اللفظ) ووقف عباده عليه، أي: أعلمهم بها، إما بالوحي أو بخلق أصوات تدل عليها وأسمعها
لواحد أو جماعة.
أو بخلق علم ضروري بها، لقوله تعالى: ﴿وعلم آدم
[ ٢ / ١٩٠ ]
الأسماء كلها﴾ دل على تعليمه- تعالى- الأسماء لآدم (ﷺ).
وهو ظاهر في أنه الواضع دون البشر.
وكذلك الأفعال والحروف، إذ لا قائل بالفصل.
ولأن التعلم وهو الغرض يعسر بدونهما، ولأنهما أسماء في اللغة والتخصيص اصطلاح طرأ.
ولقوله تعالى: ﴿ما أنزل الله بها من سلطان﴾.
[ ٢ / ١٩١ ]
ولو لم تكن توقيفية لما ذمهم.
ولقوله تعالى: ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾.
والمراد اللغات بالاتفاق؛ إذ لا كثير اختلاف في «العضو»، وإذ بدائع الصنع في غيره أكثر.
فلولا أن توقيفي لما من.
ولأنها- أي: اللغات- لو كانت اصطلاحية لاحتاج الواضع في تعليمها لغيره إلى اصطلاح آخر، وذلك الاصطلاح الآخر لا يفيد
[ ٢ / ١٩٢ ]
لذاته، فلابد من اصطلاح آخر وهكذا ويتسلسل.
وهذا لا يثبت مذهب الشيخ، بل يبطل مذهب الاصطلاح فقط.
وأيضًا: لو كانت اصطلاحية لجاز التغيير في الاصطلاح.
كأن يصطلح المتأخرون على غير ما اصطلح عليه من قبلهم، إذ لا حجر في الاصطلاح.
فجاز أن يكون المراد بالصلاة والزكاة في زماننا غير ما اصطلح عليه في زمن الرسول، ﷺ، فيرتفع الأمان عن الشرع.
وأجيب بأن الأسماء سمات الأشياء، أي: علاماتها
[ ٢ / ١٩٣ ]
وخصائصها، مثل أن علمه أن الخيل للكر والفر، والجمال للحمل، والثيران للزرع.
والضمير في ﴿عرضهم﴾ لا يصلح للأسماء إلا إذا أريد به المسميات، مع تغليب ذوي العقول على غيرهم.
سلمنا أن الأسماء هي اللغات، لكن يجوز أن تكون الأسماء قد وضعها طائفة أخرى غير بني آدم من الجن، أو غيرهم.
وإليه أشار بقوله: «أو ما سبق وضعها».
ولك أن تقول: التعليم للأسماء، والضمير للمسميات، وإن لم يتقدم لها ذكر في اللفظ للقرينة الدالة عليها.
[ ٢ / ١٩٤ ]
ويدل على أن التعليم للأسماء قوله تعالى: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء﴾. ﴿فلما أنبأهم بأسمائهم﴾.
فأضاف الأسماء إلى المسميات، فدل على أنه ليس المراد بها المسميات أنفسها، بل الألفاظ الدالة عليها.
فلو كان التعليم للمسميات لما صح الإلزام بطلب الإنباء بالأسماء، ثم إنباؤه بنفسه بالأسماء.
وقوله: «أو ما سبق وضعها»، خلاف الظاهر؛ لأن الأصل عدم وضع سابق. لا يقال: يجوز أن يراد بالتعليم الإلهام بأن يضع نحو: ﴿وعلمناه صنعة لبوس﴾؛ لأن المتبادر من تعليم الأسماء:
[ ٢ / ١٩٥ ]
تعريف وضعها لمعانيها.
فاحتمال الإلهام: احتمال مرجوح فلا ينافي الظهور، بل من لوازمه.
والتحقيق أن النزاع إن كان في الظهور، فالحق ما قال الشيخ.
وإن كان المطلوب هو اليقين فالحق ما قاله المصنف تبعًا للقاضي أبي بكر الباقلاني من التوقف وهو مبين في الشرح.
والذم في قوله تعالى: ﴿إن هي إلا أسماء﴾ للاعتقاد أي: لإطلاقهم لفظ الآلهة على الصنم مع اعتقادهم أنها آلهة.
إذ اللات والعزى ومناة أعلام على أصنام، فقرينة اختصاها بالذم دون سائر الأسماء دليل عليه.
[ ٢ / ١٩٦ ]
والتوقيف يعارضه الإقدار.
بيانه: أن الألسنة وإن كانت مجازًا عن اللغات لكن كون اختلافها من آيات الله تعالى لا يدل على أن جهة كونه آية، توقيف الله عليها، وتعليمها إيانا بعد الوضع لجواز أن يكون بتوفيق الله تعالى إيانا لوضعها، وإقدارنا عليه، فإن الجهتين سواء.
بل لا يبعد أن تكون الثانية أولى لكونها أدل على كمال القدرة وبديع الصنع.
ولا نسلم أنها لو كانت اصطلاحية لا تحتاج في تعليمها إلى اصطلاح آخر، بل يحصل التعليم بالترديد والقرائن، كما للأطفال، أي
[ ٢ / ١٩٧ ]
بترديد اللفظ، وهو تكراره مرة بعد مرة، مع القرائن كالإشارة إلى المسمى وبهذه الطريقة تعلمت الأطفال.
ولا نسلم ارتفاع الأمان عن الشرع، والتغيير لو وقع لاشتهر لكونه أمرًا مهمًّا تتوفر الدواعي على نقله إلينا لكنه لم يشتهر فلا يكون واقعًا.
وقال أبو هاشم: الكل مصطلح، أي مجموع الألفاظ إنما هي بوضع البشر، وإلا أي: لو كانت بوضع الله- تعالى- فالتوقيف منه للعباد على اللغات إما (أن يحصل) بالوحي ولا يتصور إلا بالإرسال فتتقدم البعثة على معرفة اللغات، وهي أي البعثة متأخرة لقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾
[ ٢ / ١٩٨ ]
أي: بلغتهم، فدل على سبق اللغات الإرسال.
فلو كانت توقيفية بالوحي (لم تكن) سابقة على الإرسال، بل متأخرة، واللازم باطل، بدليل الآية.
أو التوقيف بخلق علم ضروري في عاقل، بأن الله تعالى وضعها لهذه المعاني، وهو باطل؛ إذ يلزمه معرفة الواضع فيعرفه تعالى ضرورة، فلا يكون مكلفًا بمعرفته تعالى لحصولها.
وحينئذ لم يكن مكلفًا بشيء، إذ لا قائل بالفرق مع أنه مكلف لما ثبت أن كل عاقل مكلف، أو في غيره أي غير عاقل وهو بعيد جدًا.
فلو لم يقطع بعدمه، فلا أقل من مخالفته للظاهر، فإذا انتفت طرق التوقيف، انتفى التوقيف، وثبت الاصطلاح.
[ ٢ / ١٩٩ ]
وأجيب: بأنه ألهم العاقل بأن واضعًا ما وضعها من غير تعيين، ولا يخلو فيه أن الواضع الله ﷾، فلا يلزم من كونه خلقها في عاقل أن يعرف الله تعالى ضرورة.
وإن سلم أن العلم بالوضع يتوقف على معرفة الواضع على التعيين، حتى يكون عارفًا بالله- تعالى- فلا يلزم من كونه غير مكلف بمعرفة الله- تعالى- أن لا يكون مكلفًا مطلقًا.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
كما أشار إليه بقوله: «لم يكن مكلفًا بالمعرفة فقط».
وفي هذا الجواب مناقشة: إذ لا يبعد أن يقال: الاتفاق على خلافه كما مر في الدليل.
والأحسن في الجواب: أنا لا نسلم أن التوقيف بالوحي لا يتصور إلا بالإرسال.
نعم توقيف قوم الرسول، وتعليمهم متوقف عليه.
وأما توقيف الرسول فيكفي فيه الوحي والإعلام من الله تعالى.
هذا ودلالة الآية على سبق اللغات إنما هو في حق الرسول الذي له قوم، فآدم مخصوص من ذلك، إذ لا قوم له عند البعثة.
[ ٢ / ٢٠١ ]
وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: ما وقع به التنبيه إلى الاصطلاح توقيفي، والباقي مصطلح؛ لأنه لو لم يكن القدر المحتاج إليه في الاصطلاح توقيفيًّا لكان اصطلاحيًّا، واحتاج في تعليمه إلا اصطلاح آخر وتسلسل.
والجواب: أنه يعرف بالترديد والقرائن كما سبق في جواب أدلة الشيخ فلذا تركه المصنف اكتفاء بما تقدم.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
ولما أبطل أدلة الفرق كما زعم، تعين عنده الوقف وقد علمت ما فيه.
ونقل عن الأستاذ غير ذلك.
وطريق معرفتها أي اللغات قسمان:
الأول: النقل المتواتر في الذي لا يقبل التشكيك، كالأرض والسماء. وفي غيره، الآحاد.
الثاني: استنباط العقل من النقل، كما إذا نقل أن الجمع
[ ٢ / ٢٠٣ ]
المعرف باللام يدخله الاستثناء.
ومعلوم أنه- أي: الاستثناء-: إخراج ما يجب اندراجه في المستثنى منه فيحكم بعمومه، أي: يحكم بأن الجمع المعرف باللام يجب أن يكون متناولًا له ولغيره وهو معنى العموم.
فكون صيغ الاستثناء للإخراج، ثبت بالنقل لا العقل.
والضميمة العقلية: هي أن كل ما يدخله الاستثناء يجب أن يعم المستثنى منه.
فيحكم العقل بواسطة هاتين المقدمتين أن الجمع المعرف للعموم.
وأما العقل الصرف أي: الخالص، فلا يجدي، أي: لا ينفع في معرفة اللغات؛ لأن وضع لفظ لمعين من الممكنات، والعقل لا يستقل بها.
[ ٢ / ٢٠٤ ]