وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه لأنها جزؤه، فالدال عليه يدل عليها بالتضمن.
قالت المعتزلة وأكثر أصحابنا: الموجب قد يغفل عن نقيضه.
[ ٢ / ٦٨ ]
قلنا: لا، فإن الإيجاب بدون المنع من نقيضه محال وغن سلم فمنقوض بوجوب المقدمة.
قد اختلف في أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟
وليس الكلام في هذين المفهومين لتغايرهما لاختلاف الإضافة.
فإن الأمر مضاف إلى الشيء، والنهي إلى ضده، ولا في اللفظ لأن صيغة الأمر: "افعل" وصيغة النهي: "لا تفعل".
[ ٢ / ٦٩ ]
وإنما الخلاف في الأوامر الجزئية المتعينة إذا أمر بها.
فهل ذلك الأمر نهي عن الشيء المعين المضاد له أولا؟
فإذا قال: تحرك، فهل هو في المعنى بمثابة قوله: لا تسكن.
وليس المراد بأن الأمر نفس النهي، بل المعنى أنهما حصلا بجعل
[ ٢ / ٧٠ ]
واحد، كما في قولهم: الأمر بالشيء، أمر بمقدمته أي جعلاهما واحد لم يحصل كل منهما بأمر على حده.
[ ٢ / ٧١ ]
إذا علمت ذلك: فاختيار الإمام والغزالي وابن الحاجب أنه ليس نفس النهي عن ضده ولا يتضمنه، ونقله المصنف عن كثير من
[ ٢ / ٧٢ ]
أصحابنا والمعتزلة: أي جمهورهم.
وقيل: نفس النهي عن ضده واتصافه يكون أمرًا ونهيًا باعتبارين كما يتصف الشيء الواحد بكونه قريبًا بعيدًا بالنسبة إلى شيئين ونقل: عن الأشعري.
وقيل: يتضمنه، ونقل عن القاضي أبي بكر (﵀) والمصنف حكى مذهبين:
أحدهما: أنه يستلزمه واختاره.
والثاني: أنه لا يدل عليه ألبتة.
فعلى ما اختاره: يكون الأمر بالشيء: نهيًا عن جميع
[ ٢ / ٧٣ ]
أضداده.
وقوله: وجوب الشيء: يعم الأمر وفعل الرسول - (ﷺ) - والقياس والإجماع وغيرها من قرائن الأحوال مثل﴾ كتب عليكم الصيام ﴿.
واستدل على مختاره: وهو أن وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه أي: استلزام الكل للجزء.
بأن ماهية الوجوب مركبة من أمرين: طلب الفعل والمنع من
[ ٢ / ٧٤ ]
الترك.
فاللفظ الدال على الوجوب يدل على حرمة النقيض بالتضمن.
بيانه: أن السيد إذا قال لعبده: قم، فهذا الأمر يدل على طلب القيام والمنع من ترك القيام بالمطابقة، وعلى كل واحد منهما بالتضمن، وعلى الأضداد الوجودية للقيام كالقعود والاضطجاع وغيرها بالالتزام.
ونظر في كلام المصنف؛ لأنه إن أراد بالنقيض الترك فلا نزاع فيه لأحد وإن أراد به الأضداد العامة من القعود ونحوه، فاللفظ لا يدل
[ ٢ / ٧٥ ]
عليها بالتضمن؛ لأنها ليست جزءًا من ماهية الواجب، فيلزمه. إما أنه غير المدعي أو نصب للدليل في غير محل النزاع.
وأجيب بأن اللفظ: إذا دل على المنع من الترك بالتضمن، والمنع من الترك دال على الأضداد الوجودية بالالتزام، يكون اللفظ دالًا عليها بالالتزام، فلذا قال في الأول: يستلزم وفي الثاني بالتضمن.
وقالت المعتزلة: ومن وافقهم: الموجب للشيء قد يغفل - بضم الفاء - عن نقيضه، أي لو كان الأمر بالشيء نهيًا عن ضده أو متضمنًا
[ ٢ / ٧٦ ]
له لم يحصل بدون تعقل الضد، والكف عنه واللازم منتف.
أما الملازمة؛ فلأن الكف عن الضد هو مطلوب النهي ويمتنع أن يكون المتكلم طالبًا لأمر لا يشعر به، فيكون الكف عن الضد متعقلًا له، وما ذلك إلا بتعقل مفرديه وهما: الضد، والكف عنه.
وأما انتفاء اللازم: فلأنا نقطع بطلب حصول الفعل مع أن الآمر غافل أي: ذاهل عن الضد والكف عنه.
كما إذا قال السيد لعبده: قم، ويكون غافلًا عن القعود والاضطجاع.
وأجاب:
أولًا: بأن الموجب للشيء لابد وأن يتصور الوجوب؛ لأن المنع من الترك الذي هو النقيض جزء مفهوم الوجوب فلا يتصور إيجاب الشيء مع الغفلة عن) نقيضه؛ لأن من تصور الكل لابد وأن يتصور الجزء ضرورة.
[ ٢ / ٧٧ ]
فإن قلت: هذا الجواب فيه نظر؛ لأنه لا نزاع في المنع من الترك وإنما النزاع في الأضداد الوجودية وظاهر أن السيد يأمر عبده بالقيام ويكون (غافلًا عن ضده كما بين).
أجيب: بأن الأضداد الوجودية إذا كان تركها لازمًا بالإيجاب يلزم من الشعور بالملزوم الشعور باللازم فيتم جوابه.
وأنت خبير بأن الأمر الصادر من الله تعالى لا يكون فيه ذلك.
(إذ الغفلة عليه تعالى محال فمحل الخلاف في غيره.
وأجاب ثانيًا: بأن) الغفلة لا تنافي الإيجاب ولا النهي.
فلا يلزم من كون الآمر غافلًا عن النقيض أن لا يكون منهيًا عنه كما أن مقدمة الواجب واجبة مع جواز الغفلة عنها.
[ ٢ / ٧٨ ]
كما أن السيد إذا قال لعبده وهو على سطح: اسقني ماءً، مع كونه غافلًا عن وضع السلم والصعود إليه فكذلك حرمة النقيض.
وكلام المصنف في هذا المقام لا يخلو عن مناقشة.
[ ٢ / ٧٩ ]