عليه بطريق الإفراد فيقع المشرك عبثًا ضائعًا؛ ولأنه قد يؤدي إلى الإضرار أيضًا؛ لأنه قد يفهم غير مراده المؤدي إلى ضرورة فيفعله، أو يعتمد المتكلم فهمه، أي: فهم السامع (مع أن السامع لم يفهم مراده فيضيع غرضه أو غرض اللافظ.
وإنما كان الاشتراك متضمنًا لهذه المفاسد مع قلته فيكون مرجوحًا.
الثالثة:
مفهوما المشترك، إما أن يتباينا فلا يصدق أحدهما على الآخر فيكونا متضادين، أو نقيضين، كالقرء: للطهر والحيض، وضابطه -كما قال الآمدي: أن يمتنع الجمع بينهما كاستعمال صيغة
[ ٢ / ٣٠٥ ]
"افعل" في الأمر بالشيء، والتهديد عليه، فإن الأمر يقتضي التحصيل، والنهي يقتضي الترك.
قيل: وفي مثال المصنف نظر؛ إذ لا يمتنع تكليف المرأة بالاعتداد بقرء، مراد به الحيض والطهر.
أو يتواصلا فيصح اجتماعهما فيكون أحدهما جزءًا لآخر كالممكن للعام والخاص، والعام جزء الخاص.
فالإمكان العام: هو سلب الضرورة عن الطرف المخالف للحكم.
والخاص: هو سلب الضرورة) عن طرفي الحكم.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
أو يكون أحدهما لازمًا له، أي: للآخر، كالشمس الموضوع للكوكب وضوئه اللازم له.
الرابعة:
جوز الشافعي والقاضيان: أبو بكر الباقلاني، وعبد الجبار،
[ ٢ / ٣٠٧ ]
وأبو علي الجبائي: إعمال المشترك في مفهوماته الغير المتضادة (وهو المختار).
ومنعه أبو هاشم، والكرخي، وأبو الحسين البصري، والغزالي
[ ٢ / ٣٠٨ ]
والإمام الرازي.
واعلم أن للمشترك أحوالًا.
الأول: إطلاقه على كل من (المعنيين على سبيل البدل بأن يطلق تارة، ويراد هذا، ويطلق تارة أخرى ويراد ذاك، ولا نزاع في صحته، وفي كونه حقيقة إذا قلنا بوقوعه في اللغة.
الثاني: إطلاقه على أحد المعنيين، لا على التعيين بأن يراد به في إطلاق واحد هذا أو ذاك مثل: تربصي قرء، أي: طهرًا أو حيضًا، وليكن ثوبك جونًا أي: أبيض أو أسود، وليس في كلام القوم ما يشعر بإثبات) ذلك أو نفيه إلا ما يشير إليه -كلام المفتاح -من أن ذلك حقيقة المشترك عند التجرد عن القرائن.
الثالث: إطلاقه على مجموع المعنيين، بأن يراد به في إطلاق واحد:
المجموع المركب من المعنيين، بحيث لا يصدق أن كلًا منهما مناط
[ ٢ / ٣٠٩ ]
الحكم، ولا نزاع في امتناع ذلك حقيقة، وفي جوازه مجازًا إن وجدت علاقة مصححة.
الرابع: إطلاقه على كل واحد منهما، بأنه يراد به في إطلاق واحد هذا وذاك على أن يكون كلًا منهما مناط الحكم ومتعلق الإثبات والنفي، وهذا هو المتنازع فيه، وعلى هذا قياس الجمع بين الحقيقة والمجاز، أعني إرادة المعنى الحقيقي والمجازي، بل ربما يستغنى عنه بذكر المشترك كما فعل المصنف نظرًا إلى أن اللفظ موضوع للمعنى الحقيقي بالشخص والمجازي بالنوع.
وقوله: "الغير المتضادة" إشارة إلى أن المتضادة لا يمكن إعماله فيهما.
تنبيه:
استعمل المصنف "الغير" بالألف واللام وليس بخطأ، فهو رأي بعض النحاة كما أفاده النووي في التهذيب، واختاره.
[ ٢ / ٣١٠ ]
لنا: الوقوع في قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ والصلاة لفظ مشترك بين المغفرة والاستغفار، وهما معنيان مختلفان، والمراد في الآية كلا معنييه دفعة واحدة؛ لأن الصلاة من الله -تعالى -مغفرة، ومن الملائكة استغفار، والوقوع دليل الجواز.
وفسر الصلاة بالمغفرة، وإن فسرها غيره بالرحمة؛ لأن
[ ٢ / ٣١١ ]
الرحمة من الله تعالى مجاز، لأنها حقيقة: رقة القلب، وهو على الله تعالى محال.
والكلام في الحقيقة دون المجاز.
قيل اعتراضًا على هذا الدليل: الضمير متعدد؛ لأن "يصلون" فيه واو الجمع، وهو متعدد، فضمير عائد إلى الله -تعالى -وضمير عائد إلى الملائكة، وإذا تعدد الضميران فيتعدد الفعل، فكأنه قيل: إن الله يصلي، والملائكة يصلون.
قلنا: يتعدد معنى لا لفظًا، وهو المدعى، يعني: أنك إن
[ ٢ / ٣١٢ ]
أردت تعدد الفعل لفظًا فممنوع، وإن أردت تقديرًا فمسلم، لكن الملفوظ يكون واحدًا مرادًا به المعاني المختلفة، وهو المدعى.
ولك أن تقول: يجوز أن تكون الصلاة مستعملة في القدر المشترك بين المغفرة والاستغفار، أي الاعتبار بإظهار شرفه.
وهو وإن كان مجازًا، والمجاز خلاف الأصل، لكنه مرجح على الاشتراك.
أو الخبر محذوفًا تقديره: إن الله يصلي، وملائكته يصلون، وإن كان فيه إضمار، وهو خلاف الأصل، لكنه مرجح على الاشتراك لمساواته للمجاز.
[ ٢ / ٣١٣ ]
ولنا أيضًا الوقوع في قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسجد له﴾ الآية.
إذ المراد بالسجود: الخضوع والانقياد؛ لأنه المتصور من الذوات.
ووضع الجبهة على الأرض، وإلا لكان تخصيص كثير من الناس غير مفيد لاستواء الكل من الناس والدواب في السجود بمعنى الانقياد، فثبت إرادة المعنيين المختلفين.
قيل اعتراضا على هذا الدليل: حرف العطف بمثابة العامل.
فكأنه قيل: يسجد له من في السموات، ويسجد له من في الأرض، إلى آخر الآية. فتكون الأفعال متعددة مستعملة في معان
[ ٢ / ٣١٤ ]
مختلفة، فليس من الاشتراك في شيء.
قلنا: لا نسلم أن حرف العطف بمثابة (العامل، فإن) العامل هنا رافع، والحرف لا يرفع.
وإن سلم أن حرف العطف بمثابة العامل فبمثابته في العمل أي يقوم مقامه في الإعراب لا في المعنى.
وليس في أكثر النسخ "في العمل" فعلى هذا، تقديره: إنا وإن سلمنا أن العاطف بمثابة العامل، لكنه على هذا التقدير يلزم أن يكون بمثابة العامل الأول بعينه، لكون حرف العطف قرينة له، وإذا كان بمثابة الأول بعينه يكون اللفظ واحدًا والمعنى كثيرًا، وهو المدعى.
[ ٢ / ٣١٥ ]
قيل في الآيتين: يحتمل وضعه للمجموع أيضًا، فالإعمال في البعض، أي يحتمل أن يكون لفظ الصلاة والسجود موضوعًا للمجموع من حيث هو مجموع، كما هو مجموع لكل واحد واحد، فيكون السجود مثلًا موضوعًا لثلاثة معان: لوضع الجبهة على انفراده، والانقياد على انفراده، ولهما معًا.
فعلى هذا يكون استعمال اللفظ في المجموع استعمالًا في بعض معانيه لا في كلها وهو خلاف المدعى.
قلنا: فيكون المجموع: مستندًا إلى كل واحد، وهو باطل، أي لو كان المجموع مرادًا لزم أن يكون المجموع من المغفرة والاستغفار، مستندًا إلى الله تعالى، وإلى الملائكة، وهو باطل.
ويكون المجموع من وضع الجبهة، والخضوع مستندًا إلى كل واحد من الشجر والدواب وغيرهما، مما ذكر في الآية، وهو باطل لأنه
[ ٢ / ٣١٦ ]
محال.
احتج المانع من تجويز استعمال المشترك في جميع معانيه: بأنه إن لم يضع الواضع للمجموع، لم يجز استعماله فيه؛ لأنه استعمال له في غير مدلوله، وإن وضع له أيضًا، كان استعمالًا في بعض معانيه، وهو غير المدعى، وترك هذا الأخير؛ لأنه يعلم مما تقدم.
[ ٢ / ٣١٧ ]
قلنا: لم لا يكفي الوضع: لكل واحد للاستعمال في الجميع، يعني يكون اللفظ موضوعًا لهذا ليدل عليه بالمطابقة، وللآخر كذلك فيكون اللفظ موضوعًا لكل واحد من المفهومين لا بشرط شيء من الانفراد والاجتماع.
وحينئذ إذا استعمل في الجميع يكون مستعملًا فيما وضع له فيكون حقيقة.
أو يقرر هكذا: لم لا يكون الوضع لكل واحد كافيًا للاستعمال في المجموع مجازًا من باب إطلاق اسم الجزء على الكل.
ومن المانعين: من جوز الاستعمال في الجميع، وكذا
[ ٢ / ٣١٨ ]
المثنى؛ لأنه في معناه، مثبتًأ كان أو منفيًا، نحو اعتدي بالأقراء أو لا تعتدي بالأقراء؛ لأن الجمع متعدد فجاز تعدد مدلولاته، بخلاف المفرد.
ومن المانعين: من جوز استعمال المشترك في جميع معانيه في السلب، وإن لم يكن جمعًا نحو: لا تعتدي بقرء، ومنعه في الإثبات؛ لأن السلب يفيد العموم، فيتعدد، بخلاف الإثبات.
ففي كلام المصنف حذف، وتقديره كما قررته؛ لأنهما فرقتان لا فرقة واحدة، والفرق ضعيف.
وأما في الجمع: فلأنه يفيد تعدد معنى المفرد، فإن قول القائل: اعتدى بأقراء، معناه: بقرء وقرء وقرء، فكما لا يصح في
[ ٢ / ٣١٩ ]
المفرد لا يصح في الجمع فإن آحاد الجمع يجب أن يكون من جنس واحد.
وأما في السلب فلأن النفي لا يفيد إلا رفع مقتضى الإثبات فإذا لم يفد في جانب الإثبات لا يفيد في جانب السلب أيضًا.
ونقل عن الشافعي -رضي الله تعالى عنه- والقاضي أبي بكر الوجوب.
أي: وجوب حمل لفظ المشترك على جميع معانيه حيث لا قرينة معه تدل على تعيين المراد فيه، احتياطًا، لتحصيل مراد المتكلم، إذ لو لم
[ ٢ / ٣٢٠ ]
يحمل عليه، فإما أن لا يحمل على شيء من معانيه، وفي ذلك إهمال للفظ بالكلية.
أو يحمل على بعض معانيه دون بعض، وهو ترجيح بلا مرجح لاستواء اللفظ بالنسبة إليهما، وعدم القرينة المعينة للبعض فتعين الحمل على الكل.
فيكون المشترك عامًا، عند الشافعي (﵁) فعلى هذا العام عنده قسمان: (قسم متفق الحقيقة، وقسم مختلف الحقيقة).
وظاهر كلام المصنف أنه للاحتياط لا للعموم، وكونه للعموم هو ظاهر كلام إمام الحرمين،
[ ٢ / ٣٢١ ]
والغزالي.
واختار بعض المتأخرين أن الاحتياط ومسمى العموم واحد.
تنبيه:
الوضع: جعل اللفظ (دليلًا على المعنى كتسمية الولد محمدًا وهذا أمر متعلق بالواضع.
والاستعمال: إطلاق اللفظ) وإرادة المعنى، وهو من صفات المتكلم.
والحمل: اعتقاد السامع مراد المتكلم، أو ما اشتمل على مراده.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
إذا علمت ذلك، فالمسألة السابقة بين فيها إطلاق المتكلم لفظ المشترك وإرادة جميع معانيه.
وفي هذه بين أن السامع إذا سمع لفظًا مشتركًا، ولم يكن قرينة حمله على جميع معانيه عند الإطلاق فيما يمكن الجمع والتحصيل.
(ولذا قال): في الاستعمال جوز، وفي الحمل يجب.
لكن قال الشيخ سعد الدين: إن ما نقل عن الشافعي -﵁- وهو أنه يصح للمتكلم، استعماله فيهما، ويجب على السامع حمله عليهما، أخص من مذهب القاضي والمعتزلة، والمراد: الصحة اللغوية، فيتميز عن مذهب أبي الحسين، والغزالي، إذ الصحة عندهما، عقلية، بمعنى أنه لا دليل على امتناعه سوى منع أهل اللغة، فيكون مخالفًا لنقل المصنف.
[ ٢ / ٣٢٣ ]