المجاز: إما أن يقع في المفرد (من الألفاظ)، مثل الأسد للشجاع، فإنه يستعمل في غير موضوعه الأصلي لمناسبة.
أو يقع في المركب: وهو أن يستعمل كل واحد من الألفاظ المفردة
[ ٢ / ٣٧٧ ]
في موضوعه الأصلي، ويسند الفعل إلى غير فاعله الحقيقي، مثل قول الشاعر: وهو الصلتان العبدي- وكان مسلمًا-.
أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومر العشي.
فأشاب، وأفنى، وكر، ومر: مستعملة في موضوعها اللغوي، والإسناد مجاز؛ لأن المشيب والمغني هو الله تعالى.
قال العراقي: والصواب التعبير بالتركيب، لأن التجوز في هذا القسم إنما هي النسبة بين المفردين.
لا يقال: هذا البيت فيه إطلاق الصغير على الشيخ، باعتبار ما كان، فهو مجاز في المفرد والمركب.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
لأن الصغير ليس ركنًا في الإسناد، لوقوعه فضلة، فإنه مفعول فلا اعتبار به.
وقال الشيخ سعد الدين: وقد اختلفوا في نحو أشاب الصغير، لعدم كون كر الغداة، ومر العشى، فاعليه حقيقة كما تقدم؛ لأن مدلول إسناد الفعل إلى الشيء، هو قيامه به وثبوته له، بحيث يتصف به، وهذا لا يصح ظاهرًا فيما أسند إلى غير ما هو له، من المصدر، والزمان، والمكان، وغيرها، فلابد من تأويل، إما في المعنى، أو في اللفظ.
واللفظ: إما المسند، أو المسند إليه، أو الهيئة التركيبية، الدالة على الإسناد وإلا لكان كذبًا.
الأول: أن لا مجاز فيه بحسب الوضع، بل بحسب العقل حيث أسند الفعل إلى غير ما يقتضى العقل إسناده إليه، وهو قول الشيخ عبد القاهر والإمام الرازي وجميع علماء البيان.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
الثاني: أن المسند مجاز عن المعنى الذي يصح إسناده إلى المسند إليه، المذكور، وهو قول ابن الحاجب.
الثالث: أن المسند إليه استعارة بالكناية عما يصح الإسناد إليه حقيقة، وهو قول السكاكى.
الرابع: أنه لا مجاز في شيء من المفردات، بل يشبه التلبس الغير الفاعلي بالتلبس الفاعلي، فاستعمل فيه اللفظ الموضوع لإفادة التلبس الفاعلي، فيكون استعارة تمثيلية كما في: أراك تقدم رِجلًا وتؤخر أخرى.
وهذا ليس قولًا لأحد من علماء البيان ولكنه ليس ببعيد.
أو المجاز فيهما أي: في الإفراد والتركيب.
كقوله: "أحياني اكتحالي بطلعتك" أي: سرني رؤيتك، فاستعمل
[ ٢ / ٣٨٠ ]
الإحياء في السرور، والاكتحال في الرؤية. وهو مجاز. والإسناد أيضًا مجاز، لأن فاعل السرور هو الله تعالى لا الرؤية.
قال العبري: والحق أن إسناد الإحياء إلى الاكتحال مجاز، لا إسناد المسرة إلى الرؤية، لأن اللغة لم تبن على مذهب الأشعري.
فعلم من هذه الأمثلة أن المجاز قد وقع في اللغة، وهو الأصح، خلافًا للأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني.
ووقع أيضًا: المجاز في القرآن، والحديث على الأصح.
ومنعه أبو بكر بن داود والظاهرية: في القرآن والحديث.
[ ٢ / ٣٨١ ]
(ونقل عن ابن القاص).
قال العراقي: والمشهور عن ابن داود، منعه في القرآن خاصة كما ذهب إليه بعض الحنابلة، وبعض المالكية.
لنا: قوله تعالى: ﴿جدارًا يريد أن ينقض﴾.
فإن الظاهر من لفظ الإرادة، غير مراد لامتناع كون الجدار مريدًا، إذ لا شعور له، فوجب صرفها إلى غير الظاهر، وهو المجاز، وهو
[ ٢ / ٣٨٢ ]
هنا استعارة، لأنه شبه إشرافه على السقوط، بالإرادة المختصة بذوات الأنفس.
ولا يقال: الإرادة هنا حقيقة بخلق الله تعالى فيه إرادة للقطع، بأنه ليس بمراد، وإن كان ممكنًا. فإنما يقع عند التحدي، وإظهار المعجزات. وإذا جاز في القرآن، جاز في الحديث.
وأما وقوعه في الحديث: فلقوله (﵊) "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك".
[ ٢ / ٣٨٣ ]
قال ابن داود فيه، أي: في المجاز إلباس، لكونه لا ينبني عن معناه بنفسه، فلا يناسب كلام الشرع؛ لأنه مبين للشرع.
قلنا: لا إلباس مع القرينة، وهو إنما يستعمل في الشرع مع القرينة.
قال مخصصًا حجته القرآن: ل وقع المجاز في القرآن، لكان الله تعالى متكلمًا بالمجاز.
ولو كان متكلمًا بالمجاز لجاز أن يقال: الله تعالى متجوز، إذ المتجوز هو المتكلم بالمجاز.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
لكن لا (يجوز أن) يقال لله تعالى، بأنه متجوز.
قلنا: لعدم الإذن، فإن أسماء الله- تعالى- توقيفية.
فلا يطلق عليه إلا بإذن، وقد انتفى، فلانتفاء إذن الشارع امتنع إطلاق اسم المتجوز على الله- تعالى- لأنه لا يصح لغة، واللازم صحته لغة.
أو عدم جواز الإطلاق، لإيهامه الاتساع فيما لا ينبغي، لأن قولنا فلان متجوز، يوهم أنه يتسمح، ويتوسع، فيما لا ينبغي من الأقوال والأفعال، لاشتقاقه من الجواز، وهو التعدي.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
تنبيه: المجاز يطلق بحسب الاشتراك على ما سبق، وعلى كلمةٍ تغير حكم إعرابها بسبب زيادة أو نقصان كما سيجئ، ووعلى نفس الإعراب المتغير.
انتهى بحمد الله تعالى الجزء الثاني من
كتاب
مختصر تيسير الوصول شرح منهاج الأصول
ويليه
إن شاء الله
الجزء الثالث
وأوله
الثالثة
شرط المجاز العلاقة
[ ٢ / ٣٨٦ ]