واقتصر على الأول؛ لأن الثاني في معناه.
إذا ما من خطاب إلا ويحتمل أن يراد به غير ظاهره، وذلك معلوم الفساد.
وأيضًا: الإحجام إنما يتحقق إذا اعتقد العقاب، (وإذا لم يعتقد العقاب يكون إغراء على المعاصي) لا إحجامًا. فانتفت الفائدة، بل تضمن المفسدة.
تنبيه: محل الخلاف في غير الأوامر والنواهي، كما في شرح المحصول للأصفهاني، وإنما خالفت المرجئة في الآيات والأخبار الدالة على العقاب.
الثالثة
الخطاب إما أن يدل على الحكم بمنطوقه.
[ ٣ / ٨٨ ]
والتحقيق: أن المنطوق: دلالة اللفظ على المدلول، في محل النطق.
والقيد الأخير: للتمييز بينه وبين المفهوم.
لأن ذلك المدلول، إن كان لما ذكر ونطق به، فالدلالة منطوق وإلا فمفهوم.
فالمنطوق: دلالة اللفظ على المدلول الحاصل بما تعلق به وذكر.
فالشرط في تحققه، مذكورية ماله المدلول لا مذكورية المدلول، فإنه قد يكون مذكورًا فيه وقد لا يكون.
والمفهوم بخلافه.
والمراد بكون المدلول للمذكور كونه حكمًا للمذكور، أو حالًا له. فالحكم واضح.
[ ٣ / ٨٩ ]
والحال ما يكون شرطًا للمذكور عقلًا كما في المقدمة العقلية للواجب، نحو: ارم، فإنه مقتضٍ لتحصيل القوس.
أو شرعًا، كما في المقدمة الشرعية للواجب نحو: صل، فإنه مقتضٍ لإيجاب الوضوء.
أو سببًا له، أو مانعًا، فأقسام المنطوق بحسب ذكر الحكم، والحال أربعة:
- دلالة اللفظ على حكم مذكور لما نطق به.
- دلالته على حكم غير مذكور لما نطق به.
- دلالته على حال مذكور لما نطق به.
- دلالته على حال غير مذكور لما نطق به.
وهي مذكورة بأمثلتها في الشرح مع زيادة تحقيق وإيضاح فراجعه منه فإنه موضع مهم.
فإذا ورد خطاب من الشارع فيحمل على المنطوق الشرعي إن أمكن.
[ ٣ / ٩٠ ]
لأن عرف الشارع، أن يعرف الأحكام الشرعية، ولذلك بعث، ولم يبعث لتعريف الموضوعات اللغوية، وغير الشرعي.
وإن لم يكن له حقيقة شرعية، أو كان ولم يمكن الحمل عليها، حمل على الحقيقة العرفية الموجودة في عهده - (﵊) - وهو المعني بقوله: (ثم العرفي) لأنه المتبادر إلى الفهم.
ولأن الشارع يعتبر العرف في كثير من مسائل: الأيمان والطلاق، وإن لم يكن له منطوق عرفي.
[ ٣ / ٩١ ]
فإن لم يكن هناك قرينة صارفة عن المعني اللغوي، حمل على اللغوي، وهو معنى قوله: "ثم اللغوي" لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة.
وهذا لا ينافي قول الفقهاء: أن ما ليس له ضابط في الشرع ولا في اللغة، فإنه يرجع فيه إلى العرف، فإنه: وإن اقتضى تأخر العرف عن اللغة لكن مرادهم العرف في غير زمنه - ﷺ -.
ومراد الأصوليين العرف في زمنه - ﷺ - كذا جمع به بعضهم.
وقال السبكي: مراد الأصوليين: إذا تعارض معناه في العرف ومعناه في اللغة قدمنا العرف.
ومراد الفقهاء: إذا لم يعرف حده في اللغة فإنه يرجع فيه إلى العرف.
ولهذا قالوا: كل ما ليس له حد في اللغة، ولم يقولوا:
[ ٣ / ٩٢ ]
ليس له معنى.
قال العراقي: وعبارة الرافعي ربما تضاد هذا الجمع.
ويجمع بينهما: بأن كلام الفقهاء في الألفاظ الصادرة من غير الشارع، وكلام الأصوليين في ألفاظ الشارع.
وإن كانت قرينة حمل على المدلول المجازي.
وإليه أشار بقوله: "ثم المجازي" لكون اللفظ دالا، وتعذر حمله على الحقيقة، فلو لم يحمل على المجاز خرج اللفظ الدال عن أن يكون دالًا وهو غير جائز.
ويكون الترتيب في مجازات هذه الحقائق كالترتيب المذكور في
[ ٣ / ٩٣ ]
الحقائق.
أو بمقهومه، أي: وإن دل الخطاب على الحكم بمفهومه، وهو المسمى بالدلالة المعنوية، والدلالة الالتزامية.
وهو أي: المفهوم (إما أن) يكون لازمًا عن لفظ مفرد، يوقف مدلول اللفظ عليه عقلًا، أو يوقف عليه شرعًا.
[ ٣ / ٩٤ ]
فالذي يتوقف عليه عقلًا، مثل قولك: ارم، فإنه يستلزم الأمر بتحصيل القوس، والمرمى؛ لأن العقل يحيل الرمي بدونهما.
والذي يتوقف عليه شرعًا، مثل قولك: أعتق عبدك عني.
فإنه يستلزم سؤال تمليكه، حتى إذا اعتقه تبينا دخوله في ملكه، لأن العتق شرعًا، لا يكون إلا في مملوك، والمستلزم للملك هو: أعتق فقط، بدليل ما لو قال: أعتق غانمًا وهو ملك لغير المخاطب، يفهم منه إيجاب تحصيل تملكه.
وهذا القسم وهو اللازم عن مفرد: يسمى اقتضاء (أي: الخطاب
[ ٣ / ٩٥ ]
يقتضيه.
وإن لم يتوقف مدلول اللفظ على المفهوم منه يسمى إيماء) وسيجيء.
أو يلزم المفهوم عن مركب: وهو إما موافق للمنطوق في الحكم، أي: في الجواز، والحرمة، والإيجاب، والسلب، وهو يسمي فحوى الخطاب، أي: معناه وتنبيه الخطاب.
[ ٣ / ٩٦ ]
ومفهوم الموافقة: كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب.
فتحريم الضرب، استفدناه من التركيب؛ لأن مجرد التأفيف لا يدل على تحريم الضرب ولا على إباحته، بخلاف مجرد الرمي، فإنه يتوقف على القوس.
وكدلالة جواز المباشرة إلى الصبح في قوله تعالى:﴾ أحل لكم ليلة الصيام الرفث ﴿إلى قوله تعالى:﴾ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ﴿.
[ ٣ / ٩٧ ]
على جواز الصوم جنبًا، إذ لو لم يجز، لوجب أن يحرم الوطء في آخر جزء من الليل بقدر ما يصح فيه الغسل، وهو مخالف لمنطوق الآية، أعني جواز المباشرة إلى طلوع الفجر، لكون حتى لانتهاء الغاية.
فالحكم المفهوم من اللفظ في محل السكوت في هاتين الآيتين، موافق لمدلوله في محل النطق، وهو التحريم في الآية الأولى، والجواز في الثانية.
ومثل بالمثالين إشارة إلى أن مفهوم الموافقة قد يكون أولى بالحكم من المنطوق، كالمثال الأول وقد يكون مساويًا، كالمثال الثاني، وهو المختار في جمع الجوامع، وظاهر كلام ابن الحاجب في
[ ٣ / ٩٨ ]
موضع، وخالف في موضع آخر، فاشترط الأولوية، فلا يكون المساوي مفهوم موافقة، وهو مقتضى نقل إمام الحرمين عن الشافعي - ﵁ -.
والخلاف في التسمية؛ فإنهم اتفقوا على الاحتجاج بالمساوي كالأولى.
وقال العلامة: المساوي لا يسمى موافقة ولا مخالفة.
وأشار المصنف أيضًا: بالمثالين إلى أن مفهوم الموافقة قد يكون من مكملات المعنى المنطوق كما في المثال الأول وقد لا يكون كالثاني.
[ ٣ / ٩٩ ]
فإن قلت التنبيه بالأدنى على الأعلى والمساوي، لو كان من مفهوم الموافقة لكان جميع صور القياس بالطريق الأولى والمساوي من مفهوم الموافقة والثابت به ثابت بالنص.
أجيب: بأن الملازمة ممنوعة، لجواز أن يكون حكم الأصل ثابتًا بالإجماع لا بالنص، وعلى تقدير ثبوته بالنص يجوز أن يكون الفرع أدنى من الأصل فيما أثبت لأجله الحكم، فإنه لا تكون دلالته بالمفهوم اتفاقًا.
وقد جوز بعضهم القياس فيه على ما ذكره المصنف في تقسيم القياس، وإن لم يجوزه ابن الحاجب قاله الأبهري، وفيه نظر يأتيك تحقيقه في القياس.
القسم الثاني: أن يكون المفهوم مخالفًا للمنطوق، وإليه أشار بقوله: "أو مخالف كلزوم نفي الحكم عما عدا المذكور، ويسمى دليل الخطاب" (ولحن الخطاب)، ومفهوم المخالفة، كمفهوم الشرط، والصفة، ونحوهما مما سيأتي واعلم أن عد المصنف دلالة الاقتضاء مثل: ارم
[ ٣ / ١٠٠ ]