ودلالة قوله تعالى:﴾ أحل لكم ليلة الصيام ﴿الآية من أقسام المفهوم، ليس كما ينبغي لما تقدم لك تحقيقه في المنطوق والمفهوم؛ لأن الدلالة فيهما على حكم وحال لما نطق به وإيضاحه التام في الشرح.
الرابعة
فيها من مفاهيم المخالفة: اللقب والصفة، وقدم اللقب لكونه غير
[ ٣ / ١٠١ ]
حجة.
ولأن الكلام فيه أقل، فقال: تعليق الحكم بالاسم: الجامد علمًا كان، أو اسم جنس.
ويقال له: مفهوم اللقب، لا يدل على نفيه، أي: نفي ذلك الحكم عن غيره، أي: عن غير ذلك الاسم، مثلًا إذا قيل: "زيد قائم" لا يدل على نفي القيام عن غيره، وإلا أي: لو دل تعليق الحكم بالاسم على نفي ذلك الحكم عن غير ذلك الاسم لما جاز القياس؛ لأن النص الدال على ثبوت الحكم في الأصل، إن كان متناولًا للفرع فلا
[ ٣ / ١٠٢ ]
قياس، لثبوت الحكم أيضًا فيه بالنص، وإن لم يكن متناولًا له فكذا؛ لأن التنصيص على حكم الأصل حينئذ يكون دالًا على نفي الحكم عن غيره، والفرع غيره، فيكون دالًا على نفي الحكم عن الفرع.
فلا يمكن إثبات الحكم في الفرع بالقياس؛ لأنه قياس في مقابلة النص فلا يعتبر.
خلافًا لأبي بكر الدقاق، وبعض الحنابلة في قولهم: إن
[ ٣ / ١٠٣ ]
التخصيص بالاسم يدل على نفي الحكم عما عدا ذلك الاسم.
الثاني: مفهوم الصفة: وهو تعليق الحكم بصفة من صفات الذات، وإليه أشار بقوله: وبإحدى صفتي الذات.
أي: وتعليق الحكم بإحدى صفتي الذات مثل: "في سائمة
[ ٣ / ١٠٤ ]
الغنم الزكاة".
رواه البخاري بلفظ أنه - ﷺ - قال: "في سائمة غنم زكاة" فإن الغنم اسم ذات، ولها صفتان: السوم، والعلف.
وقد علق الوجوب على إحدى صفتيها، وهو السوم، فإنه يدل على عدم الوجوب في المعلوفة من جنس الغنم.
[ ٣ / ١٠٥ ]
وقيل: في المعلوفة مطلقًا.
والمراد بتخصيص الوصف: ما يفيد نقص الشيوع.
وقصر العام على البعض، لا مجرد ذكر صفة لموصوف، فلا يرد ما يكون لمدح أو ذم أو تأكيد أو نحوه.
وقال الأبهري: ليس المراد بالصفة هنا النعت، بل المتعرض لقيد في الذات سواء كان نصًا أو غيره من المشتق وظرف الزمان والمكان.
ومحل حجية مفهوم المخالفة: ما لم يظهر للتخصيص فائدة أخرى غير نفي الحكم، حتى لو كان له فائدة أخرى غيره لم يدل عليه، ككونه جوابًا لمن سأل، أو كان هو الغالب، أو لرده عادة
[ ٣ / ١٠٦ ]
مذمومة، أو كان المسكوت عنه أولى بالحكم أو مساويًا له.
فإذا ظهر للوصف إحدى هذه الفوائد ونحوها، بطل وجه دلالته على المخالفة.
وما اختاره المصنف، من كون مفهوم الصفة حجة بالشرط المتقدم نقل عن الشافعي، والإمام أحمد، والأشعري وكثير من العلماء.
خلافًا لأبي حنيفة، وابن سريج، والقاضي أبي بكر، وإمام الحرمين، والغزالي في قولهم: ليس بحجة مطلقًا.
[ ٣ / ١٠٧ ]
وفي النقل عن إمام الحرمين نظر، فقد صرح في البرهان بأنه حجة بشرط مبين في الشرح.
ولعل له قولان:
لنا على حجيته أنه المتبادر من نحو قوله ﷺ: "مطل الغني ظلم" متفق عليه.
[ ٣ / ١٠٨ ]
فإنه يتبادر منه إلى الفهم أن مطل غير الغني ليس بظلم.
والمطل: (المد مع التأخير).
وإذا ثبت ذلك في العرف ثبت في اللغة؛ لأن الأصل عدم النقل، لاسيما وقد فهم ذلك أبو عبيد وهو عالم بلغة العرب فالظاهر فهمه ذلك لغة.
[ ٣ / ١٠٩ ]
وكذلك يتبادر إلى الفهم من قولهم: الميت اليهودي لا يبصر، أن الميت غير اليهودي يبصر. ولهذا يستهزأ بقائله ويضحك منه، ولولا أنه يدل لما تبادر إلى الفهم عرفًا.
ولأن ظاهر التخصيص يستدعي فائدة، وإلا لكان التخصيص عبثًا، وهو لا يليق بكلام البلغاء، فضلًا عن كلام الشارع.
وتخصيص الحكم المذكور فائدة، والفائدة التي استدعاها التخصيص، إما تخصيص الحكم بالمذكور، أو غيرها، وغيرها منتف بالأصل، فتعين أن الفائدة منحصرة فيه.
فإن الكلام فيما إذا لم يظهر للتخصيص فائدة.
وهنا في الشرح ما يتعين الوقوف عليه.
[ ٣ / ١١٠ ]
ولنا أيضًا: أن الترتيب يشعر بالعلية كما ستعرفه في باب القياس من أن ترتب الحكم على وصف يشعر بعلية ذلك الوصف لذلك الحكم.
وحينئذ: فإما أن يكون لذلك الحكم علة أخرى غير ذلك الوصف، أو لا يكون.
والأصل ينفي علة أخرى، فبطل الأول، وتعين الثاني.
وحينئذ تنحصر العلية في ذلك الوصف، وإذا كان كذلك فينتفي
[ ٣ / ١١١ ]
الحكم بانتفائها، أي انتفاء ذلك الوصف لانتفاء المعلول عند انتفاء علته، وإذا انتفى الحكم بانتفاء الوصف، ثبت أن تعليق الحكم بإحدى صفتي الذات يدل على نفي الحكم عما ليس له تلك الصفة.
قيل: لو دل تعليق الحكم على صفة على نفي الحكم عما عدا المذكور، لدل عليه إما مطابقة، أو التزامًا، أو تضمنًا، لانحصار الدلالة فيها لكنه لا يدل.
أما المطابقة والتضمن؛ فلأن نفي الحكم عما عدا المذكور ليس هو عين إثبات الحكم في المذكور حتى يكون مطابقة ولا جزأه حتى يكون تضمنًا.
وأما الالتزام فالانتفاء شرطه وهو اللزوم الذهني؛ لأنه قد يتصور السامع المنطوق ويغفل عن المفهوم.
[ ٣ / ١١٢ ]
واقتصر على المطابقة واللزوم؛ لأن التضمن داخل في الالتزام لغة لكون الجزء لازمًا للكل.
قلنا: اللفظ دل على نفي الحكم عما عدا المذكور التزامًا، لما ثبت أن الترتيب يدل على العلية.
أي: علية ذلك الوصف لذلك الحكم.
وثبت حصر العلية في ذلك الوصف لانتفاء غيره بالأصل، فثبت أن الوصف علة مساوية لذلك الحكم، وإذا ثبت ذلك لزم نفي الحكم عما عدا المذكور، وذلك؛ لأن انتفاء العلة يستلزم انتفاء معلولها المساوي لها.
والمراد المساوي: أن لا يكون له علة أخرى غير هذه العلة، ليخرج ماله علتان فلا يلزم من انتفاء أحدهما انتفاؤه، كما عرفت.
[ ٣ / ١١٣ ]
قيل: لو دل تعليق الحكم بالصفة على نفي الحكم عما عدا المذكور لكان قوله تعالى:﴾ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴿، دالًا على جواز قتل الأولاد عند عدم الخشية عن الفقر لكنه ليس كذلك.
لأن تحريم قتل الأولاد ثابت إجماعًا فبطل دلالته.
قلنا: غير المدعي إذ قد شرطنا في حجية المخالفة عدم فائدة أخرى غير نفي الحكم، وفي هذه الآية فائدة أخرى، وهي رد عادتهم المذمومة.
وأيضًا: يدل على أن المسكوت عنه بطريق الأولى فيكون مفهوم موافقة، فيبطل مفهوم المخالفة.
[ ٣ / ١١٤ ]