وبه قال ابن مالك، ولا يلزم من عدم، وجود ابن جني عدم الوجدان.
السادسة
إنما: للحصر، وهو: قصر شيء على شيء بحيث لا يتجاوزه.
فمفهوم: إنما (هو نفي) غير المذكور في الكلام آخرًا، مثل
[ ٣ / ٧٢ ]
إنما زيد قائم، وإنما العالم زيد، وإنما ضرب زيد عمرو يوم الجمعة أمام الأمير قائمًا.
لأن "إن" للإثبات، و"ما" للنفي، والأصل بقاؤهما على ما كانا، وليسا متوجهين إلى المذكور، ولا إلى غير المذكور للتناقض، وليس لإثبات ما عدا المذكور إجماعًا، فتعين عكسه، وهو أن "إن" لإثبات المذكور، و"ما" لنفي غير المذكور.
وهو معنى قوله: فيجب الجمع على ما أمكن.
واعترض: بأنها لو كانت نافية، لاقتضت التصدير، ولجاز نصب إنما زيد قائمًا، وغير ذلك.
وأجيب: أن المراد أن كلمة "إنما" هكذا للحصر كسائر الكلمات المركبة الموضوعة لمعنى، لا أن لفظة "إن" ولفظة "ما" ركبتا وبقيتا على
[ ٣ / ٧٣ ]
أصلهما.
وما ذكر هو بيان وجه المناسبة، لئلا يلزم النقل، الذي هو خلاف الأصل.
وأيضًا: قد جاء "إنما" في كلام الفصحاء للحصر.
قال الأعشى مخاطبًا لعلقمة، مفضلًا عامرًا عليه:
ولست بالأكثر منهم حصًى، "أي عددًا" *** وإنما العزة للكاثر
أي: وما الغلبة إلا لمن هو أكثر عددًا، فالمراد حصر العزة في الكاثر.
[ ٣ / ٧٤ ]
وقال الفرزدق:
"أنا الزائد" من الذود وهو الطرد "الحامي" (أي: الحافظ).
"الذمار" وهو العهد، وقيل الذمار: هو ما يجب على الرجل حفظه من أهله ومتعلقاته من أن يخلفهم عار وهو الأصح، وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي.
فمعناه: (عن أحسابهم أي) أن المدافع عن أحسابهم أنا لا غيري.
[ ٣ / ٧٥ ]
وصرح باسم الشاعرين؛ لتعلم أنه من الأبيات التي يستشهد بها لإثبات القواعد، إذ ليس الغرض مجرد التمثيل.
واختار الآمدي أنها لا تفيد بل تفيد تأكيد الإثبات.
ونقل تصحيحه عن النحاة، ونقله أبو حيان عن البصريين، وعروض هذان الوجهان الدالان على "إنما" للحصر بقوله تعالى:﴾ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴿.
فلو كانت إنما للحصر لأفادته في هذه الآية، لكنها لا تفيد الحصر فيها للإجماع على أن من لا يوجل قلبه عن ذكر الله مؤمن أيضًا.
قلنا: المراد بالمؤمنين المذكورين في الآية: المؤمنون الكاملون، ويلزم منه أن من لا يخالف قلبه عند ذكر الله تعالى ليس بمؤمن كامل.
[ ٣ / ٧٦ ]