قلنا: هذا مبني على القبح العقلي وهو باطل، ومع هذا أي مع تسليمنا القول بالقبح العقلي فلا سفه في مسألتنا.
وذلك لأنه ليس المراد بالأمر أن يكون في الأزل لفظ هو أمر ونهي، بل المراد به معنى قديم قائم بذات الله تعالى وهو اقتضاء الطاعة من العباد، وأن العباد إذا وجدوا يصيرون مطالبين بذلك الطلب، وهذا لا سفه فيه، كما لا سفه في أن يكون في النفس طلب التعلم من ابن سيولد.
الثانية:
[ ٢ / ١٢٦ ]
لا يجوز تكليف الغافل، وهو من لا يفهم الخطاب، كالساهي والنائم والمجنون، من أحال تكليف المحال.
ومفهومه أن بعض المجوزين يجوزون تكليف الغافل.
(وهم الأقل) وأكثرهم على أنه (لا يجوز)
وإنما قلنا: أن هذا مفهومه لأنه الواقع، ولأنه (أي
[ ٢ / ١٢٧ ]
الاختلاف) صحيح من جهة المعنى.
وقوله: من أحال تكليف المحال -بغير باء- يحتمل أنه لا فرق عنده بينه وبين ما بالباء.
أو يرى الفرق -كما قيل به-
وهو أن تكليف المحال: الخلل فيه في المأمور.
والتكليف بالمحال الخلل فيه في المأمور به، وكلام المصنف مستقيم على الأول.
[ ٢ / ١٢٨ ]
واعلم أن فهم المكلف للتكليف شرط لصحة التكليف عند المحققين.
وذلك بأن يفهم (المخاطب الخطاب قدر ما يتوقف عليه الامتثال لا بأن يصدق) بأنه مكلف ويعلم أنه مكلف، وإلا لزم الدور وعدم تكليف الكفار، فعلى هذا لا حاجة إلى استثناء التكليف بالمعرفة على ما سيجئ، لأن التكليف بالمعرفة ليس من تكليف الغافل في شيء لأن معناه: أن لا يفهم التكليف، والخطاب.
وهذا قد فهمه، إن لم يصدق به، ولم يعلم أنه مكلف.
[ ٢ / ١٢٩ ]
فلا يكلف الغافل؛ لأن الفعل امتثالًا يعني أن الإتيان بالفعل على قصد الطاعة والامتثال لأمر الله تعالى، يعتمد العلم بالأمر وكذا الفعل المأتي به.
لأن الامتثال: هو أن يقصد إيقاع الفعل المأمور به على سبيل الطاعة.
ويلزم من ذلك علمه بتوجه الأمر نحوه، وبالفعل.
ولا يتصور هذا من الغافل إذ لا شعور له بالأمر ولا بالفعل، فيكون تكليفه محالًا.
فإن قيل: الفعل المجرد عن قصد الامتثال قد يصدر من الغافل اتفاقًا،
[ ٢ / ١٣٠ ]
وحينئذ إذا علم الله - تعالى - وقوع الفعل من شخص فلا استحالة في تكليفه به.
وقوله: ولا يكفي مجرد الفعل، جواب عن هذا السؤال المقدر في كلامه، أي: لا يكفي مجرد وقوع الفعل من غير قصد إلى إيقاعه في سقوط التكليف لقوله - ﷺ -: "إنما الأعمال بالنيات" متفق عليه.
أي: إنما تصح الأعمال بالنيات، فكل عمل لم يقترن بالنية لا اعتبار له.
[ ٢ / ١٣١ ]
وليس اعتبار طلاق السكران وقتله وإتلاقه من قبيل التكليف، بل من قبيل ربط الأحكام بأسبابها، كاعتبار قتل الطفل وإتلافه فإنه سبب لوجوب الضمان والدية من ماله على وليه وهو غير مكلف به قطعًا، بل كربط وجوب الصوم بشهود الشهر.
ونوقض بوجوب المعرفة فإن التكليف بها واقع مع أنه تكليف للغافل؛ إذ لو كان المكلف عارفًا بالآمر الذي هو الله تعالى لم يكلف مرة أخرى، وإلا لزم تحصيل الحاصل.
[ ٢ / ١٣٢ ]