الثالثة
شرط المجاز العلاقة، يعني أنه لا بد في المجاز من العلاقة بينه وبين الحقيقة وإلا فهو وضع جديد، أو غير مفيد، لأنه إن عين بإزاء المعنى المجازي فوضع جديد، وإلا فلا دلالة.
والعلاقة: تعلق ما للمعنى المجازي بالمعنى الحقيقي وأعم من أن يكون اتصالًا وانضمامًا بين الذاتين كما في المجاورة، أو غيره كما في البواقي.
وبعد الاتفاق على وجوب العلاقة في المجاز هل يشترط في آحاد المجازات أن ينقل بأعينها عن أهل اللغة أم لا؟ بل يكتفي بوجود
[ ٣ / ٥ ]
العلاقة؟
اختلف فيه: وصحح الإمام وأتباعه الاشتراط، وجزم به المصنف. ونقل عن ابن الحاجب اختيار خلافه.
قال العراقي: وتقدم من المصنف في الحقيقة والمجاز ما يوافقه، فتأمله.
قال القرافي: والخلاف إنما هو في الأنواع، لا في جزيئات النوع الواحد. فالقائل بالاشتراط يقول لا بد أن تضع العرب نوع التجوز بالكل إلى الجزء وبالسبب إلى المسبب. وإلى هذا أشار المصنف بقوله: المعتبر نوعها.
(وقال الكرماني: إذا علمنا أنهم أطلقوا اسم اللازم على الملزوم، يكفينا هذا في إطلاق كل لازم على ملزومه، أو لا بد في كل صورة من جزئيات إطلاق اللوازم على الملزومات من السماع عنهم في
[ ٣ / ٦ ]
ذلك اللازم والملزوم بعينه.
وهذا يقتضي أن الخلاف في جزيئات النوع.
وهو مقتضى كلام المحقق والشيخ سعد الدين، والله أعلم) والعلاقة المعتبر نوعها: خمسة وعشرون.
وقال بعضهم: أحد وثلاثون.
[ ٣ / ٧ ]
والإمام في المحصول أورد منها اثني عشر وجهًا.
والمصنف أورد مما في المحصول أحد عشر نوعًا، وترك هنا واحدًا، وهو إطلاق المشتق بعد زوال المشتق منه. لأنه ذكره قبل، حيث قال: وشرط كون المشتق حقيقة إلى آخره.
والباقي مما قيل متداخل.
بل قال بعض المحققين: إن أنواع العلاقة المنحصرة في المجاورة نحو: السببية، وهو: إطلاق اسم السبب على المسبب، أي: العلة على المعلول.
والسببية على أربعة أقسام:
القابلية: ويعبر عنه بالمادي، مثل: سال الوادي.
فأطلق الوادي وأراد به الماء، لأن الوادي سبب قابل للماء،
[ ٣ / ٨ ]
لكونه محلًا له.
ويصح أن يكون هذا من باب تسمية الحال باسم المحل.
أو المجاز بالنقصان، ولا يمتنع أن يجتمع في الشيء علاقتان فأكثر.
والصورية: كتسمية اليد قدرة، فإنك سميت الشيء باسم صورته، لأن القدرة صورة لليد، لكون القدرة حاله فيها.
قيل: وهو معكوس، والصواب تسمية القدرة يدًا.
والفاعلية: مثل نزل السحاب، أي: المطر، والسحاب سبب
[ ٣ / ٩ ]
فاعلي للمطر، عرفًا لا حقيقة.
والغائية: كتسمية العنب خمرًا، فأطلق الخمر على العنب.
لأنها العلة الغائية عندهم.
والمسببية: هذا هو النوع الثاني: وهو إطلاق اسم المسبب على السبب.
كتسمية المرض المهلك بالموت، فإن المرض المهلك سبب الموت، والموت مسبب له.
وإطلاق اسم السبب على المسبب أولى من عكسه.
وإليه أشار بقوله: والأول أولى: لأن علاقة السببية أقوى من علاقة
[ ٣ / ١٠ ]
المسببية، لأن السبب المعين يستلزم المسبب المعين لذاته، والمسبب المعين لا يستلزم السبب المعين لذاته بل يقتضي لذاته سببًا ما، وهو المعنى بقوله: للاستلزام على التعيين وأولاها الغاية.
أي: إطلاق اسم السبب الغائي على المسبب أولى من الأسباب الثلاثة.
وفي بعض النسخ: ومنها الغائية، ومعناه: وأولى منها الغاية والأولى أوضح وأكثر.
(وإنما كانت الغائية أولى)، لأنها علة في الذهن، لأنها الباعثة للفاعل على الفعل، ومعلولة في الخارج، فوجدت فيها العلاقتان، فتكررت العلاقة بينها وبين المسبب فكانت أولى بإطلاق اسمها على المسبب
[ ٣ / ١١ ]
من سائر العلل.
والمشابهة كالأسد للشجاع والمنقوش وتسمى استعارة وهي النوع الثالث.
وهي: تسمية الشيء بما يشبهه، إما في المعنى كالاشتراك في صفة، ويجب أن تكون الصفة ظاهرة في المعنى الموضوع له، لينتقل الذهن منه إليها، فيفهم المعنى الآخر، أعني غير الموضوع له باعتبار ثبوت تلك الصفة له.
ولا يخفى أن مجرد ثبوتها له لا يوجب الفهم لكونها مشتركة، بل لا بد من قرينة خصوص، مثلًا: إذا أطلقنا الأسد ينتقل منه إلى الشجاع، لكن لا يفهم من الإنسان الشجاع، إلا بقرينة، مثل: في الحمام، بخلاف إطلاق اسم الأسد على الأبخر.
أو في الصورة كإطلاق أسد، على الصورة المنقوشة في الحائط
[ ٣ / ١٢ ]
ويسمى هذا النوع من المجاز استعارة.
وهو قريب مما ذكره السكاكي.
لأن حاصله هو أن الاستعارة عبارة عن إطلاق لفظ على ما يشابه مدلوله في صفة ظاهرة مدعيًا أنه من جنس مدلوله الحقيقي بإفراده في الذكر مجردًا عن حرف التشبيه.
قال العراقي: وكلام المصنف يحتمل أن يكون راجعًا إليهما معًا، أو إلى الثاني فقط.
وعلى التقديرين: فهو مخالف للإمام والصفي الهندي.
فإنهما قالا: إن المسمى بالاستعارة، هو القسم الأول فقط، والإمام لم ينف الاستعارة عن القسم الثاني بل أخل بذكره.
[ ٣ / ١٣ ]
والمضادة: وهي النوع الرابع.
وهي: تسمية الشيء باسم ضده، مثل قوله تعالى:﴾ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴿.
فأطلق السيئة على الحسنة، التي هي ضدها، لكون جزاء السيئة حسنًا مشروعًا.
والكلية: وهي النوع الخامس.
وهو: إطلاق الكلي على الجزء، كإطلاق اسم القرآن لبعضه، إذا جعلناه اسمًا للكل المجموع.
[ ٣ / ١٤ ]
والجزئية وهي النوع السادس على الكلية: كالأسود (إذا جعل اسمًا) للزنجي، لأن الأسود اسم لجزء الزنجي لا لكله لأنه ليس أسود بتمامه، والأول وهو إطلاق اسم الكل على الجزء أقوى، فيكون أولى من عكسه عند التعارض للاستلزام، لأن الكل يستلزم الجزء دون عكسه.
والاستعداد: وهي النوع السابع.
وهو: أن يسمى الشيء المستعد لأمر باسم ذلك الأمر كتسمية الخمر
[ ٣ / ١٥ ]
الذي في الدن بالمسكر، فإنه مستعد للإسكار، وإليه أشار بقوله: "كالمسكر على الخمر في الدنط.
وتسمية الشيء باسم ما كان عليه، سواء كان جامدًا، كإطلاق العبد على العتيق، أو مشتقًا، كإطلاق الضارب على من وقع منه الضرب، وهذا ساقط في كثير من النسخ، وعليه اعتمدت في أول المسألة.
وعلاقة المجاورة المجوزة لإطلاق أحد المتجاورين على الآخر.
[ ٣ / ١٦ ]
وهي: النوع الثامن، كالراوية للقربة، التي هي ظرف الماء.
والراوية اسم للجمل الحامل لها لمجاورتها له.
والزيادة: وهي النوع التاسع، وقرينته: أن ينتظم الكلام بإسقاط كلمة، فيحكم بزيادتها، مثل قوله تعالى:﴾ ليس كمثله شيء ﴿فإن الكاف هنا زائدة، لأن المراد من الآية نفي المثل، وهو إنما يحصل بدونه، فاستعمل في غير ما وضع له، لأنه وضع للمثل، وهاهنا غير مستعمل فيه، فالعلاقة المجوزة لإطلاق الكاف على غير مدلوله اللغوي كونها زائدة.
والتحقيق: أن الكاف ليست زائدة، ولا يلزم محذور ويصير
[ ٣ / ١٧ ]
المعنى من كان على صفته المثل وشبهه فهو منفي فكيف المثل؟ .
وحينئذٍ يكون الكلام لنفي التشبيه والتشريك من غير تناقض، وله في الشرح زيادات وتحقيق فراجعه.
والنقصان: وهي النوع العاشر.
وقرينته أن ينتظم الكلام، إذا زيد عليه ما نقص منه.
مثل قوله تعالى:﴾ واسأل القرية ﴿، أي: أهل القرية، وإلا لم يستقم الكلام، فالعلاقة المجوزة لإطلاق المسئول على القرية إنما هو نقصان أهل.
[ ٣ / ١٨ ]
وفي الشرح أن المجاز بالزيادة، والنقصان، إنما كان هو في التركيب، لا في الأفراد، (ولم يحضرني قائله)، وما ذكرته هنا تبعت فيه العبري فتأمله.
النوع الحادي عشر: هو قوله: والتعلق الحاصل بين المصدر، واسم المفعول، واسم الفاعل ويدخل فيه ستة أقسام:
[ ٣ / ١٩ ]
(أحدهما): إطلاق اسم الفاعل على المفعول، كقوله تعالى:﴾ من ماء دافق ﴿أي مدفوق.
الثاني: عكسه نحو﴾ حجابًا مستورًا ﴿أي ساترًا.
الثالث: إطلاق المصدر وإرادة الفاعل، نحو رجل عدل، أي عادل.
الرابع: عكسه نحو: "قم قائمًا" أي: قيامًا.
الخامس: إطلاق اسم المفعول على المصدر، نحو:﴾ بأيكم المفتون ﴿أي: الفتنة.
السادس: عكسه كالخلق المخلوق في قوله تعالى:﴾ هذا خلق
[ ٣ / ٢٠ ]
الله ﴿أي مخلوقه: فأطلق المصدر على اسم المفعول، ولا يضر كون المخلوق مشتقًا من الخلق، فيكون من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، لأنه اجتمع فيه مجازان فمثل به لأحدهما والعلاقة بالكسر ويصح الفتح بتأويل.
الرابعة
- المجاز بالذات، أي: بالأصالة، لا يكون في الحرف لعدم الإفادة للحرف وحده، بل لا يفيد إلا بذكر متعلقه، كما مر.
[ ٣ / ٢١ ]
وإذا لم يفد وحده فلا يدخله المجاز، لأن دخول المجاز فرع كون الكلام مفيدًا.
فإذا انضم إلى الحرف ما ينبغي أن ينضم إليه كان حقيقة، كقولنا: زيد في الدار، وإلا كان مجازًا كقوله تعالى:﴾ ولأصلبنكم في جذوع النخل ﴿.
[ ٣ / ٢٢ ]
وله زيادة تحقيق في الشرح فراجعه.
ولا يكون المجاز بالذات، في الفعل والمشتق، لأنهم يتبعان الأصل، وهو المصدر.
فالمجاز يدخل في المصدر أولًا، ثم يسرى منه إليهما.
فلا يقال: الحال نطقت، أو ناطقة بكذا، إلا بعد تقدير المجاز في النطق المشتق منه، بأن يشبه النطق بالدلالة فيقال: الحال نطقت، بدل دلت، وناطقة بدل دالة.
[ ٣ / ٢٣ ]