الرابعة
[ ٢ / ٤٨ ]
اتفقوا على أن الوجوب إذا كان مقيدًا بمقدمة ولم تكن تلك المقدمة واجبة: كأن تقول: إن ملكت النصاب فزك، فهذا لا يكون إيجابًا لتحصيل النصاب، إنما الكلام في الواجب المطلق.
كما أشار إليه بقوله: وجوب الشيء مطلقًا يوجب وجوب
[ ٢ / ٤٩ ]
(مالا) يتم إلا به وكان مقدورًا.
وقد فسر الواجب المطلق: بما يجب في كل وقت وعلى كل حال فنوقض بالصلاة. فزيد في كل وقت الشارع فنوقض بصلاة الحائض فزيد: "إلا لمانع"، وهذا لا يشمل غير المؤقتات، ولا مثل الحج والزكاة، في إيجاب ما يتوقف عليه من الشروط والمقدمات.
فأشار المحقق إلى أن المراد بالتقييد والإطلاق بالنسبة إلى تلك المقدمة، حتى أن الزكاة بالنسبة إلى تحصيل النصاب مقيد فلا يجب
[ ٢ / ٥٠ ]
وإلى تعينه وإفراده مطلق فيجب.
وحاصله: أن كل ما يتوقف عليه الوجوب لا يجب تحصيله، وإنما النزاع فيما يتوقف عليه إيقاع الواجب بعد تحقق الوجوب.
إذا علمت ذلك: فوجوب الشيء المطلق يوجب مقدمته، وهو الذي لا يتم الواجب إلا به سببًا شرعيًا.
[ ٢ / ٥١ ]
كالصيغة بالنسبة للعتق أو عقليًا كالنظر المحصل للعلم (أو عاديًا كحز الرقبة بالنسبة إلى القتل الواجب) أو شرطًا شرعيًا كالوضوء للصلاة، أو عقليًا كترك الأضداد للمأمور به، أو
[ ٢ / ٥٢ ]
عاديًا كغسل جزء من الرأس لغسل الوجه إذا كانت المقدمة مقدورة للمكلف إذ لو لم تكن مقدورة له فلا يوجب وجوبه وجوب المقدمة كالداعية.
وقيل: وجوب الشيء مطلقًا يوجب السبب دون الشرط.
[ ٢ / ٥٣ ]
وقيل: لا يوجبه فيهما أي لا في السبب والشرط.
واختار ابن الحاجب تبعًا لإمام الحرمين: فيما عدا السبب أنه إن كان شرطًا شرعيًا وجب أو غير شرعي فلا.
ومقتضى كلامه أن السبب لا خلاف فيه.
لنا على أنه يوجب الشرط والسبب.
[ ٢ / ٥٤ ]
أن التكليف بالمشروط دون الشرط محال؛ لأنه إذا كان مكلفًا بالمشروط لا يجوز له تركه، وإذا لم يكن مكلفًا بالشرط جاز له تركه، ويلزم من جواز تركه جواز ترك المشروط فيلزم الحكم بعدم جواز ترك المشروط، وبجواز تركه، وهو جمع بين النقيضين.
وإذا وجب الشرط وهو أضعف وجب السبب من باب أولى.
قال العراقي: وصواب العبارة أن يقول: تكليف بمحال بزيادة الباء؛ لأن ابن التلمساني وغيره فرقوا بينهما فقالوا: تكليف
[ ٢ / ٥٥ ]
المحال هو ما كان الخلل فيه راجعًا
إلى المأمور كتكليف الميت والجماد ومن لا عقل له من الأحياء.
[ ٢ / ٥٦ ]
والتكليف بالمحال هو ما كان الخلل فيه راجعًا إلى المأمور به، كتكليف العاقل الذي يفهم الخطاب بما لا يطيقه وهو المراد هنا.
وتكليف ما لا يطاق فيه خلاف.
والصحيح عندنا جوازه فلا ينبغي القول بأنه محال.
وأجيب عنه: بأنه لما كان تكليف ما لا يطاق مثل المحال؛ لأنه غير واقع ساوى الأول فأطلق عليه أنه محال باعتبار الوقوع لا الجواز (فليتأمل السؤال والجواب).
[ ٢ / ٥٧ ]
قيل: اعتراضًا على هذا الدليل: يختص الإيجاب بوقت وجود الشرط وحينئذ لا يلزم وجود المشروط دون الشرط.
قلنا: هذا خلاف الظاهر، إذ الكلام في الواجب المطلق الذي لا اختصاص له بوقت دون وقت.
فتقييده بوقت وجود الشرط خلاف الظاهر، وهو غير جائز.
قيل: اعتراضًا على هذا الجواب: إيجاب المقدمة كذلك،
[ ٢ / ٥٨ ]
يعني قد جوزتم مخالفة الظاهر في إيجاب المقدمة (إذ أوجبتموها) بمجرد الأمر، مع أن الظاهر لا يقتضي وجوبها.
قلنا: لا فإن اللفظ لم يدفعه، يعني: أن خلاف الظاهر عبارة عن ما ينفيه اللفظ أو نفي ما يثبته، أما ما لا يتعرض له اللفظ لا بنفي ولا إثبات.
فإيجابها بدليل منفصل ليس خلاف الظاهر بخلاف تخصيص الوجوب بوقت وجود الشرط فإنه خلاف ما يقتضيه اللفظ من وجوب الفعل في كل وقت، وفيه نظر.
واعلم أن النزاع إنما هو في أن الأمر بالشيء هل يكون أمرًا بشرطه وإيجابًا له، وإلا فوجوب الشرط الشرعي الواجب معلوم قطعًا؛ إذ لا معنى لشرطيته سوى، حكم الشارع أنه يجب الإتيان به عند الإتيان
[ ٢ / ٥٩ ]