بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فتح بتيسير الوصول إلى أصول
[ ١ / ١٩٣ ]
الشريعة الغراء، وشرح الصدور بنور الاهتداء إلى محجتها الزهراء، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أفضل المرسلين حبيب الله أبي القاسم محمد خاتم النبيين وعلى آله الطيبين وصحابته هداة الدين.
وبعد:
فقد يسر الله الكريم الرءوف الرحيم، بإتمام «تيسير الوصول إلى
[ ١ / ١٩٤ ]
منهاج الأصول» فجاء بحمد الله كنزًا مدفونًا ينفق من تبره، وبحرًا مشحونًا يستغنى (بفرائد دره.
لكنه مبسوط لكثرة تحقيقاته، وإيضاح منهاجه، وحل مشكلاته، فأردت اختصاره على طريقة متوسطة، حاوية لنفائسه المستنبطه
[ ١ / ١٩٥ ]
ترتفع عن الإقلال المخل، وتنحط عن الإطناب الممل، وافية ببسط عبارة المتن
المشكلة، وتفصيل إشاراته المجملة، وذكر المحتاج إليه من القيود والأمثلة، وإظهار الضمائر والمتعلقات المعضلة، ومن الله الكريم أستمد الصواب والتوفيق إلى ما به يحصل جزيل الثواب وهو حسبي ونعم الوكيل.
[ ١ / ١٩٦ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
تقدس من تمجد بالعظمة والجلال، وتنزه من تفرد بالقدم والكمال، عن مناسبة الأشباه والأمثال، ومصادمة الحدوث والزوال».
افتتح المصنف (رحمه الله تعالى) كتابه بعد التيمن بالبسملة بالثناء على الله -تعالى- أداء لحق شيء مما يجب عليه من شكر نعمائه، إلى تأليف هذا المختصر، أثر من آثارها، ولم يأت بالمنهج المعروف، إما تفننًا في العبارة؛ لأن ما أتى به في هذه الخطبة مشتمل على «الحمد لله»، ولا ينافيه ما أخرجه أبو داود
[ ١ / ١٩٧ ]
وغيره من حديث أبي هريرة -﵁من قوله ﷺ: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله أقطع».
لأن معناه: الافتتاح بما يدل على المقصود من حمد الله تعالى، لأن الخطبة يتعين فيها سياق واحد يمتنع العدول عنه، أو جعل المصنف (تقدس إلى آخره) بيانًا للبسملة، لأن من كان معبودًا بالحق لا محالة
[ ١ / ١٩٨ ]
يكون متصفًا بصفات الكمال، منزهًا عن صفات النقص.
ولأن في العبارة الغريبة لذة ليست في المشهورة.
هذا وقد صرح المصنف فيما سيجيء بقوله: نحمده.
«وتقدس» من القدس، وهو الطهارة لغة.
والقدوس: فعول منه صفة من صفات الله تعالى، وهو المنزه عن
[ ١ / ١٩٩ ]
كل وصف يدركه حس، أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم، أو يختلج به ضمير، أو يفضي به تفكير، فهو منزه عن أوصاف كمال الخلق، كما هو منزه عن أوصاف نقصهم، بل كل صفة تتصور للخلق، فهو مقدس عنها وعما يشبهها ويماثلها.
قال الحلواني: (ومعنى: تقدس) أخذ القدس، أي: الطهارة التي تليق بجنابه لذاته، أي اختصت ذاته بالقدس، من غير عدم سابق (ولا صنع صانع).
وآثره على «قدس» و«انقدس»، لأن كثرة المباني تدل على كثرة
[ ١ / ٢٠٠ ]
المعاني، (فأفاد المبالغة: أي في اختصاصه بالطهارة).
ولأن فيه فخامة تملأ الفم، واختار صفة الماضي لدلالته على تحقيق مدلوله.
(قال بعضهم): وقدم الصفات السلبية على الإيجابية؛ لأن إثبات الإيجابية، التي هي الكمال تتوقف عند التطهير من النقائص.
[ ١ / ٢٠١ ]
ولا يبعد أن يقصد من السلبية التمدح أيضًا، فتكون السلبية من صفات الكمال.
وقوله: «من تمجد»: يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة أي الذي أو شيء، وتمجد صلته أو صفته، (ومن مع صلته أو صفته) في محل رفع لأنه فاعل تقدس (أو تمجد).
(قيل: وأتى بكلمة «من» إيماءً إلى أن صلتها المجد والشرف التام الحاصل له بحسب عظمة الصفات وكبرياء الذات، بلغت إلى مرتبة إذا لوحظت تعين إسنادها إلى الله -تعالى -بحيث لا مجال للوهم أن ينسبها لغيره.
فإذن لا فرق في التعبير عن خصوصية الذات بين الاسم العلمي وغيره، على أن كلمة من تفيد فخامة ليست في غيرها).
وتمجد، قال الحلواني: أي أخذ المجد لذاته كما تقدم، (أي
[ ١ / ٢٠٢ ]
اتصف بالعظمة والجلال).
والمجيد: الشريف لذاته، الجميل أفعاله، الجزيل عطاؤه ونواله، فكأن شرف الذات إذا قارنه حسن الأفعال سمي مجيدًا.
والمجد: الشرف التام الكامل، وهو لله -تعالى -في ذاته وصفاته وأفعاله.
والمجد: السعة وكثرة الخير.
والباء: في قوله بالعظمة للملابسة والمصاحبة لا للسببية، أي: مجده مصاحب للعظمة والجلال.
والعظيم من صفات الله -تعالى -: بمعنى أنه أعظم من كل
[ ١ / ٢٠٣ ]
عظيم (في نفاذ حكمه، وكمال قدرته، وقهره، وسلطانه، وأعظم من كل) عظيم في أن العقول لا تصل إلى كنه صمديته.
والجليل: هو الموصوف بنعوت الجلال.
ونعوت الجلال هو العز، والملك، والتقديس، والعلم، والقدرة، وغيرها من الصفات.
فالجامع لجميعها هو الجليل المطلق وهو الله -تعالى -.
قال الغزالي: وكأن الجليل يرجع إلى كمال الصفات، والعظيم إلى كمال الذات، والصفات جميعها منسوبًا إلى إدراك البصيرة (إذ كان
[ ١ / ٢٠٤ ]
بحيث يستغرق البصيرة) ولا تستغرقه البصيرة. انتهى
وصفات الله تعالى ثبوتية: كالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والبقاء.
وسلبية: مثل ليس بجسم ولا عرض ولا في مكان.
[ ١ / ٢٠٥ ]
قال الحلواني: فأشار المصنف (﵀) بالعظمة إلى الصفات الثبوتية، وبالجلال إلى الصفات السلبية، (وأخر الصفات السلبية) رعاية للسجع.
أو يقال: صفاته -تعالى -صفات لطف، وصفات قهر، تسمى بصفات الجمال والجلال، فأشار بالعظمة إلى صفات الجمال أي اللطف، وأشار بالجلال إلى صفات القهر. وجمع بينهما ليكون العبد بين الخوف والرجاء.
قال العراقي:
[ ١ / ٢٠٦ ]
والمحفوظ «تقدس من تمجد بالعظمة والجلال»
وذكر الشيخ تقي الدين السبكي إنها: والجمال.
وقال: ومشاهدة صفة الجمال تثير المحبة ومشاهدة صفة الجلال تثير الهيبة، والعظمة تثير الهيبة أيضًا.
فلذلك قرن المصنف العظمة بالجمال، لتفيد معنى زائدًا على الجلال انتهى.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وعطف المصنف قوله: «وتنزه» على قوله: «تقدس»؛ أنهما فعليتان وإعرابه كما مر.
قال الحلواني: ومعنى تنزه أي: أخذ في النزاهة أي الطهارة لذاته.
(كما تقدم).
وتفرد قال الحلواني: أي أخذ الفردانية لذاته كما مر، أي ذاته منفردة لا يشاركه شيء في القدم الذاتي فلا يكون وجوده عن الغير، وصفاته قديمة غير مسبوقة بالعدم.
[ ١ / ٢٠٨ ]
(وتحقيقه: أن التفعل في تفرد وفي سائر ما أورده من تقدس ونحوه، ليس لمطاوعة فعل آخر، كما يقال: علمته فتعلم، بل المراد التلبس بالشيء كما يقال في المحسوسات: تقمص فيقال: في المعاني: تفعل على معنى اتصافه به، أعني من غير تكلف، ويجوز أن يكون لمطاوعة فعل، وذلك أن معنى قدس: اعتقد التطهر فالمطاوعة في لفظ «تقدس» على معنى المعتقد تقديسه، أي أنه أقام له من الحجج
[ ١ / ٢٠٩ ]
والبراهين ما يلزم الخلق اعتقاد تنزيهه عن كل نقص فهذا معنى المطاوعة هنا لا التأثير، فمطاوعة كل شيء بحسبه، ومن هذا يعلم حسن عدول المصنف عن الإتيان بأصل الوصف إلى صيغة التفعل؛ لأنه أبلغ إذ فيه الإيماء إلى قيام الدليل على ذلك الوصف.
والكمال، قيل: هو فوق التمام.
والكمال المطلق: هو الذي يكون كلما يمكن حاصلًا له بالفعل وهو الله تعالى.
والمناسبة: اتحاد في النسبة.
والأشباه: جمع شبه -بكسر الشين وسكون الباء -وهو اتحاد في الصفات.
والأمثال: جمع مثل -بكسر الميم وسكون الثاء -وهو اتحاد في تمام
[ ١ / ٢١٠ ]
الماهية (كذا قيل).
وقال في الصحاح: يقال هذا مِثْلُه ومَثَلُه كما يقال: شبهه وشبهه بمعنى والمصادمة الوصول من الطرفين.
والحدوث: كون الشيء بعد ما لم يكن.
والزوال: الفناء.
[ ١ / ٢١١ ]
ويجوز أن يتعلق قوله عن مناسبة بقوله: تقدس، أي تقدس أن تكون صفاته مناسبة لصفات غيره، وذاته أن تكون مماثلة لذات غيره.
وقوله: ومصادمة الحدوث والزوال متعلقًا بقوله: «تنزه» أي: تنزه أن يصل الحدوث إلى صفاته فلا تكون صفاته حادثة بل قديمة، وتنزه ذاته أن يكون له زوال وفناء، ففيه لف ونشر مرتب.
وصدر مجموع النشرين بكلمة «من» وعطف أحدهما على الآخر.
وأحال التعيين على ذهن السامع لأنه لا يخفى عليه أن الأول متعلق بالفقرة الأولى والثاني بالثانية.
[ ١ / ٢١٢ ]
ويجوز أن يكون تقدس وتنزه متوجهًا إلى كل واحد منهما.
فيكون من باب تنازع الفعلين قاله الحلواني.
وفسر صاحب المحكم التقديس بالتنزيه.
[ ١ / ٢١٣ ]
قال الزركشي: وحينئذ فقول المصنف بعده: وتنزه، من عطف أحد المترادفين على الآخر، وهو مطلوب في مقام الثناء نظرًا لتغاير الألفاظ.
والحق أن التنزيه أعم، فإن مادة القدس تدل على التطهير وهو نوع تنزيه.
وفي هذه الجمل إشارة إلى الوحدانية، ووجوب الوجود الذي يتصف بجميع الكمالات من العلم والقدرة والإرادة والحياة، ونفي الجسمية والجهة والتحيز ونفي التركيب وغيرها.
(والحاصل أنه تعالى لا يشبهه شيء لا شبهًا (بعيدًا ولا قريبًا ..) لا في الصفات ولا في الذات).
[ ١ / ٢١٤ ]
وقوله: «مقدر الأرزاق والآجال» ليس معطوفًا على ما قبله؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو.
والجملة الاسمية لا تعطف على الفعلية على قول اختاره الإمام الرازي.
[ ١ / ٢١٥ ]
ونقل عن ابن جني: لاختلافهما بالنوع.
وقيل: بالجواز.
قال ابن هشام: وهو المفهوم من قول النحويين في باب الاشتغال في مثل قام زيد وعمرو أكرمته أن نصب عمرو أرجح لأن تناسب الجملتين المتعاطفتين أولى من تخالفهما.
[ ١ / ٢١٦ ]
وقال أبو علي: يجوز في الواو فقط.
قال ابن هشام: وأضعف الثلاثة المنع مطلقًا.
وبالجملة فالأحسن هنا عدم العطف لما عرفت.
ومعناه، معين مقدار الرزق والأجل لكل واحد.
والرزق في الأصل: مصدر
[ ١ / ٢١٧ ]
بمعنى الإخراج.
وشاع في اللغة أولًا على إخراج حظ من الله -تعالى -أو ممن غيره إلى آخر، حيوانًا كان أو غيره (لينتفع به) ثم شاع استعمالًا وشرعًا على إعطاء الله -تعالى -الحيوان ما ينتفع به حلالًا كان أو حرامًا.
والأجل: يطلق بالاشتراك اللفظي على جميع مدة العمر، وعلى آخر جزء منها والمعنيان صحيحان هنا، يعني أن الله -تعالى -كما قدر
[ ١ / ٢١٨ ]
وضبط أحوال الإنسان من الأرزاق الروحانية التي هي العلوم والمعارف في هذه الدار وفي دار القرار، المتفاوتة حسب تفاوت أصناف المقربين والأبرار، كذلك قدر أحوال الحيوانات من سعة الرزق وضيقه وطول مدة العمر وقصره، فإذا كان الشخص واسع الرزق في العلم فلا يتكاسل في نشره وزيادته، أو ضيق الرزق فيه فيقتصر على الأهم من العلوم الدينية.
وعطف قوله: «ومدبر الكائنات في أزل الآزال» على «مقدر الأرزاق» لأنها جملة اسمية أيضًا مبتدؤها محذوف، وهذا من عطف العام على الخاص، هو من فنون البلاغة، وفيه دفع وهم، أن علمه وقدرته
[ ١ / ٢١٩ ]
مختص بالأرزاق والآجال، فدفعه بالتعميم، فإن الكائنات أعم من الأرزاق والآجال وغيرها من الموجودات.
(وقال الحلواني): يعني أن الله -تعالى -دبر مآل كل شيء ومرجعه إلى أي شيء يكون من السعادة والشقاوة.
فعين سعادة أهل السعادة في الأزل، وكذا شقاوة أهل الشقاوة.
والتدبير: هو النظر في دبر الشيء، في آخره ومآله.
وإطلاقه على علام الغيوب محال.
فالمراد غايته، هو الإحكام والإتقان في الأفعال؛ لأن من تأمل في عاقبة أمر جاء ذلك الأمر على وجه أبلغ وأحسن.
والأزل: بفتح الزاي: القدم.
[ ١ / ٢٢٠ ]
قال في الصحاح: ذكر بعض أهل العلم أن أصل هذه الكلمة، قولهم: للقديم لم يزل، ثم نسب إلى هذا فلم يستقم إلا باختصار فقالوا: يزلي ثم أبدلت الياء ألفًا (لأنها أخف)
فقالوا أزلي كما قالوا في الرمح المنسوب إلى ذي يزن: أزني.
وجمع الأزل تأكيدًا لا تحقيقًا، قاله بعضهم.
وقيل: في إضافة الآزال مبالغة في نفي الأولية كأن للأزل أزلًا.
ويجوز أن يكون قوله في أزل الآزال من باب تنازع الفعلين فيكون مقدر ومدبر متوجهين إليه.
[ ١ / ٢٢١ ]
أو يكون قوله: «مقدر الأرزاق والآجال» إشارة إلى القضاء.
يعني مقدر الأرزاق والآجال بحسب ما وقع.
وقوله: مدبر الكائنات إلى القدر أي دبر الكائنات التي ستوجد في علمه السابق، قاله الحلواني.
وقال بعضهم: الفرق بينهما: أن القدر عباة عن تعلق القدرة والإرادة بإيجاد جميع الأشياء، التعلق التنجيزي الواقع فيما لا يزال.
والقضاء: عبارة عن تعلقهما بها التعلق المعنوي الحاصل في الأزل.
[ ١ / ٢٢٢ ]
عالم الغيب والشهادة: خبر مبتدأ محذوف أي هو، وهذه الجملة بيان لجملة مقدر الأرزاق إلى آخره؛ لأن التقدير والتدبير دال على العلم الكامل الشامل بالضرورة، ولهذا قطعها ولم يعطف.
وفيه إشعار بعظم شأن العلم، وقدم الغيب قصدًا إلى رسوخه في علمه؛ لأن من كان عالمًا بالمغيبات كان راسخًا في العلم لا محالة، ويلزم من ذلك علمه بالمشاهدات من باب أولى.
وقوله: الكبير المتعال مبتدؤه محذوف أيضًا، وهذه الجملة مسبوقة لبيان ما سبق أيضًا؛ لأن من كان موصوفًا بهذه الصفات ضرورة يكون كبيرًا بحسب الذات، عاليًا بحسب الصفات.
والغيب بمعنى: الغائب عن الحس، والشهادة الحاضر له والألف
[ ١ / ٢٢٣ ]
واللام فيهما للاستغراق، أي يحيط علمًا بكل واحد واحد من الغيوب.
والشهادات ظاهرها وباطنها، دقيقها وجليلها، أولها وآخرها عاقبتها وفاتحتها بعلم قديم، وهذا من حيث كثرة المعلومات وهي لا نهاية لها، ثم يكون العلم في ذاته من حيث الوضوح والكشف على أتم ما يمكن فيه بحيث لا يتصور مشاهدة وكشف أظهر منه ثم لا يكون مستفادًا من المعلومات، بل تكون المعلومات مستفادة منه.
والكبير: هو ذو الكبرياء، والكبرياء: عبارة عن كمال الذات، وأعني بكمال الذات كمال الوجود، وكمال الوجود يرجع إلى شيئين:
أحدهما: دوامه أزلًا وأبدًا.
والثاني: أن وجوده هو الوجود الذي يصدر عنه كل موجود بالاختيار.
[ ١ / ٢٢٤ ]
والمتعال: هو الذي لا رتبة فوق رتبته، وجميع المراتب منحطة عنه.
والمراد بالفوقية: الفوقية بالمعنى لا بالمكان.
[ ١ / ٢٢٥ ]
وعبارة المصنف في تفسيره الكبير: العظيم الشأن الذي لا يخرج عن علمه شيء.
والمتعال: المستعلي عن كل شيء بقدرته، أو الذي كبر عن نعت المخلوقين وتعالى عنه.
ثم استأنف بقوله: «نحمده على فضله المترادف المتوال، ونشكره على ما عمنا من الإنعام والإفضال» جوابًا عن سؤال تقديره: كيف نحمد هذا المنعم العظيم الموصوف بهذه الصفات العظام؟
فقال: نحمده بصيغة الجمع ليشمله وغيره من المثنين، أدرج حمده في حمدهم، لعله يقبل، أو عظم نفسه امتثالًا لقوله تعالى: ﴿(وأما
[ ١ / ٢٢٦ ]
بنعمة) ربك فحدث﴾.
وأتى بالفعل المضارع ليدل على التجدد والاستمرار، يعني فكما أن نعمه متجددة فحمدنا متجدد، كذا قيل.
والحمد: هو الثناء باللسان على الجمل الاختياري.
والشكر فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب الإنعام، سواء كان ذكرًا باللسان أو اعتقادًا، أو محبة بالجنان، أو عملًا وخدمة بالأركان.
[ ١ / ٢٢٧ ]
فمورد الحمد هو اللسان وحده، ومتعلقة يعم النعمة وغيرها.
ومورد الشكر يعم اللسان وغيره، ومتعلقه يكون النعمة وحدها.
فالحمد أعم باعتبار المتعلق وأخص باعتبار المورد والشكر بالعكس.
ومن هنا تحقق تصادقهما في الثناء باللسان في مقابلة الإحسان، وتفارقهما في صدق الحمد فقط على الوصف بالعلم والشجاعة، وصدق الشكر فقط على الثناء بالجنان في مقابلة الإحسان.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وعن الأصفهاني: أن الحمد أعم من الشكر مطلقًا بحسب ماهيتها.
وتحقيق ماهيتها: أن الحمد ليس عبارة عن قول القائل: الحمد لله.
بل هو فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا، وذلك الفعل إما فعل القلب، أعني الاعتقاد باتصافه بصفات الكمال والجلال.
أو فعل اللسان أعني ذكر ما يدل عليه، أو فعل الجوارح وهو الإتيان بأفعال دالة على ذلك.
والشكر كذلك ليس قول القائل: الشكر لله، بل صرف العبد جميع ما أنعم الله تعالى به عليه من السمع والبصر وغيرهما إلى ما خلق له
[ ١ / ٢٢٩ ]
وأعطاه لأجله، كصرف النظر إلى مطالعة مصنوعاته، والسمع إلى تلقي ما ينبئ عن مرضاته، والاجتناب عن منهياته.
وعلى هذا يكون الحمد أعم من الشكر مطلقًا، لعموم النعم الواصلة إلى الحامد وغيره، واختصاص الشكر بما يصل إلى الشاكر.
والفضل: ضد النقص، قاله ابن دريد.
والجوهري قال: والإفضال: الإحسان.
(وقيل: المراد بالفضل: الفاضل عن الكفاية، وذلك أنه تعالى أعطى الكفاية وزيادة عليها).
والترادف: من الردف الذي يركب خلف الآخر، وكل من تبع شيئًا فهو ردفه (فمعنى المترادف: المتراكم بعضه على بعض).
[ ١ / ٢٣٠ ]
والتوالي: أن يكون واحدًا بعد واحد بحيث لا ينقطع، فالتوالي أبلغ من الترادف فلذا أردفه به دفعًا لوهم أنه ينقطع.
(والإنعام: مصدر أنعم إنعامًا، كأحسن يحسن إحسانًا.
وعدل عن التعبير بالنعم إلى الإنعام؛ لأن المصدر قد يكون أبلغ من الجمع.
والنعم جمع نعمة وهو كل ما يتنعم به من العيش.
وفي قوله: نحمده على فضله ونشكره على ما عمنا به تنبيه على أن الشكر لا يكون إلا في مقابلة نعمة بخلاف الحمد، ولهذا ينبغي للإنسان أن يحمد الله تعالى على ما أنعم به على غيره كما يحمده على ما أنعم به عليه.
[ ١ / ٢٣١ ]
وفي الحديث أن النبي -ﷺأتي ليلة الإسراء بقدح لبن وقدح خمر، (وخير بينهما)، فاختار اللبن فشربه، فقال جبريل: الحمد لله لو أخذت الخمر غوت أمتك.
وقيل): قوله: «فضله» إشارة إلى نعمه الباطنة من الإيمان والعرفان وغيرهما.
وقوله: «ونشكره على ما عمنا من الإنعام والإفضال» إشارة إلى نعمه الظاهرة من السمع والبصر وغيرهما، ولذا صرح بقوله: «عمنا» ليشمل الكل».
ووقف في بعض النسخ أحمده وأشكره وأصلي وهو واضح.
[ ١ / ٢٣٢ ]
«ونصلي على محمد الهادي إلى نور الإيمان، من ظلمات الكفر والضلال، وعلى آله وصحبه خير صحب وآل».
هذا دعاء للشارع المقنن للقوانين؛ لأنه سبب لحصول كمالاتنا وامتثالًا لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾.
وأتى بالصلاة بعد حمد الله وشكره؛ لقوله تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾.
معناه: لا أذكر إلا ذكرت معي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.
[ ١ / ٢٣٣ ]
روى هذا التفسير الرهاوي في أربعينه عن أبي سعيد عن النبي -ﷺ -.
ورواه الشافعي عن مجاهد.
[ ١ / ٢٣٤ ]
قال النووي وغيره: ويكره إفراد الصلاة عن التسليم.
فإن قلت: قد جاءت الصلاة عليه غير مقرونة بالتسليم في آخر التشهد (في الصلاة).
[ ١ / ٢٣٥ ]
فالجواب: أن السلام تقدم فيه في قوله: «السلام عليك أيها النبي».
والصلاة: أصلها الدعاء، قال تعالى: ﴿وصل عليهم﴾ أي ادع لهم.
وقال الزجاجي: أصلها اللزوم.
قال الأزهري وغيره: الصلاة من الله تعالى رحمة، ومن الملائكة
[ ١ / ٢٣٦ ]
استغفار، ومن الآدمي تضرع ودعاء.
فصلاة الله تعالى على نبيه رحمة مقرونة بالتعظيم والثناء.
وفي البخاري عن ابن عباس -﵄معنى يصلون: يبركون.
وسمى نبينا -ﷺبمحمد لكثرة خصاله الحميدة.
[ ١ / ٢٣٧ ]
قال ابن فارس: ألهم الله أهله تسميته بذلك.
والمراد بكونه -ﷺهاديًا، هو هدى الدلالة.
قال الله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾.
[ ١ / ٢٣٨ ]
وأما هدى التوفيق والتأييد والعظمة فمما تفرد به الله تعالى.
(وقد تكون الهداية بمعنى الدوام عليها)، وإنما خصه بوصفه الهادي؛ لأنه المطلوب الأعظم، والغاية القصوى من اصطفاء الأنبياء، ولأنه أساس كل سعادة وفلاح.
(وقوله: من ظلمات الكفر والضلال، إشارة إلى أنه -ﷺحصلت به الهدايتان جميعًا من ظلمات الكفر وظلمات الضلال).
والنور: الضياء، والجمع أنوار، قاله الجوهري.
وفي الكشاف:
[ ١ / ٢٣٩ ]
(ما حاصله أن) النور ضوء النار، وضوء كل نير وهو نقيض الضلمة واشتقاقه من النار، والنار من نار ينور إذا نفر؛ لأن فيها حركة واضطرابًا.
وإطلاق الضوء على النور شائع، وإن كان قد يقع بينهما فرق في بعض الاستعمالات.
والظلمات: جمع ظلمة، قال: والظلمة عدم النور.
وقيل: عرض ينافي النور واشتقاقها من قولهم:
«ما ظلمك أن تفعل كذا» أي «ما منعك وشغلك» لأنها تسد البصر (وتمنع الرؤية.
[ ١ / ٢٤٠ ]
وقال الإمام: الظلمة عدم النور عن ما من شأنه) أن يستنير.
فعلى هذا بين النور والظلمة تقابل العدم والملكة.
وعلى قول من قال: عدم النور يكون بينهما تقابل الإيجاب والسلب، وعلى قول من قال: عرض ينافي النور فبينهما تقابل التضاد.
وقوله: نور الإيمان: إما من باب إضافة العام إلى الخاص أو استعارة بالكناية.
[ ١ / ٢٤١ ]
وقد اختلف في تفسيرها، والذي ذهب إليه المتقدمون أن الشيء إذا شبه بآخر ثم ترك التشبيه إلى الاستعارة فلابد أن يستعار للمشبه (لفظ موضوع للمشبه) به ليتحقق معنى الاستعارة الذي هو أخذ الشيء بالعارية.
ثم المستعار إما صريح: اسم المشبه به، كما في الاستعارة التصريحية، أو اسم المشبه به المسكوت عنه، أعني لفظ الكوكب مثلًا في مثالنا، وما أثبت للمشبه المذكور الذي هو الإيمان من لوازم المشبه به.
أعني النور كناية عن لفظ الكوكب، وكونه مستعارًا للإيمان، ومن هذا سميت استعارة بالكناية.
ومما ذكر في توجيه نور الإيمان، أوضح لك حال ظلمة الكفر
[ ١ / ٢٤٢ ]
والضلال.
ولما ضمن الهداية معنى الإخراج عداها بمن حيث قال: من ظلمات الكفر.
قيل: وذكر الضلال بعد الكفر تعميم بعد تخصيص.
ووحد النور، وجمع الظلمة، تنبيهًا على أن المهتدي بالإيمان (قد يتعين) له طريق خاص إلى الله تعالى بخلاف غير المهتدي، فإنه يميل إلى كل شيء ويفعل كل فعل ويذهب في كل طريق.
وقيل: توحيد النور للترغيب عليه، وتكثير الظلمات لتقبيح شأن الكفر، والتنفير عنه؛ لأن الكفر والضلالة متعدد متنوع. ولكل نوع ظلمة، بخلاف الإيمان فإنه متحد بالنوع غير مختلف.
[ ١ / ٢٤٣ ]
(قيل: وإنما قال: الهادي إلى نور الإيمان، ولم يقل إلى الإيمان، لفائدتين:
إحداهما: (أن الإيمان يكون) رافعًا للكفر، ونوره يدفع ظلمات الكفر، قال الله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾.
فعبر المصنف بثمرة الإيمان، وهو النور التام يوم القيامة، وهو من باب التعبير بالعلة الغائية.
والفائدة الثانية: أن المراد بنور الإيمان بيان الأحكام الشرعية.
قال تعالى: ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾.
[ ١ / ٢٤٤ ]
والحكمة: السنة، فهو -ﷺأخرج الناس بإذن الله تعالى من ظلمات الكفر ومن ظلمات الجهل).
والآل، أصله: أهل، بدليل أهيل، خص استعماله في الأشراف ومن له خطر.
وعن الكسائي: سمعت أعرابيًا فصيحًا يقول: أهل وأهيل وآل وأويل.
وآله -ﷺقال الإمام الشافعي (﵁) وجمهور أصحابه: هم بنو هاشم وبنو المطلب.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وقيل: عترته أولاد فاطمة -﵂المنتسبون إليه. وقيل: أهل دينه كلهم وأتباعه إلى يوم القيامة.
قال الأزهري: هذا القول أقربها إلى الصواب، واختاره النووي في شرح مسلم، واختاره غيره.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وحديث أنس المرفوع أن آله كل مؤمن تقي.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وهاه البيهقي.
والصحب جمع صاحب، كركب جمع راكب.
والصحابي: نسبة إلى الصحبة ثم اختص في العرف بمن صحب النبي -ﷺتشريفًا لهم.
وهو كل من لقي النبي -ﷺمسلمًا ومات عليه ولو تخللت ردة.
والمراد من هذا التعريف معرفة الصحابة بعد انقراضهم.
[ ١ / ٢٤٨ ]
فقوله: لقي أعم من المجالسة، والمماشاة، ووصول أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكالمه، ويدخل فيه رؤية أحدهما الآخر، فدخل ابن مكتوم ونحوه من العميان والذكر والأنثى.
وقوله: «مسلمًا» ليخرج من حصل له في حال كفره لقاء النبي -ﷺفإنه ليس صحابيًا لعداوته له -ﷺ -.
وقوله: مات عليه، أي على الإسلام، ليخرج من ارتد بعد أن لقيه مسلمًا، ومات على الردة كعبد الله بن جحش،
[ ١ / ٢٤٩ ]
وابن خطل.
وقوله: ولو تخللت ردة، أي بين لقياه مسلمًا وبين موته على الإسلام، فإن اسم الصحبة باق له سواء كان رجوعه إلى الإسلام في حياته، أم بعده -ﷺ -.
سواء لقيه ثانيًا أم لا.
وقيل: الصحابي: من طالت صحبته ومجالسته، واختاره، جماعة من أهل الأصول.
[ ١ / ٢٥٠ ]
وأما قول الفقهاء: قال أصحاب الشافعي وأصحابنا فمجاز. مستفيض، للموافقة بينهم وشدة ارتباط بعضهم ببعض كالصاحب حقيقة.
فإن قلت: كيف جعل آل النبي -ﷺخير آل مع أن آل إبراهيم -﵊أفضل منهم؛ لأن فيهم أنبياء.
أجيب: (بأن مراده) أنهم خير آل ليس لهم وصف أشرف من كونهم آل نبي، فأما من أنضم إلى ذلك كونه نبيًا فقد خرج عن وصوفه بالآل، لا أنه زال عنه الصفة، بل لأنه صارت له صفة أعظم منها فيذكر بالصفة العظمى.
وأما كون أصحابه خير الأصحاب فذلك واضح لقوله تعالى: ﴿كنتم
[ ١ / ٢٥١ ]
خير أمة أخرجت للناس﴾ وأتبع صلاته -﵊بالصلاة على آله، وأصحابه، لأنهم كانوا مجتهدين وساعين في إظهار الدين وتبليغ الأحكام الدينية إلينا وذلك من النعم الجليلة.
(وإضافة الآل إلى المضمر لا يمتنع على الأصح لورود السماع به).
وبعد: أصلها أما بعد.
قال النحاس:
[ ١ / ٢٥٢ ]
وسئل أبو إسحاق عن معنى: أما بعد؟
فقال: قال سيبويه: معناها: مهما يكن من شيء، أي بعد ما ذكر، فوقعت كلمة أما موقع اسم هو المبتدأ وفعل هو الشرط، وتضمنت معناها.
(ولتضمنها معنى الشرط لزمتها الفاء اللازمة للشرط غالبًا).
ولتضمنها معنى الابتداء لزمها لصوق الاسم اللازم للمبتدأ قضاء لحق ما كان، وإبقاء له بقدر الإمكان.
وبعد ظرف لابد له من عامل، فعل أو شبهه يتعلق به.
[ ١ / ٢٥٣ ]
فقيل: إنه متعلق بأما، من حيث إنه قائم مقام فعل هو يكن المحذوف.
وقيل: إنه متعلق بقوله: يكن، وهي بضم الدال، وبالرفع والتنوين.
وبالنصب والتنوين، وبفتح الدال على تقدير لفظ المضاف إليه.
وكان النبي -ﷺيأتي بها في كل خطبه وكتبه، وفي غرائب مالك للدارقطني بسند ضعيف: لما جاء ملك
[ ١ / ٢٥٤ ]
الموت إلى يعقوب ﵊ قال يعقوب: -في جملة كلام - «أما بعد: فإنا أهل بيت موكلٌ بنا البلاء».
فإن صح فيكون أول من ابتدأ بها.
وقيل: داود، وأنها فصل الخطاب الذي أوتيه.
وقيل: قس بن ساعدة.
وقيل: كعب بن لؤي.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وقيل: يعرب بن قحطان وقيل: سحبان (بن وائل)
وجواب الشرط قوله: «فإن أولى ما تهتم به الهمم العوالي، وتصرف فيه الأيام والليالي، تعلم المعالم الدينية، والكشف عن حقائق الملة الحنيفية، والغوص في تيار بحار مشكلاته، والفحص عن أستار أسرار معضلاته».
أولى: أحرى وأليق.
وتهم بفتح التاء وضم الهاء؛ لأن ماضيه ثلاثي، يقال: هم بالشيء إذا قصده بهمته أي: يهتم به ويقصد إلى فعله، ويقرؤه من لا خبرة
[ ١ / ٢٥٦ ]
له بضم التاء وكسر الهاء، على أن ماضيه رباعي، وهو خطأ، فذاك بمعنى الحزن من الهم.
قال الجوهري: وهممت بالشيء أهم هما، إذا أردته.
والهمم واحده همة بمعنى الإرادة.
والمراد النفوس العالية، فكنى بالهمم العوال عنها؛ لأنها من لوازم النفوس، وكأنها من فرط الهمة والإرادة صارت عينها.
(وصاحب الهمة العالية هو الذي يحرص على ما ينفعه ويبالغ في الاجتهاد في تحصيله).
والصرف: إخراج الشيء عن تصرفك.
والأيام والليالي: عبارة عن العمر، وهو من النفائس العظيمة.
[ ١ / ٢٥٧ ]
فينبغي أن يصرفه في أعز الأشياء.
وأشار إليه بقوله: تعلم المعالم الدينية.
والمعالم: جمع معلم موضع العلامة.
قال الحلواني: وأراد بها هنا الأحكام الشرعية الأصولية.
ولا يبعد أن يريد به (كل ما) له تعلق بالدين وهذا منه؛ لأن أدلة الشيء معالمه، إذ بها يهتدى إلى الأحكام المنسوبة إلى الدين.
(وقيل: المراد بالمعالم: أحكام الشرع بأدلتها، فإنها علامات تميز الحلال من الحرام).
والكشف: قال ابن دريد: كشفت الشيء أكشفه كشفًا إذا أظهرته
[ ١ / ٢٥٨ ]
وأبديته.
والملة: قال الراغب: هو القود إلى الطاعة.
والدين هو الانقياد له، وهما بالذات واحد، لكن الدين هو الطاعة، فيقال: اعتبار بفعل المدعو في انقياده إلى الطاعة.
والملة من أمللت الكتاب، فيقال: اعتبارًا بفعل الداعي إليها، والشارع لها ثم لكونهما بالذات.
قال تعالى: ﴿دينًا قيمًا ملة إبراهيم حنيفًا﴾
فأبدل الملة من الدين.
[ ١ / ٢٥٩ ]
وقال ابن الأثير: الملة: الدين، كملة الإسلام.
وقيل: هي معظم الدين وجملة مايجيء به الرسل.
وقال الجوهري: والملة -بالكسر -: الدين والشريعة.
وقال ابن دريد: الملة النحلة التي ينتحلها الإنسان من الدين.
قال الحلواني: والحق أنهما -أي: الملة والدين -مختلفان متلازمان.
وفي الملة معنى الاجتماع، فلهذا لا يقال: ملة الله.
وفي الدين معنى الجزاء، ولهذا يضاف إلى الله تعالى فيقال: دين الله.
[ ١ / ٢٦٠ ]
والحنيفية: الإسلام.
والحنيف المائل عن الباطل إلى الحق.
(ولما كان طلب الآخرة متوقفًا على صحة الأعمال، وصحة الأعمال متوقفة على العلم، كان العلم أهم ما يطلب أولًا).
والغوص: هو النزول في عمق الماء.
والغواص: من ينزل في عمق البحر لاستخراج الدر وغيره، وغاص على الدر حصله، واستعلى عليه واطلع.
والتيار: الموج.
شبه المصنف العلم بالبحر الجاري؛ لأن العلم يجري ثوابه ولا ينقطع بالموت، كما لا ينقطع جريان البحر؛ ولأن الماء حياة الأنفس، وحياة الماء جريانه، كذلك العلم حياة القلوب.
وحياة العلم البحث فيه؛ ولأن الغوص في تيار البحر الجاري فيه
[ ١ / ٢٦١ ]
مزيد مشقة على الغوص في الماء الراكد.
وفيه إشارة إلى أن العلم لا ينال براحة الجسد.
وأثبت له التيار ترشيحًا للاستعارة المصرحة؛ لأنه أطلق المشبه به وأراد المشبه، وأثبت ما يخص المشبه به.
وشبه التفكر والتأمل في حل تلك المشكلات بالغوص (لتخرج المسائل المشبهة بالجواهر.
وفيه إشارة إلى أن المسائل يستضاء بها من ظلمات الجهل، كما يستضاء بالجواهر في ظلمة الليل.
والفحص: البحث والتفتيش التام. وفيه إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له أن يسعى في طلب العلم وفي السؤال عنه).
والأستار: جمع ستر.
[ ١ / ٢٦٢ ]
والأسرار: جمع سر، وهو الخفي عن الشيء.
قال الجوهري: السر الذي يكتم.
والمعضل: ما انغلق معناه ولا يفهم بسهولة.
وفي الصحاح: المعضلات: الشدائد.
(فمراد المصنف بالمعضلات: المسائل التي قوي إشكالها وبعدت عن الأفهام.
والمراد بالبحث عن أستار أسرارها: البحث عن علل المسائل المشكلة وعن معانيها، فإن العلم إذا عرف بعلله، والمسائل إذا عرفت بمعانيها، كان أدعى للنفس إلى قبولها والانقياد إليها؛ لأن إشكالها حينئذ يزول، كذا قيل).
وتشبيه المعاني الخفية تحت الألفاظ بالمخدرات خلف الأستار.
[ ١ / ٢٦٣ ]
استعارة مصرحة. وإثبات الستر ترشيح. والضمير في مشكلاته ومعضلاته، قيل: عائد على الكشف لا على الملة؛ لأنها بيضاء نقية؛ ولأن الضمير مذكر.
وقيل: عائد إلى الملة على تأويل الدين.
وعطف على قوله: إن أولى قوله: وإن كتابنا هذا "منهاج الوصول إلى علم الأصول"، الجامع بين المعقول والمشروع، والمتوسط بين الأصول والفروع، وهو أي المنهاج، وإن صغر حجمه كبر علمه
[ ١ / ٢٦٤ ]
وكثرت فوائده وجلت عوائده.
وأضاف الكتاب إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه تعظيمًا للكتاب، وإظهارًا للنعمة قال تعالى:﴾ وأما بنعمة ربك فحدث ﴿وفيه إشارة إلى عظم شأن هذا الكتاب.
وتنشيط وترغيب للطالب على تحصيله.
وفي تسميته بالمنهاج، وإضافته إلى الوصول، إيماء إلى كونه طريقًا واضحًا موصلًا إلى علم أصول الفقه (على ما يتبين).
أن المنهاج والمنهج والنهج بنون مفتوحة وهاءٍ ساكنة: هو الطريق الواضح، كما قاله الجوهري.
قال: وتقول نهجت الطريق على وزن ضربت إذا أوضحته وبينته.
وحينئذ فتقول منه: أنا ناهج ومنهاج إذا أردت المبالغة.
[ ١ / ٢٦٥ ]
فيجوز أن يكون تسمية الكتاب بالمنهاج مأخوذًا من المعنى الأول.
قيل: فيكون شبه الكتاب بطريق واضح واسعٍ موصلٍ إلى المقصد بسهولة، فأطلق المشبه به وأراد المشبه فهو استعارة مصرحة.
ويجوز أن يكون من الثاني وكلاهما حسن.
وتقول أيضًا: نهجت بمعنى سلكت، وإرادة هذا المعنى بعيدة.
وتكلم الناس في "هذا"، الواقعة صدر الكلام.
فقيل: إنه وضع غير مشارٍ به ويشار به إذا وجد ما أريد من الإشارة، ورده الفارسي في التذكرة، واختار في الجواب: أن معناها التقريب، وتنزيله منزلة الحاضر.
[ ١ / ٢٦٦ ]
فلما تأكد عزم المصنف على تصنيف المنهاج عامله معاملة الموجود، فأشار إليه، وذلك لغة العرب.
قال الله تعالى:﴾ هذا يوم الفصل ﴿.
قال النووي: ومن المصنفين من يترك موضع الخطبة بياضًا فإذا فرغ ذكرها.
فأشار إلى حاضر لتكون عبارته في الخطبة موافقة لما ذكر فيحتمل الأمران في كلام المصنف.
وأصل الكتاب في اللغة الضم، فسمي كتابًا لضم حروفه ومسائله بعضها إلى بعض.
والكتاب اسم للمكتوب مجازًا، وهو من باب تسمية المفعول باسم المصدر، وهو كثير.
وهو في اصطلاح المصنفين: كالجنس المستقل الجامع لأبواب تلك الأبواب، أنواعه، وجمعه كتب بضم التاء وتسكن.
[ ١ / ٢٦٧ ]
والعلم: صفة توجب لمحلها تمييزًا لا يحتمل النقيض بوجه، وهذا يتناول التصور؛ إذ لا نقيض له، والتصديق اليقيني إذ له نقيض، ولا يحتمله، ويدخل فيه إدراك الحواس الخمس كالسمع والبصر.
وزاد بعضهم: في الحد قيدًا آخر، فقال: تمييزًا لها في الأمور المعنوية، فأخرج إدراك الحواس؛ لأن تمييزها في الأمور العينية الخارجية حيث رأى أنها ليست علمًا.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وقيل: العلم إدراك المعلوم على ما هو به.
(فقوله: منهاج الوصول، يريد أن من قرأه أو فهمه وصل إلى علم الأصول).
ويجوز في قوله: "الجامع" الرفع صفة لمنهاج، أو خبر بعد خبر والجر صفة لعلم الأصول، أي جمع كتاب المنهاج أو علم أصول الفقه مسائل أصوليه، عقلية، ومسائل فروعية، أي نقلية.
وقوله: "المتوسط بين الأصول والفروع"، عطف على قوله: "الجامع".
يعني أنه متوسط بين الأصل المسمى بعلم الكلام وبين الفروع المسمى بعلم الفقه، فهو متوسط بين المعقول والمشروع؛
[ ١ / ٢٦٩ ]
لأن له حظا من الجانبين، تارة يأخذ من هذا وتارة يأخذ من ذاك.
والمعقول أصله: اسم للعقل كالميسور اسم لليسر وهو من جملة المصادر الواردة على مثال اسم المفعول.
وأصل الشرع: قال الرماني: العلم الظاهر، ومنه شرائع الإسلام وهو من الطريق: الشارع أي البارز الظاهر النير.
قال الجوهري: والشريعة ما شرع الله تعالى لعباده من الدين.
وسيجيء تفسير الأصول والفروع إن شاء الله تعالى.
(وقيل: والمراد بالمعقول، ما أدلته قطعية كالدالة على الوحدانية وثبوت الرسالة.
[ ١ / ٢٧٠ ]
والمراد بالمشروع ما أدلته ظنية، وهو الأحكام الشرعية.
وفي الأدلة الشرعية ما هو قطعي أيضًا.
لكن بانضمام الدليل العقلي إليه باعتبار النظر في مقدماته كالنظر في حال المعجزة).
وقوله: "إن صغر" بغير واو، شرط - جزاؤه "كبر" والجملة الشرطية خبر هو.
وفي أكثر النسخ بالواو فتكون الشرطية معترضة بين المبتدأ والخبر للتأكيد فلا تطلب الجزاء.
وقيل: الواو عطف على مقدر تقديره: إن لم يصغر حجمه وإن صغر حجمه كثر علمه، ففيه مبالغة في كثرة علمه، كذا قيل.
والظاهر قراءة "كبر" بالباء الموحدة لتقابل صغر، ولئلا يتكرر مع
[ ١ / ٢٧١ ]
ما بعده.
قال في الصحاح: وكبر بالضم يكبر، أي عظم [يعظم].
قال: والصغر ضد الكبر.
فكأن المصنف - ﵀ - تعالى - أشار إلى أن كبر معناه: متضمن لكثرة مسائله العظيمة.
ويوضحه قوله: وكثرت فوائده إلى آخره، والله أعلم.
والفوائد جمع فائدة، قال الجوهري: وهي ما استفدت من علم أو مال.
وقال الحلواني: الفائدة ما يستفاد من اللفظ، والفوائد بمعناه.
قال: والأحسن أن الفوائد ما يستفاد بالعقل؛ لأن الأصل عدم الترادف.
[ ١ / ٢٧٢ ]
ولهذا قال: كثرت فوائده؛ لأن الفوائد اللفظية يفهمها كل أحد.
وقال: جلت عوائده؛ لن ما يستفاد بالعقل قليل ولكنه عظيم شريف لا يفهمه كل أحد.
وقال الجوهري: العائدة: العطف والمنفعة، يقال: هذا الشيء أعود عليك من كذا أي أنفع.
وقال ابن دريد: العائدة: المعروف والصلة.
فعلى ما قالاه يكون معنى كلام المصنف في هذا الكتاب عطف للطالب ومنفعة ومعروف وصلة لإيضاحه وعذوبة لفظه وتحرير مسائله.
فقد عظمت عوائده على طالبيه.
وقال بعضهم: الفوائد هي القواعد: التي تترتب عليها الفوائد الكثيرة الفروعية.
والعوائد: المسائل الدقيقة والمباحث اللطيفة، فكأنها لغاية دقتها ولطفها تجب المعاودة إليها مرة أخرى.
[ ١ / ٢٧٣ ]
وقوله: "جمعته" استئناف، كأنه قيل: لم جمعت وضممت مسائل هذا الفن.
فقال: جمعت مسائل هذا الكتاب رجاء، أي لرجائي أن يكون سببًا لرشاد المستفيدين.
فرجاء: مفعول له علة لقوله: جمعته.
قال صاحب المحكم: الرشد والرشد والرشاد نقيض الغي.
وقال الهروي: إن معنى الثلاثة الهدى والاستقامة.
وأرشده إلى أمر هداه، أي جمعت مسائل هذا الكتاب رجاء كونه هداية إلى المقاصد والمطالب لمن هو بصدد استفادة أصول الفقه، وقد حقق الله - تعالى - رجاءه بمنه وكرمه ولم يرد بالسبب حقيقته.
وعطف قوله: "ونجاتي يوم الدين" على قوله: "لرشاد"، أي جمعته
[ ١ / ٢٧٤ ]
"لرجائي" أن يكون سببًا لنجاتي أي: خلاصي يوم القيامة، وهو يوم الجزاء، ووسيلة إلى الله تعالى ونفع الآخرة لا للدنيا لحقارتها.
والله تعالى حقيق بتحقيق رجاء الراجين استئناف أو حال.
ورجاء ممدود وأكثر ما يستعمل في الطمع أي: أنا رجوت من الله تعالى هذا المطلوب.
والحال أنه تعالى واسع جوده وعميم كرمه لائق به، وجدير له أن يحصل مرجوي ومرجو جميع المرتجين منه (ويعطيهم سؤالهم)، تقول هو حقيق بهذا الأمر أي جدير به، يعني أنه متصف بالقدرة عليه، فإنه الكريم الذي لا يخيب سائله، والجواد الذي لا يمنع المحتاجين نائله.
ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة (﵁): "أنا
[ ١ / ٢٧٥ ]
عند ظن عبدي بي".
زاد ابن حبان من حديث واثلة بن الأسقع: "فيظن بي ما شاء".
وظني فيه تعالى أن يعاملني وأحبائي بما يليق بكرمه ورحمته تعالى.
ووصله الله تعالى بحقيق لم ترد من جهة الشرع، فينبني على أن الأسماء توقيفية أم لا؟
[ ١ / ٢٧٦ ]
ومذهب الشيخ: الأول كذا قيل.
وروي أن بعض أهل البصرة رأى في المنام أنه سأل المصنف - رحمه الله تعالى - بعد وفاته كيف وجدت سكرات الموت؟
قال: ما وجدته، فإني كنت متأملًا في مسألة فوجدت نفسي في الجنة.
هذا رجائي يا أرحم الراحمين.
[ ١ / ٢٧٧ ]
أصول الفقه
مفرداته: الأصول، والفقه، (ولابد في معرفة المركب من معرفة مفرداته من حيث يصح تركيبها.
وأصول الفقه مركب إضافي دال على معنى، فلابد من معرفة مفرداته، أعنى هذين اللفظين) (الدالين على معنى) من حيث تصح الإضافة بينهما.
والأصل في اللغة: ما يبنى عليه الشيء.
[ ١ / ٢٧٨ ]
ويقال في الاصطلاح: للراجح وللمستصحب وللقاعدة الكلية وللدليل (وللصورة المقيس عليها)
والفقه سيجيء تعريفه.
فأصول الفقه: أدلة العلم من حيث هي أدلته، ونقل هذا المركب
[ ١ / ٢٧٩ ]
الإضافي الذي معناه أدلة الفقه من حيث هي أدلته، وجعل في العرف علمًا للعلم بالقواعد المذكورة، في قوله: معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد.
فقوله: معرفة: جنس، والمراد بها الاعتقاد الجازم المطابق، أو الملكة التي هي مبدأ تفاصيل القواعد الثلاث.
والقواعد هي: القضايا الكلية التي تنطبق على جزئياتها عند تعرف أحكامها.
[ ١ / ٢٨٠ ]
وأدلة الفقه جمع مضاف، فيعم الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها، فخرج معرفة غير الأدلة كالفقه، وأدلة غير الفقه كأدلة الكلام، ومعرفة بعض أدلة الفقه، فإنه جزء من أصول الفقه لا أصول الفقه.
والمراد من معرفة الأدلة أن يعلم أن الكتاب والسنة والإجماع والقياس أدلة يحتج بها وأن الأمر مثلًا للوجوب.
[ ١ / ٢٨١ ]
ودلائل جمع دليل كما جمعوا وصيدًا على وصائد، وسليلًا على سلائل، حكاه أبو حيان في الارتشاف.
ويجوز أن يكون جمع دلالة، كرسائل ورسالة.
والمشهور أن جمع دليل هو أدلة، والدليل فعيل بمعنى فاعل من الدلالة وهي أعم من الإرشاد والهداية.
وهو في اصطلاح الأصوليين: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.
وقوله إجمالًا: أي معرفة الأدلة من حيث الإجمال ككون
[ ١ / ٢٨٢ ]
الإجماع: حجة.
وقوله: وكيفية: عطف على دلائل أي ومعرفة كيفية استفادة الفقه من تلك الدلائل، أي استنباط الأحكام الشرعية منها، وذلك يرجع إلى معرفة شرائط الاستدلال كتقديم النص
على الظاهر، فلابد من معرفة تعارض الأدلة، ومعرفة الذي به الترجيح.
[ ١ / ٢٨٣ ]
وجعل من أصول الفقه، لأن المقصود من معرفة أدلة الفقه استنباط الأحكام، وهو متوقف على الترجيح بعد التعارض إذ هي ظنية، والمطلوب قابل للتعارض محتاج إلى الترجيح.
وقوله: وحال المستفيد: عطف على دلائل، أي ومعرفة حال المستفيد، وهو طالب حكم الله تعالى فيدخل المجتهد والمقلد إذ المجتهد يستفيد الأحكام من الأدلة، والمقلد منه.
وأشار بذلك إلى شرائط الاجتهاد وشرائط التقليد (كذا قيل).
وكان من أصول الفقه؛ لأن الأدلة الظنية ليس بينها وبين مدلولها ربط عقلي لجواز عدم دلالته عليه فاحتيج إلى رابط وهو
[ ١ / ٢٨٤ ]
الاجتهاد.
فائدة: كل علم له موضوع ومسائل.
فموضوعه هو ما يبحث في ذلك العلم عن الأحوال العارضة له:
ومسائله هي تلك الأحوال، فموضوع أصول الفقه هو الأدلة؛ لأنه يبحث فيه عن الأحوال العارضة لها من حيث دلالتها على الأحكام.
ومسائله: هي معرفة الأدلة باعتبار ما يعرض لها.
وهذا الأخير هو الواقع في الحد، لا الأول.
[ ١ / ٢٨٥ ]
قال العراقي ما حاصله: أن حمل المستفيد في كلام المصنف على المجتهد والمقلد ضعيف، فإن الفقه ليس موقوفًا على التقليد، ولا يسمى علم المقلد فقهًا، فليست معرفته من أصول الفقه، نعم، إذا علم المجتهد علم أن سواه مقلد، فمعرفته ليست مقصودة بل تحصل تبعًا.
(وأورد عليه: أن حده غير مانع لدخول التصور تحته.
وأورد أيضًا: أن تعبيره بالمعرفة يقتضي فقدان أصول الفقه عند فقدان العارف به، وليس كذلك.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وأجيب عن الثاني بالتزامه، فقد جعل النبي - ﷺ - ذهاب العلماء ذهابًا للعلم.
وأيضًا: الفقه كما يتفرع عن دليله، يتفرع عن العلم بدليله).
والفقه لغة: الفهم.
واصطلاحًا: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها
[ ١ / ٢٨٧ ]
التفصيلية.
فقوله: العلم جنس، وخرج بالأحكام العلم بالذوات والصفات والأفعال؛ لأن الأحكام هي القضايا، والنسب التامة.
[ ١ / ٢٨٨ ]
والمراد بالشرعية: المأخوذة من الشرع المبعوث به النبي - ﷺ - وقوله العملية: أي المتعلقة بكيفية عمل قلبي أو غيره.
كالعلم بأن الوتر مندوب.
فخرج بالشرعية: العقلية، وبالعملية: العلمية أي الاعتقادية
[ ١ / ٢٨٩ ]
كالعلم بأن الله تعالى واحد، واللغوية، والحسابية.
والألف واللام في الأحكام يجوز أن تكون للجنس ولا يدخل المقلد لأن المراد بالعلم بالأحكام ما يقابل الظن.
وبالأدلة التفصيلية: الأمارات التي تفيد الظن
[ ١ / ٢٩٠ ]
وأن العمل بموجب الظن واجب قطعًا على المجتهد دون المقلد، لا بمعنى أن الفقه عبارة عن العلم (بموجب العلم) بل بمعنى أنه يجب عليه الجزم بوجوب ما دلت الأمارة على وجوبه، وحرمة ما دلت الأمارة على حرمته.
وهكذا فالمجتهد هو الذي يفضي به ظنه الحاصل من الأمارة إلى العلم بالأحكام بهذا المعنى، بخلاف المقلد فإن ظنه لا يصير وسيلة إلى العلم.
وفي هذا إشارة إلى جواب القاضي أبي بكر الآتي:
ويجوز أن تكون للاستغراق ولا يخرج بعض المجتهدين، إذا لم يحط
[ ١ / ٢٩١ ]
بالكل؛ إذ المراد بالعلم بالجميع: التهيؤ له وهو أن يكون عنده ما يكفيه في استعلام الجميع من المآخذ والأسباب والشروط فيرجع إليه ويحكم، وعدم العلم في الحالة الراهنة لا ينافيه لجواز أن يكون ذلك لتعارض الأدلة، أو لعدم التمكن من الاجتهاد في الحال.
وإطلاق العلم على مثل هذا شائع في العرف، وهذا ما يقال: إن العلم عبارة عن ملكة يقتدر بها على إدراكات جزئية.
وقوله: المكتسب: صفة للعلم، وأخرج به علم الله تعالى والنبي وجبريل ﵉.
[ ١ / ٢٩٢ ]
وقوله التفصيلية: خرج به العلم بذلك المكتسب للجدل من المقتضى والنافي المثبت بهما، ما يأخذه من الفقه ليحفظه عن إبطال خصمه، وكذا علم المقلد.
وتعبير المصنف في تعريف الأصول بالمعرفة، وفي الفقه بالعلم، كأنه حاول به التنبيه على أن المراد بالمعرفة والعلم واحد لا كما اصطلح عليه البعض من التفرقة بينهما.
[ ١ / ٢٩٣ ]
قال الجوهري: علمت الشيء أعلمه علمًا: عرفته.
قال العراقي: وقد وقع إطلاق المعرفة على الله تعالى في كلام النبي - ﷺ - وأقوال الصحابة، وكلام أهل اللغة، ثم بسطه.
ثم أورد المصنف على حد الفقه إشكالًا فقال:
وقيل: الفقه من باب الظنون؛ لأنه مستفاد من الأدلة السمعية
[ ١ / ٢٩٤ ]
فيكون مظنونًا؛ لأن الأدلة السمعية كيفما كانت لا تفيد إلا الظن.
وما كان مقطوعًا منها فمن ضروريات الدين فليس بفقه، فالفقه إذًا مظنون فلا يصح أن يقال: الفقه العلم بالأحكام بل الظن.
قلنا جوابًا عن هذا الإشكال: لا نسلم كون الفقه ظنيًا بل هو قطعي؛ لأن المجتهد إذا ظن الحكم حصل له مقدمة قطعية، مثلًا:
[ ١ / ٢٩٥ ]
إذا غلب على ظنه انتقاض الوضوء بالمس حصل له مقدمة قطعية، وهي: انتقاض الوضوء مظنون، وأشار إليها بقوله: إذا ظن، ولنا مقدمة أخرى قطعية، وهي كل مظنون يجب عليه العمل به.
وأشار إليها بقوله: وجب عليه الفتوى والعمل به، فينتج انتقاض الوضوء يجب عليه العمل به، وهذه النتيجة قطعية؛ لأن المقدمتين قطعيتان.
الأولى وجدانية والثانية للدليل القاطع على وجوب إتباع الظن. فالحكم مقطوع به.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وقد اختلف في الدليل القاطع.
فقيل: هو الإجماع على أن كل مجتهد يجب عليه العمل والإفتاء بما ظنه.
قيل: وفيه نظر: فإن الإجماع ظني.
وقيل: هو الدليل العقلي، لأن الظن هو الطرف الراجح من الاحتمالات فالطرف المقابل له مرجوح، والعمل بهما، يلزم منه اجتماع النقيضين، وتركهما بالعكس، والعمل بالمرجوح خلاف العقل، فتعين العمل بالراجح. وهو الظن.
وفيه نظر: فإنه إنما يجب العمل به، أو بنقيضه، إذا ثبت بدليل قاطع أن كل فعل يجب أن يتعلق به حكم شرعي.
وليس كذلك، فيجوز أن يكون عدم وجوبه بسبب عدم الحكم الشرعي، فيبقى الفعل على البراءة الأصلية كحاله قبل الاجتهاد، وكحاله
[ ١ / ٢٩٧ ]
عند الشك.
وأجيب عنه: بأنه لابد من دليل قاطع على إتباع الظن دفعًا للتسلسل أو إثبات الظن بنفسه.
وذلك القاطع إما إجماع وحده، وإما مع قرائن تحف به.
وقد مر (تحقيق جواب الشبهة).
وقوله: "والظن في طريقه" أشار إلى أن الظن، وإن كان واقعًا في المقدمتين فإنه قد وقع التصريح به في محمول الصغرى، وموضوع الكبرى، فلا يضر في قطعيتهما؛ لأن المعتبر في كون المقدمة قطعية أو ظنية إنما هو النسبة الحاصلة فيها سواء كان الطرفان قطعيين أو ظنيين، أو أحدهما وقد تقدم أن النسبتين قطعيتان.
[ ١ / ٢٩٨ ]
(وأورد على الحد أيضًا: أنه غير مانع لدخول التصور تحته؛ لأن العلم ينقسم إلى تصور وتصديق، ولم يأت بعد ذلك بما يخرجه والفقه تصديق لا تصور.
وأجيب: بأن التصور خرج بقوله: "بالأحكام" فإن الحكم هو النسبة الخبرية.
قيل: وإن أراد المصنف بالحكم هنا: إنشاء الأمر والنهي والتخيير كما هو الموافق لتعريفه له بالخطاب. وهذا قد يتعلق به العلم على وجه التصور، فيخرج التصور بقوله: "المكتسب من أدلتها التفصيلية" فإن التصور مكتسب من التعريفات لا من الأدلة.
وأورد أيضًا: أن الحكم يطلق على النسبة الخبرية، وعلى إنشاء الأمر
[ ١ / ٢٩٩ ]
ونحوه، ووقوع المشترك في التعريف ممتنع.
وأجيب بجوازه إذا دلت قرينة على المراد، كما صرح به الغزالي في مقدمة المستصفى.
والقرينة هنا موجودة، فإن العلم متعد إلى مفعولين ولا يجوز دخول الباء على مفعوله إلا إذا تضمن نسبة بنفي أو إثبات، فلما دخلت الباء مع لفظ "العلم" الذي ظاهره التعدي إلى مفعولين مع لفظ "الحكم" الذي هو ظاهر في النسبة كان ذلك قرينة في أن المراد بالأحكام ثبوتها لا تصورها.
وأورد أيضًا: أن لفظ الفقه بهذا التعريف لا يتناول إلا علم المجتهد. فمقتضاه:
[ ١ / ٣٠٠ ]
أنه إذا وقف على الفقهاء يختص به المجتهدون، وليس كذلك.
وأجيب: بأن هذا اصطلاح خاص فلا يلتفت إليه في الألفاظ فإن المرجع فيها إلى اللغة والعرف العام.
وإلى هذا أشار المتولى بقوله: إنه "يرجع فيه إلى العادة".
[ ١ / ٣٠١ ]
ونظر في جواب المصنف عن شبهة القاضي فإن النزاع في أن الحكم الغالب على ظن المجتهد هل هو مقطوع به، ولم يقم الدليل عليه، وإنما أقامه على القطع بوجوب العمل بالحكم المظنون، ولا يلزم منه إذًا قطع بالحكم، فإن سلم فلا يدل على أنه معلوم؛ إذ العلم أخص من القطع، إذ المقلد قاطع وليس بعالم.
وقد يقال: إذا كان وجوب العمل بدليل قاطع، فإنه يلزم منه العلم، كما مر) ودليله أي دليل الفقه المتفق عليه بين الأئمة الأربعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
والمختلف فيه الاستصحاب والاستحسان والأخذ بالأقل وغيره مما سيجيء إن شاء الله تعالى.
والمقصود من هذه الأدلة استنباط الأحكام الخمسة ليتمكن من
[ ١ / ٣٠٢ ]
إثباتها ونفيها.
والحكم على الشيء فرع عن تصوره فاحتاج الأصولي إلى تصور الأحكام، فلذا قال ولابد للأصولي من تصور الأحكام ليتمكن من إثباتها ونفيها.
لا جرم: أي لأجل ذلك رتبناه، أي المنهاج، على مقدمة - وهي بكسر الدال - مثل اسم مقدمة الجيش، أي للجماعة المتقدمة منه، من قدم اللازم بمعنى تقدم - وبفتحها - اسم لمقدمة الرجل في لغة: من قدم المتعدى.
ومقدمة الكتاب على ما يذكر فيه قبل الشروع في المقاصد، لارتباطها به.
وسبعة كتب في المقصود بالذات، خمسة في مباحث أدلة الفقه،
[ ١ / ٣٠٣ ]
وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والأدلة المختلف فيها، والكتاب السادس في التعادل والتراجيح بين هذه الأدلة عند تعارضها،
[ ١ / ٣٠٤ ]
والسابع في الاجتهاد الرابط لها بمدلولها، وما يتبعه من التقليد وأحكام المقلدين.
تنبيه: قوله: لا جرم: إما متفرع على تعريف أصول الفقه، أي لأجل أن أصول الفقه لما كان عبارة عن المعارف الثلاث.
أو على قوله: ودليله المتفق عليه - إلى آخره (كذا قيل.
والأولى: أن يكون متفرعًا على تعريف أصول الفقه، وعلى قوله: ولابد للأصولي من تصور الأحكام).
قال الفراء: معنى لا جرم في الأصل، لابد ولا محالة، ثم استعمل بمعنى حقًا، فيجرى مجرى القسم.
[ ١ / ٣٠٥ ]
ويجاب باللام، فيقال: لا جرم لأفعلن لكنه لم يجرها هنا مجرى القسم، بل قصد به مجرد التأكيد.
كأنه قيل: رتبنا هذا الكتاب على كذا، ولابد من هذا الترتيب.
وقوله رتبناه: يصلح للفاعلية على قول الكوفيين في مجيء الفاعل جملة.
وعلى قول ابن مالك في مجيء الفاعل مؤولًا بالمصدر، وإن لم تكن معه أن.
[ ١ / ٣٠٦ ]
(أما المقدمة: ففي الأحكام ومتعلقاتها أي في بيان مفهوماتها الشرعية وأقسامها وأحكامها، ومعرفة الحاكم والمحكوم عليه وبه).
وفيها بابان:
* * *
[ ١ / ٣٠٧ ]