- فمنهم من قال: للإباحة قياسًا على الأمر.
ومنهم من قال: إنه للتحريم، وحكي عن الجمهور.
ونقل الماضي أبو بكر والأستاذ الاتفاق عليه. كما لو ورد ابتداء.
بخلاف الأمر بعد التحريم؛ لأن مقتضى النهي، وهو الترك موافق للأصل، لأن الأصل عدم الفعل بخلاف مقتضى الأمر، وهو الفعل.
الرابعة:
الأمر المطلق: أي: العاري عن التقييد بالمرة أو بالتكرار أو
[ ٣ / ١٩٢ ]
بالصفة أو بالشرط، فإنه لا يفيد التكرار ولا يدفعه، بل إنما يفيد طلب فعل المأمور به من غير إشعار بالمرة والمرات، لكن المرة الواحدة لا بد منها في الامتثال، فهي من ضروريات الإتيان بالمأمور به.
وقيل: هو للمرة، فلا يحمل على التكرار إلا بدليل، وبه قال كثير.
قال الشيخ أبو حامد: وهو مقتضى قول الشافعي - رضي الله
[ ٣ / ١٩٣ ]
عنه.
وقيل: بالتوقف إما للاشتراك بينهما لفظًا، ولا قرينة معه فيجب التوقف، أو الجهل بالحقيقة أي: لا يدري حقيقته أهو التكرار أو المرة.
لنا: أنه صح تقييده بالمرة والمرات من غير تكرار ولا نقض، فلو كان للمرة لكان تقييده بها تكرارًا وبالمرات تناقضًا.
ولو كان للتكرار لكان تقييده به تكرارًا وبالمرة نقضًا.
[ ٣ / ١٩٤ ]
ولا يقال: هذا لا يثبت المدعى، إذ عدم التكرار والنقض قد لا يكون لكونه موضوعًا للماهية من حيث هي، بل لكونها مشتركًا أو لأحدهما، ولا نعرفه كما سبق فيكون التقييد لأحدهما؛ لأنه سيبطلها.
ولنا: أنه - أي: الأمر المطلق - ورد مع التكرار شرعًا كآية الصلاة، وعرفًا نحو: احفظ دابتي.
وورد مع عدمه شرعًا كآية الحج، وعرفًا كقوله: ادخل الدار.
فيكون حقيقة في القدر المشترك بين التكرار والمرة، وهو طلب الإتيان به - أي: بالفعل - مع عدم قطع النظر عن التكرار والمرة دفعًا للاشتراك والمجاز؛ لأنه لو كان حقيقة في كل منهما لزم الاشتراك.
أو في أحدهما لزم المجاز وهما خلاف الأصل.
[ ٣ / ١٩٥ ]
ولنا أيضًا: أنه لو كان للتكرار لعم الأوقات كلها لعدم أولوية وقت دون وقت فيكون تكليفًا بما لا يطاق، وأنه باطل.
ولنا أيضًا: أنه لو كان للتكرار لكان ينسخه كل تكليف بعده لا يجامعه في الوجود؛ لأن الاستغراق الثابت بالأول، يزول بالاستغراق الثابت بالثاني، واللازم باطل قطعًا.
وأنت خبير بأن النزاع إنما هو فيما يمكن، كما نقله الشيخ أبو إسحاق، وإمام الحرمين، وغيرهما.
وإلزامه بالنسخ فيه نظر؛ لأنه إنما يلزم إذا كان التكليف مطلقًا
[ ٣ / ١٩٦ ]
غير مخصص. وهذا غير واقع في الشرع.
أما إذا خصص الثاني بوقت فلا ينسخ الأول بل يخصصه.
قيل: إن أهل الردة لما منعوا الزكاة تمسك أبو بكر الصديق - ﵁ - على التكرار بقوله تعالى:﴾ وآتوا الزكاة ﴿.
[ ٣ / ١٩٧ ]
متفق عليه من غير نكير من أحد من الصحابة، فكان إجماعًا منهم على أنها للتكرار.
قلنا: لعله، عليه (الصلاة والسلام) بين تكراره أي تكرار﴾ وآتوا الزكاة ﴿وقد رواه أبو داود من جهة عبد الله بن معاوية رفعه
[ ٣ / ١٩٨ ]
"ثلاث من فعلهن طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده، وهلم أنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام".
الحديث ولم يصل سنده.
ووصله الطبراني في معجمه.
قيل: النهي يقتضي التكرار، فكذا الأمر والجامع أن كلا منهما
[ ٣ / ١٩٩ ]
طلب
قلنا: الانتهاء أبدًا ممكن دون الامتثال؛ لأن مقتضى النهي عن الشيء الانتهاء، ومقتضى الأمر بالشيء الإتيان به.
وإذا كان كذلك، فالفرق بينهما في الاستغراق بمقتضاهما ظاهر؛ لأن استغراق الأوقات كلها بمقتضى النهي وهو الانتهاء عن الشيء أبدا ممكن، واستغراقها بمقتضى الأمر وهو امتثال المأمور والإتيان به دائمًا غير ممكن، فلا يصح القياس لظهور الفرق.
هذا إذا تنزلنا وسلمنا حكم الأصل، فإن منعناه فواضح، ولذا تنزل المصنف فلا يكون مناقضًا لما يأتي له من أن النهي كالأمر.
لكن فيه نظر: من جهة أن القائل به يشترط الإمكان كما مر.
[ ٣ / ٢٠٠ ]
فالأحسن أن يجاب: بأن مقتضى الأمر الإتيان بالمأمور به، وذلك يصدق بمرة واحدة، بخلاف النهي، فإنه لما كان مقتضاه الكف عن المنهي عنه لم يتحقق ذلك إلا بالامتناع المستمر.
قيل: لو لم يتكرر لم يرد النسخ بعده؛ لأن ورود النسخ بعد الأمر، إنما هو لرفع الحكم الثابت بالأمر.
فإذا لم يكن للتكرار، كان منتهيًا بنفسه، فلا يحتاج إلى ناسخ، لكن النسخ ورد كثيرًا بعد الأمر فيكون للتكرار.
قلنا: الأمر وإن لم يقتض التكرار لكنه لا ينافيه لما مر أنه حقيقة في القدر المشترك، فيجوز حمله في بعض الصور على التكرار لقرينة تدل عليه. وحينئذ إذا ورد النسخ عليه كان وروده قرينة التكرار.
[ ٣ / ٢٠١ ]
قيل: حسن الاستفسار عن الأمر بأنه للمرة أو للمرات دليل الاشتراك اللفظي.
ولذلك قال سراقة للنبي - ﷺ -: "أحجنا هذا لعامنا أم للا بد" مع أنه من أهل اللسان، وأقره عليه.
فلو كان الأمر موضوعًا في لسان العرب للتكرار أو للمرة لاستغنى عن الاستفسار، ولم يحسن.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
قلنا: حسن الاستفسار لا يدل على الاشتراك اللفظي بخصوصه لأنه يجري في الألفاظ المتواطئة، فإنه قد يستفسر عن أفراد المتواطئ، حتى إذا قال: أعتق رقبة، حسن أن يستفسر أمؤمنة أم كافرة؟ سليمة أم معيبة، إلى غير ذلك.
[ ٣ / ٢٠٣ ]