المشتق منه جزؤه، أي: جزء المشتق.
فإن العالم مثلًا ذات قام بها العلم، فلا يوجد المشتق دونه أي دون المشتق منه الذي هو جزؤه.
الثانية: شرط كونه أي كون المشتق حقيقة، دوام أصله وهو
[ ٢ / ٢٥٤ ]
المشتق منه، كالضارب لمباشر الضرب.
خلافًا لابن سينا، وأبي هاشم، حيث لم يشترطا ذلك، فيطلق على من ضرب وانقضى ضربه: ضارب، حقيقة عندهما.
أما إطلاق ضارب على من سيضرب فإنه مجاز اتفاقًا.
ثم استدل المصنف على
[ ٢ / ٢٥٥ ]
مختاره بقوله: لأنه يصدق نفيه، أي نفي المشتق عند زواله، أي زوال المشتق منه.
فيقال: زيد ليس بضارب، فيصدق أنه ليس بضارب في الحال، فيصدق ليس بضارب مطلقًا؛ لأن المقيد أخص من المطلق، وصدق الأخص مستلزم لصدق الأعم.
فإذا صدق نفيه فلا يصدق إيجابه وهو زيد ضارب وإلا لزم اجتماع النقيضين، فإذا صدق نفيه حقيقة كان إيجابه مجازًا، وهو المطلوب.
قيل: النفي مطلقًا لا ينافي الثبوت مطلقًا؛ لأنهما مطلقتان
[ ٢ / ٢٥٦ ]
فلا تتناقضان.
قلنا: مؤقتتان بالحال أي: بحال التكلم؛ لأن أهل العرف ترفع أحدهما بالآخر، حيث يقال في الرد على من قال: زيد قائم -: ليس زيد بقائم.
فأغنى عن القيد فهم أهل العرف له، إذ لو لم يكن كذلك لما جاز استعمال كل أحد منهما في تكذيب الآخر ورفعه.
لكن أهل العرف يستعملون ذلك، فيكونان متناقضين.
لا يقال: فعل الماضي مشتق مع أنه حقيقة باعتبار ما مضى بلا نزاع؛ لأن المراد الصفات دون الأفعال، فإن الزمان داخل في مفهوم الفعل، بخلاف الصفات.
وأما مثل قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا﴾، و: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ ونحوهما فإنها حقيقة مطلقًا بلا
[ ٢ / ٢٥٧ ]
نزاع.
ومحل الخلاف: ما إذا كان المشتق محكومًا به كقولك: زيد مشرك دون ما إذا كان متعلق الحكم كالآيات وإلا سقط، الاستدلال بها في هذا الأعصار، فإنه يقال: لا يتناول حقيقة إلا من كان متصفًا بهذا الوصف حالة نزول الآية، وإطلاقه على غيره مجاز والأصل عدم المجاز (نبه عليه القرافي).
وعورض دليل المصنف بوجوه.
قال العراقي: لو قال بأوجهٍ كان أوجه؛ لأنه جمع قلة ووجوه جمع كثرة.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
الأول: أن الضارب مثلًا من له الضرب، وهو - أي: ثبوت الضرب - أعم من الماضي والحال، بدليل صحة انقسامه إليهما. وهو في الحال حقيقة اتفاقًا فكذا في الماضي.
ونوقض: بأنه أعم من المستقبل أيضًا؛ لأن من ثبت له الضرب، كما هو أعم من الماضي، فهو أعم من المستقبل أيضًا.
فيلزم أن يكون حقيقة فيه، وهو مجاز اتفاقًا.
والمشاحة في دلالة «ثبت له الضرب» على الماضي والحال والاستقبال لا تحسن، (مع ظهور المراد منه) وإن كان ظاهر لفظ ثبت مختصًا بالماضي.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
الثاني: أن النحاة منعوا عمل النعت الماضي، أي: المشتق كاسم الفاعل واسم المفعول إذا كان بمعنى الماضي، وليس معه أل فلا ينصب مفعوله، بل يتعين جره (بالإضافة إليه).
كقولك: مررت برجل ضارب زيدٍ أمس.
فأطلقوا اسم الفاعل على من صدر منه الضرب، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
ونوقص: بأنهم أعملوا المستقبل أيضًا وهو مجاز اتفاقًا.
ورد بأنه تكثير المجاز وهو خلاف الأصل.
الثالث: أنه لو شرط بقاء المعنى لم يكن المتكلم ونحوه،
[ ٢ / ٢٦٠ ]
أي: كالمخبر والمحدث حقيقة، واللازم باطل بالاتفاق.
بيان الملازمة: أنه لا يتصور حصوله إلا بحصول أجزائه وأنها حروف تنقضي أولًا فأولًا، ولا تجتمع في حين، وقبل حصولها لم تتحقق وبعده قد انقضت.
وأجيب: بأنه لما تعذر اجتماع أجزائه أي: الكلام وشبهه اكتفى في الإطلاق الحقيقي بمقارنته بآخر جزء.
وليس مبنى اللغة على المضايقة في أن ما ينقضي أجزاؤه شيئًا فشيئًا، هل هو باق أم لا؟ .
بل يعنون ببقاء المعنى عدم انقضائه بالكلية، حتى يقولوا لمن هو مباشر الأخبار والكلام: أنه مخبر ومتكلم حقيقة. وأن المعنى باق غير منقض.
وكذا المتحرك ما دام متوسطًا بين المبتدأ والمنتهى، وإلا تعذر أكثر
[ ٢ / ٢٦١ ]
أفعال الحال مثل: يضرب ويمشي، فإنها ليست آنية بل زمانية تنقضي أجزاؤه أولًا فأولًا.
والتحقيق أن المعتبر المباشرة العرفية كما يقال: يكتب القرآن ويمشي من مكة إلى المدينة ويراد به أجزاء من الماضي ومن المستقبل. متصلة، لا يتخللها فصل بعد عرفًا تركًا لذلك الأمر، وإعراضًا عنه، فالشرط وجود المعنى إن أمكن، وإلا فوجود آخر جزء منه، وذلك متحقق في الكلام ونحوه.
الرابع: أن المؤمن يطلق حال خلوه عن مفهومه، أي: مفهوم الإيمان والأصل في الإطلاق الحقيقة.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
ويوضحه أن المؤمن إذا نام أو غفل غير مباشر للإيمان على زعمهم.
لأن مفهوم الإيمان: إما تصديق القلب، أو إقرار اللسان أو عمل بالأركان.
أو الثلاثة، ويصدق عليه أنه مؤمن، للإجماع على أن المؤمن لا يخرج عن كونه مؤمنًا بنومه وغفلته، وتجري عليه أحكام المؤمنين وهو نائم أو غافل.
وأجيب: بأنه أي: بإن إطلاق المؤمن عليه مجاز باعتبار الإيمان السابق، بدليل عدم اطراده، وإلا لزم الاتصاف بالمتقابلين حقيقة، أي مؤمنًا كافرًا معًا، حقيقة فيما إذا صار الكافر مؤمنًا والنائم يقظانًا، والحلو حامضًا، والعبد حرًا، وذلك مما لا يحصر.
قال المصنف أيضًا: «وإلا لأطلق الكافر على أكابر الصحابة حقيقة»
[ ٢ / ٢٦٣ ]
باعتبار ما سبق، لكن الإطلاق غير جائز قطعًا بالإجماع.
قال الشيخ سعد الدين: كون المؤمن للنائم والغافل مجازًا بعيد جدًا، لا يبعد الإجماع على بطلانه، يعني بل يطلق عليه مؤمن حقيقة.
والتحقيق: أن النزاع (في حقيقته) اسم الفاعل، وهو الذي بمعنى الحدوث، لا في مثل المؤمن والكافر، والنائم واليقظان، والحلو والحامض (والعبد والحر) ونحو ذلك، مما يعتبر في بعضه الاتصاف به مع عدم طريان المنافي، وفي بعضه الاتصاف به بالفعل ألبته.
[ ٢ / ٢٦٤ ]