العالم، فمعنى الخلق كون الذات قد تعلقت قدرته القديمة بشيء.
وهذا معنى إضافي اعتباري، قائم بالخالق، بمعنى تعلقه بالخالق واتصاف الخالق به، وليست صفة حقيقية متقررة فيه، ليلزم كون
[ ٢ / ٢٧٠ ]
القديم محلًا للحوادث، أو يحتاج إلى تأثير آخر.