الرابعة: التكليف يتوجه ويتعلق بالمكلف عند المباشرة للفعل والشروع فيه، والموجود قبل ذلك ليس أمرًا، بل هو إعلام له بأنه في الزمان الثاني سيصير مأمورًا، كما نقله في المحصول عن أصحابنا، أي: الأشاعرة.
واستشكل: لأنه يؤدي إلى سلب التكاليف، فإن المكلف يقول: لا أفعل حتى أكلف ولا أكلف حتى أفعل.
[ ٢ / ١٣٩ ]
وأجيب: بأنه قبل المباشرة متلبس بالترك، فتوجه إليه التكليف بترك الترك، وهو فعل؛ فإنه كف النفس عن الفعل، فقد باشر الترك، فتوجه إليه التكليف بترك الترك حالة مباشرته للترك وذلك الفعل، وصار اللوم والذم قبل المباشرة على التلبس بالكف عن الفعل المنهي ذلك الكف عنه.
لأن الأمر بالشيء يفيد النهي عن تركه.
ذكره بنحوه إمام الحرمين في تكليف ما لا يطاق.
وقال: الذهاب إلى أن التكليف عند الفعل مذهب لا يرتضيه لنفسه عاقل.
وقال هو وغيره: الأشعري لم ينص على جواز التكليف بما لا
[ ٢ / ١٤٠ ]
يطاق، وإنما أخذ من قاعدتين:
أحدهما: أن القدرة مع الفعل (والتكليف قبل ذلك).
والثانية: أن الأفعال مخلوقة لله تعالى.
فالمصنف اختار عكس مذهب الأشعري.
وقال المحقق شرحًا لكلام ابن الحاجب (والتابع فيه للآمدي):
التكليف بالفعل ثابت قبل حدوثه وينقطع بعد الفعل اتفاقًا، وهل هو باق حال حدوثه لا ينقطع؟
قال الأشعري به، ومنعه إمام الحرمين، والمعتزلة.
[ ٢ / ١٤١ ]
ولا يتحقق مع الشيخ ما يصلح محلًا للنزاع فنقول:
إن أراد أن تعلقه لنفسه فلا ينقطع فحق، لكنه لا ينقطع بعد حدوثه كما لا ينقطع معه، لأن حقيقة التكليف أنه تكليف بالفعل، وطلب له، سواء اعتبر حال حدوث الفعل، أو قبله، أو بعده.
وقد قال بأنه ينقطع بعد الفعل.
وإن أراد أن تنجيز التكليف باق بعد، فهو باطل؛ لأنه تكليف (بغير الممكن، لأنه تكليف بإيجاد) الموجود، وهو محال.
ولأنه تنتفي فائدة التكليف وهو: الابتلاء لأنه إنما يتصور عند التردد في الفعل والترك وأما عند تحقق الفعل فلا.
[ ٢ / ١٤٢ ]
وحمل بعضهم كلام المصنف على كلام ابن الحاجب فقال:
قوله: التكليف يتوجه عند المباشرة، أي: متوجه عند المباشرة، فكأن الكاتب صحفه فعلى هذا لا إشكال في تقرير الدلائل، وموافقة المسائل.
قلت: ولا حاجة إلى قوله: متوجه - بالميم - بل يمكن تأويله على بابه، بمعنى أنه يتوجه عند المباشرة أيضًا، كما أنه متوجه قبلها، ولا تصحيف.
لكن قال الشيخ سعد الدين: الذي نقل عن الأشعري في الكتب المشهورة أن التكليف إنما يتعلق عند المباشرة لا قبلها.
وقال الأبهري: وكأن الشارح - يعني المحقق - كثيرًا ما يقول عند قراءة هذا الموضع عليه: ليس هذا التحرير - يعني الذي حرره ابن الحاجب - على ما ينبغي فلذلك بنى عليه ما بنى من أنه لا يتحقق مع الشيخ محل النزاع.
[ ٢ / ١٤٣ ]
فعلى هذا لا ينبغي أن يقرر كلام المصنف (على كلام ابن الحاجب).
وقال الكرماني: لا خلاف هنا في أن التكليف العقلي أزلي أو غير أزلي، ولا في التكليف التنجيزي، المعبر عنه بالتعلق.
إذ ذلك متوجه بدخول الوقت اتفاقًا، بل في أن التكليف إنما هو عند المباشرة، أي بنفس وقوع الفعل منه، أو بالإيقاع الذي الوقوع مترتب عليه، ثم بسطه.
وهنا أبحاث حسنة في الشرح ينبغي الإطلاع عليها في هذا المقام، تركتها خوف التطويل.
وقال المعتزلة: بل يتوجه التكليف قبلها، أي: قبل المباشرة.
[ ٢ / ١٤٤ ]
لنا: أن القدرة حينئذ أي: موجودة عند الفعل، فقبله ليس بقادر، والقدرة شرط التكليف عندكم.
قيل: التكليف الذي أثبتناه قبل المباشرة ليس تكليفًا بنفس
[ ٢ / ١٤٥ ]
الفعل، بل تكليف في الحال بالإيقاع للفعل في ثاني الحال، أي: في الزمن الثاني.
قلنا: الإيقاع المكلف به إن كان نفس الفعل المأمور به، فمحال التكليف به في الحال قبل الفعل؛ لأنه يلزم من امتناع التكليف بالفعل قبل التلبس به امتناع التكليف بالإيقاع؛ لأن الفرض أنه هو، وإن كان الإيقاع غيره، أي: غير الفعل، فيعود الكلام إليه ويتسلسل، يعني يعود الكلام إلى هذا الإيقاع، هل وقع التكليف به في حال وقوعه أو قبله؟
فإن كان الأول فيلزم أن يكون التكليف حال المباشرة وهو المدعى.
وإن كان قبله لزم أن يكون مكلفًا بما لا قدرة له عليه؛ لأن القدرة مع الفعل.
فإن قالوا: التكليف إنما هو بإيقاع هذا الإيقاع فينقل الكلام إليه ويؤدي إلى التسلسل، أو ينتهي إلى إيقاع يكون التكليف به حال المباشرة
[ ٢ / ١٤٦ ]
وهو المدعى.
ولا يقال: إيقاع الإيقاع نفس الإيقاع، لأن الإضافة تدل على المغايرة.
قالوا - أي المعتزلة: الفعل عند المباشرة، واجب الصدور، أي الوقوع، لوجود علته التامة، وهي القوة المستجمعة لشرائط التأثير، وكلما كان واجب الوقوع. لا يكون مقدورًا لامتناع تركه، إذ القادر هو: الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك.
وإذا لم يكن مقدورًا لم يكن مكلفًا به، وإذا بطل التكليف عند المباشرة لزم التكليف قبلها.
[ ٢ / ١٤٧ ]
قلنا: الفعل حال القدرة، والداعية كذلك، أي: واجب الوقوع مع أنه مقدور عندكم.
والقدرة: القوة المستجمعة لشرائط التأثير.
وقالت المعتزلة: القوة التي من شأنها التأثير.
والداعية: هي الميل الحاصل عقيب النفع.
والمجموع من القدرة والداعية هي العلة التامة.
[ ٢ / ١٤٨ ]