الثانية:
الكافر مكلف بالفروع خلافًا للمعتزلة، وفرق قوم بين الأمر والنهي.
اعلم أن الشرط الشرعي للوجوب شرط في التكليف بوجوبه ووجوب أدائه بالاتفاق، والشرط لوجوب الأداء شرط في وجوب أدائه.
[ ٢ / ١٦٠ ]
ولا يشترط في التكليف بالفعل حصول الشرط الشرعي لصحة ذلك الفعل، كالإيمان للطاعات والطهارة للصلاة.
بل يجوز التكليف بالفعل وإن لم يحصل شرطه شرعًا.
خلافًا لأصحاب الرأي، وأبي حامد، أو أبي إسحاق الإسفراييني (في غير الإيمان) والمعتزلة كما نقله المصنف عنهم.
وفي المحصول: أن أكثر المعتزلة على الأول.
[ ٢ / ١٦١ ]
وفي البرهان: أنه ظاهر مذهب الشافعي - (﵀) -
وقيل: مكلف بترك النواهي دون الأوامر.
والمسألة مفروضة في بعض جزئيات محل النزاع، وهو تكليف الكافر بالفروع مع انتفاء شرطها، وهو الإيمان حتى يعذب بترك الفروع كما يعذب بترك الإيمان.
والعلماء يفرضون المسائل الكلية في بعض الصور الجزئية تقريبًا للفهم وتسهيلًا للمناظرة، لأنه إذا ثبت فيه ثبت في الجميع، لعدم القائل بالفصل لاتحاد المأخذ.
تنبيه:
[ ٢ / ١٦٢ ]
في المحصول في أثناء الاستدلال ما يقتضي أن الخلاف في غير المرتد، لكن القاضي عبد الوهاب في الملخص أجرى الخلاف فيه. كما حكاه القرافي.
لنا على وقوعه: أن الآية الآمرة بالعبادة كقوله تعالى:
[ ٢ / ١٦٣ ]
﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾.
وقوله تعالى:﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿.
وأمثالهما: تتناولهم لكونهم من الناس، والكفر غير مانع لإمكان إزالته؛ إذ امتثال الكافر حال كفره ممكن في نفسه بأن يسلم ويصلي.
وتحقيقه: أن الكفر الذي لأجله امتناع الإمتثال ليس بضروري، فكيف امتناع الامتثال التابع له.
وحاصله: أن الضرورة الوصفية لا تنافي الإمكان الذاتي.
(وكلما) يمكن إزالته لا يمنع التكليف، كالحدث المانع من الصلاة، فإنه لما أمكن إزالته لم يمنع التكليف بالصلاة، وإذا كان
[ ٢ / ١٦٤ ]
المقتضى موجودًا والمانع مفقودًا ثبت التكليف عملًا بالمقتضى السالم عن المعارض.
وأيضًا: (لو لم يكونوا مكلفين بالفروع لما أوعدهم الله تعالى على تركها، لكن) الآيات الموعدة على ترك الفروع كثيرة مثل (قوله تعالى):﴾ وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ﴿.
وقوله تعالى:﴾ ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين ﴿.
وقوله تعالى:﴾ ومن يفعل ذلك يلق أثامًا ﴿
[ ٢ / ١٦٥ ]
وهو عام للعقلاء، فصرح بتعذيبهم بترك الزكاة والصلاة.
وقوله:﴾ ومن يفعل ذلك ﴿الإشارة فيه إلى ما سبق من الشرك وقتل النفس والزنا.
وأيضًا أنهم كلفوا بالنواهي لوجوب حد الزنا عليهم، فيكونون مكلفين بالأمر، قياسًا عليها، والجامع بينهما الطلب.
قيل: الفرق بينهما أن الانتهاء عن المنهيات مع الكفر أبدًا ممكن، دون الامتثال بالواجبات مع الكفر؛ لأن النية في الواجبات لابد منها. والنية من الكافر غير صحيحة.
[ ٢ / ١٦٦ ]
وأجيب: بأن مجرد الفعل والترك من غير نية امتثال أمر الشارع لا يكفي في الامتثال فالإتيان بالأمر وترك النهي لغرض امتثال حكم الشرع يتوقف على الإيمان.
فاستويا، أي: الأمر والنهي، فصح القياس، وفيه نظر.
قال المصنف في - الغاية القصوى: لأن النية لا تعتبر في التروك كإزالة النجاسة، فالفرق واضح.
ونقل عنه أنه أجاب عن هذا بما حاصله:
ما تعني بقولك: الترك لا يحتاج إلى نية؟ إن أردت صورة الترك فمسلم، ولا فرق، فإن صورة الفعل أيضًا لا تحتاج إلى (نية.
[ ٢ / ١٦٧ ]
وإن أردت الترك الشرعي، فلا نسلم أنه لا يحتاج إلى) النية.
وأجاب عن هذا بأن المكلف إذا ترك المنهي عنه سقط عنه العقاب، وإن لم ينو بخلاف المأمور به، فإنه ما لو ينو لم يحصل الإجراء.
ولك أن ترجع نظر المصنف إلى اعتراض الإمام على أصل الدليل
وهو أنا لا نسلم تكليف الكفار بالنواهي، وإنما أقيم حد الزنا عليهم لالتزامهم أحكامنا أو يكون وجوب حد الزنا عليهم من قبيل الأسباب كقتل الطفل وإتلافه وفيه نظر.
[ ٢ / ١٦٨ ]
قيل: لو وجبت الفروع عليهم كالصلاة مثلًا، فإما أن تجب حال الكفر، أو بعده، وكلاهما باطل؛ إذ لا تصح مع الكفر. ولا قضاء بعده إجماعًا فانتفى فائدة التكليف.
قلنا: نختار الوجوب حال الكفر بأن يزيل الكفر ويأتي بالفروع كالمحدث، ويكون زمن الكفر زمنًا للتكليف فقط لا للإيقاع، المكلف به.
وسقوط القضاء، إما لأن القضاء بأمر جديد، وليس بينه وبين وقوع التكليف ولا صحته ربط عقلي، فلا يستلزم وجوب القضاء لا وقوع التكليف، ولا صحة وقوعه.
[ ٢ / ١٦٩ ]
وإما تخفيفًا عنه وترغيبًا في الإسلام.
قولك: فانتفى فائدة التكليف ممنوع أيضًا، فإنه وإن لم يصح الفعل مع الكفر، ولا يجب القضاء بعد الإسلام لكن له فوائد.
منها: تضعيف العذاب عليه في الآخرة.
واقتصر عليه المصنف، حيث قال: الفائدة تضعيف العذاب، لكون دليله دل عليه بخصوصه.
أو لأن غيره ليس من خطاب التكليف، بل من قبيل الأسباب، كما تقدم.
ومنها في الدنيا تنفيذ طلاقه وعتقه وظهاره، وإلزامه الكفارات وغير ذلك.
* * *
[ ٢ / ١٧٠ ]