قلنا: لا نسلم تردد الذهن عند إطلاقه، بل يتبادر القول الطالب وهو علامة الحقيقة، وتوقف الباقي على القرينة، وهو علامة المجاز.
تنبيه:
صرح أبو الحسين في المعتمد وشرح العمدة، بأن الأمر ليس موضوعًا للفعل بخصوصه، وإنما يدخل في الشأن.
الثانية
الطلب بديهي التصور، أي: لا يحتاج في معرفته إلى تعريف بحد
[ ٣ / ١٣٨ ]
أو رسم، كالجوع وسائر الوجدانيات؛ لأن كل من لم يمارس الحدود والرسوم يعرف مفهوم الطلب ويميزه عن غيره، ويطلب في موضع الطلب.
ولولا أنهم عارفون بمفهومه لما تأتي منهم ذلك.
وهو أي: الطلب، غير العبارات المختلفة المعبر بها عنه لاختلافها، وعدم اختلاف الطلب.
والطلب غير الإرادة، خلافًا للمعتزلة في أن ماهية الطلب هي إرادة المأمور به.
[ ٣ / ١٣٩ ]
فالطلب معنى قائم بالنفس، ومعناه: ميل نفساني إلى ما فيه نفع أو ضر لمن يمكن ذلك في حقه ويؤول في حق الله - تعالى - بما يليق بجلاله.
والإرادة: هذا المعنى يفيد تحصيل المراد من القوة إلى الفعل.
فمعنى الإرادة أخص، ومعنى الطلب أعم، فكل مراد مطلوب، وليس كل مطلوب مراد.
لنا: أن الإيمان من الكافر مطلوب وليس بمراد، لما عرفت في مسألة التكليف بالمحال أن الإيمان من الكافر الذي علم الله - تعالى أنه لا يؤمن، كأبي لهب مطلوب بالاتفاق، مع أنه ليس بمراد لله تعالى لأن الإيمان - والحالة هذه - ممتنع، لأن خلاف علم الله - تعالى - لا يقطع قطعًا، وإذا كان إيمانه ممتنعًا فلا تصح إرادته بالاتفاق.
[ ٣ / ١٤٠ ]
وليس للمعتزلة أن يقولوا: فلا يكون الممتنع مطلوبًا؛ لأن المطلوب أعم فيجوز كونه ممتنعًا.
ولنا أيضًا: أن الممهد لعذره في ضرب عبده بأنه إنما يضربه لأنه لا يمتثل أمره، إذا أراد عصيان العبد يأمره ولا يريد منه ذلك حذرًا من اللوم.
مثلًا: لو أنكر السلطان ضرب سيدٍ لعبده، متوعدًا له بالإهلاك، إن ظهر أن العبد لا يخالف أمر سيده، والسيد يدعي مخالفة العبد له في أوامره ليدفع عن نفسه الهلاك، فإنه يأمر عبده بحضرة السلطان ليعصيه، ويشاهد السلطان عصيانه له، فيزول إنكاره ويخلص من الهلاك، فهنا قد أمره، وإلا لم يظهر عذره، وهو مخالفة الأمر، ولا يريد منه الفعل؛ لأنه لا يريد ما يفضي إلى هلاك نفسه، وإلا كان مريدًا لهلاك نفسه، وأنه محال.
[ ٣ / ١٤١ ]
وعليه إشكالات وأجوبتها (تطلب من) الشرح.
وهذان الوجهان: كما دلا على تغاير الأمر للإرادة، دلا على عدم اشتراط الأمر بالإرادة.
اعترف أبو علي الجبائي، وابنه أبو هاشم بالتغاير بين الأمر والإرادة، وشرطا الإرادة في الدلالة.
[ ٣ / ١٤٢ ]
قالا: لأن صيغة الأمر كما ترد للطلب، ترد للتهديد أيضًا، فلا بد من تمييز ليتميز الطلب عن التهديد، ولا مميز إلا الإرادة، لكون المأمور مرادًا في الطلب غير مراد في التهديد.
قلنا: دلالة الألفاظ على معانيها إنما هي بحسب وضع اللفظ لها.
وحينئذ كونه مجازًا في التهديد حقيقة في الطلب كاف في الفرق بينهما، فيجب عند إطلاقه حمله على الحقيقة، وهو الطلب، وفي التهديد لا بد من قرينة.
تنبيه:
قال ابن برهان: لنا ثلاث إيرادات:
إرادة إيجاد الصيغة، وهي شرط اتفاقًا.
[ ٣ / ١٤٣ ]
وإرادة صرف اللفظ عن غير جهة الأمر إلى جهة الأمر، شرطها المتكلمون دون الفقهاء.
وإرادة الامتثال، وهي محل النزاع بيننا وبين أبي علي وابنه.
وذكر الثلاث أيضًا: إمام الحرمين، والغزالي، وغيرهما.
لكن حكى الخلاف في إرادة إيجاد الصيغة ابن المطهر المتأخر الرافضي في كتاب له في أصول الفقه.
[ ٣ / ١٤٤ ]