ثم ذكر ما هو مندفع بما قررته.
الثانية:
هذا تقسيم آخر للوجوب باعتبار وقته، وبينه بقوله: الوجوب إن تعلق بوقت فإما أن يساوي الوقت ذلك الفعل كصوم شهر رمضان وهو المضيق، أي: يسمى بالواجب المضيق.
أو ينقص الوقت عنه أي عن الفعل فيمنعه من منع التكليف
[ ٢ / ٢٧ ]
بالمحال إلا لغرض القضاء فلا يمنعه، كوجوب الظهر على الزائل عذره، في آخر الوقت كالجنون والمرض، وقد بقي من الوقت قدر (ما يسع) تكبيرة.
أو يزيد الوقت عليه أي: على الفعل كالظهر، ويسمى بالواجب الوسع.
فيقتضي إيقاع الفعل في أي جزء من أجزائه، فجميع الوقت
[ ٢ / ٢٨ ]
وقت لأدائه، ففي أي جزء أوقعه فقد أوقعه في وقته؛ لأن الأمر بذلك يقتضي إيقاع الفعل في جزء من أجزاء الوقت، ولا تعرض فيه للتخيير بين الفعل والعزم، ولا لتخصيصه بأول الوقت أو آخره، بل الظاهر ينفيهما.
لأن قوله (﵊): "الوقت بين هاتين" متناول لجميع أجزائه ولا يتعين بعض الأجزاء، للوجوب دون البعض لعدم أولوية البعض فيكون القول به تحكمًا باطلًا.
وأما حديث: "الصلاة في أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله".
[ ٢ / ٢٩ ]
فدلالته على أن الجزء الأول أولى بالنظر إلى المبادرة إلى الطاعة، وبحثنا في أجزاء الزمان من حيث هي هي (هذا والحديث ضعيف).
وقال المتكلمون وهو الأصح في شرح المهذب الواجب في كل جزء من الوقت هو إيقاع الفعل فيه أو إيقاع العزم فيه على الفعل في ثاني
[ ٢ / ٣٠ ]
الحال، إلا أن أخر الوقت) إذا بقي منه قدر ما يسع الفعل فيه فحينئذ يتعين الفعل.
وعبر المصنف عن هذا المذهب بقوله: يجوز تركه في الأول بشرط العزم (يعني في الجزء الأول على الفعل في الجزء الثاني) وإلا أي: لو جاز الترك في أول الوقت بلا عزم مع قولنا بوجوبه في أول الوقت، لجاز ترك الواجب بلا بدل.
ورد بأن العزم لا يصلح بدلًا عن الفعل؛ لأنه لو صلح بدلًا
[ ٢ / ٣١ ]
عن الفعل لتأدى الواجب به، إذ بدل الشيء يقوم مقامه، وإذا لم يصلح للبدلية فقد لزم ترك الواجب بلا بدل كما قلتم.
ورد أيضًا: بأنه لو وجب العزم في الجزء الثاني لتعدد البدل والمبدل واحد، يعني: إذا عزم في الجزء الأول من أجزاء الزمان على الفعل، فإما أن يجب العزم في الجزء الثاني أيضًا أولًا، فإن لم يجب فقد ترك الواجب من غير بدل، ويلزم التخصيص بلا مخصص -وترك هذا الشق لوضوحه.
وإن وجب فقد تعدد البدل وهي الإعزام مع أن المبدل واحد.
[ ٢ / ٣٢ ]
ومنع السبكي: كون المبدل واحدًا قال: لأن العزم في الجزء الأول، بدل عن الفعل في الجزء الأول، والعزم في الجزء الثاني بدل عن الفعل في الجزء الثاني، فالمبدل متعدد.
ومنا من قال: يختص الوجوب بالأول أي بأول الوقت، وفي الآخر يكون فعله قضاء حتى يأثم بالتأخير عن أوله.
ولم يعرف عن الشافعية، لكن نقله الشافعي (﵁ في الأم) عن المتكلمين.
[ ٢ / ٣٣ ]
وإن نقل القاضي أبو بكر الإجماع على نفي الإثم، ولنقله قال بعضهم: إنه قضاء يسد مسد الأداء.
وقالت جماعة من الحنفية: يختص الوجوب بالآخر.
وفعله في الأول تعجيل يسقط به الفرض، فيصير كمن أخرج الزكاة قبل وقتها
[ ٢ / ٣٤ ]
وقال الكرخي: منهم الآتي بالفعل في الأول إن بقي على صفة الوجوب إلى آخر الوقت أي وهو على صفة التكليف يكون ما فعله واجبًا، وإن لم يكن على صفته كأن جن أو حاضت كان ما فعله نفلًا.
ونقل عن الكرخي غير ذلك.
[ ٢ / ٣٥ ]
احتجوا أي الحنفية: بأنه لو وجب في أول الوقت لم يجز تركه؛ لأنه ترك الواجب وهو الفعل في الأول لكنه يجوز تركه اتفاقًا، فانتفى أن يكون واجبًا.
قلنا: المكلف مخير بين أدائه في أي جزء من أجزائه.
وحاصله: منع الملازمة، وإنما يلزم لو كان الفعل أولًا واجبًا على التعيين، وليس كذلك، بل هو في التحقيق راجع إلى الواجب المخير، فالتعجيل والتأخير فيه جائز، كخصال الكفارة.
[ ٢ / ٣٦ ]
فكما أنا نصفها بالوجوب على معنى أنه لا يجوز الإخلال بجميعها، ولا يجب الإتيان به فكذا هذا.
فالمكلف مخير بين أفراد الفعل في المخير، وبين أجزاء الوقت في الموسع.
ونحن لم نوجب الفعل في أول الوقت بخصوصه حتى يرد علينا جواز إخراجه عنه، بل خيرناه بينه وبين ما بعده.
والمذهب الذي قبله لما علم دليله وجوابه عن دليل الحنفية لأنه عكسه تركه اختصارًا.
وتقريره: أنه لو كان واجبًا في آخر الوقت لعصى من تركه في آخر الوقت وقد أتى به في أوله.
والجواب: أن ذلك إنما يلزم لو تعين وجوبه آخر الوقت.
[ ٢ / ٣٧ ]