"تعريفه:
لغةً: المنعُ.
واصطلاحًا: اللَّفظُ المُستعملُ لطلبِ التَّركِ على وجهِ الاستِعلاءِ.
فهوَ من قسمِ (الخاصِّ) من جهةِ أنَّه أُريدَ بهِ شيءٌ خاصٌّ هو (طلبُ التَّركِ) .
* صيغته:
ولهُ صيغةٌ واحدةٌ صريحةٌ، هي: الفِعلُ المضارعُ المجزومُ بـ (لام) النَّاهية، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] .
وتقدَّم في الكلام في (الأحكامِ) ذكرُ صِيغٍ غير صريحةٍ في النَّهي دالَّةٍ عليه في مبحثِ (الحرام)، والَّذي يعنِينا هُنا صيغةُ النَّهي اللَّفظيَّةُ الإنشائيَّةُ، وهي هذه الصِّيغةُ فقطْ.
* دلالته:
تدلُّ صيغةُ (النَّهي) الوارِدةُ في خطابِ الشَّارعِ للمكلَّفينَ على حقيقةٍ واحدةٍ هي التَّحريمُ، ولا يصارُ إلى سواهَا إلاَّ بقرينةٍ.
هذا مذهبُ عامَّةِ العلماءِ المُقتدى بهم في الدِّينِ أصحابِ النَّبي - ﷺ -
[ ٢٥٢ ]
ومن بعدَهُم، وفيهم الأئمَّةُ الأربعةُ الفُقهاءُ.
قاعدته:
النَّهيُ للتَّحريمِ حتَّى يُصرفَ عنهُ بقرينةٍ.
دليلُ القاعدَةِ:
١ـ قولهُ تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] .
وجهُ الدَّلالةِ: أنَّ الله تعالى أمرَ بالانتِهاءِ عمَّا نهى عنهُ رسولُه - ﷺ -، وتقدَّم أنَّ الأمرَ للوُجوبِ حقيقةً واحدَةً، فدلَّ أن ترك المنهيِّ عنهُ على سبيلِ الحتْمِ والإلزامِ بالتَّركِ.
٢ـ جرى أُسلوبُ الشَّرعِ على حِكايةِ المحرَّماتِ بصيغةِ النَّهيِ حتَّى اطَّرد ذلك اطِّرادًا بيِّنًا، والنُّصوص فيه فوق الحصرِ، من ذلكَ قوله تعالى: الآيات ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١ـ ١٥٣] .
٣ـ حديثُ أبي هريرةَ ﵁: عن النَّبيِّ - ﷺ - قالَ: «دَعوني ما تركتُكُم، إنَّما أهلَكَ من كانَ قبلكُم سُؤالُهُم واختلافُهُم على أنبيائِهِم، فإذا نهيتُكُمْ عن شيءٍ فاجتنبُوهُ، وإذا أمرتُكمْ بأمرٍ فأْتُوا منهُ
[ ٢٥٣ ]
ما استَطَعْتُم» [متفقٌ عليه] .
وجهُ الدلالةِ: أنَّ تركَ المنهيِّ عنه لم يُعلَّق باستِطاعةٍ كما عُلِّق بها فعلُ المأمورِ، لأنَّ الشَّأن في التَّركِ والاجتنابِ أيسرُ في التَّكليفِ من تكلُّفِ الفعلِ، والأمرُ للوجوبِ، والأمرُ بالتَّركِ بصيغةِ الاجتنابِ أبلغُ من مجرَّدِ النَّهي عنهُ، ممَّا دلَّ على تغليظِ شأنِ المنهيِّ عنه، وهذا لا يكونُ في المكروهِ الَّذي غايتُهُ أنَّ فعلهُ تركٌ للأولى، لا فعلًا للحرامِ.
٤ـ فاعلُ المنهيِّ عنه لا يختلفُ أهلُ اللِّسانِ أنَّه عاصٍ بمجرَّدِ فعلهِ ذلك، فإنَّ الأميرَ لوقال لرعيَّته: (لا تفعلوا كذا) فواقعهُ أحدٌ منهم وُصفَ بالمخالفةِ واستحقَّ العقوبةَ، وإذا تصوِّر هذا في حقِّ نهي المخلوقِ، فهو أبينُ في حقِّ نواهي الله عزَّوجلَّ في كتابهِ وعلى لسانِ نبيِّه - ﷺ -.
مثالٌ لصرفِ النَّهي عن حقيقته الَّتي هي التَّحريمُ بقرينةٍ:
عنِ البراء بن عازبٍ ﵁ قالَ: سُئلَ رسولُ الله - ﷺ - عن الصَّلاةِ في مباركِ الإبلِ؟ فقالَ: «لا تُصلُّوا في مباركِ الإبلِ، فإنَّها من الشَّياطينِ»، وسئلَ عن الصَّلاةِ في مرابِضِ الغَنَمِ؟ فقالَ: «صلُّوا فيها فإنَّها بركةٌ» [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أبوداودَ وغيرُهُ] .
فهذا النَّهيُ ليسَ على سبيلِ التَّحريمِ، والقرينَةُ الصَّارفةُ له عن ذلك من وجهينِ:
[ ٢٥٤ ]
[١] الأمرُ بالصّلاةِ في مباركِ الغنمِ على سبيلِ النَّدبِ من جهةِ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - حثَّ عليها للبركَةَ فيها، وطلبُ البركةِ مندوبٌ إليه ليسَ بواجبٍ، ولذا لم يُعلمُ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - اتَّخذ من مباركِ الغنمِ موضعًا لصلاتِهِ، فلمَّا خرج النَّهيُ عن الصَّلاةِ في مباركِ الإبلِ نفسَ مخرجِ الأمرِ دلَّ على أنَّ قدرهُ في الحكمِ على المُقابلةِ لقدرِ الصَّلاةِ في مباركِ الغنمِ، فلمَّا كانَ هناكَ النَّدبُ فيُقابلهُ الكراهةُ.
[٢] قوله - ﷺ -: «وجُعلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا» [متفقٌ عليه]، فجعلَ جميعَ الأرضِ صالحةً للصَّلاةِ، وجاءَ الاستثناءًُ من هذا العمومِ في دليلٍ آخرَ وهو قولهُ - ﷺ -: «الأرضُ كلُّهَا مسجدٌ إلاَّ الحمَّامَ والمقبرةَ» [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أحمد وأبوداود وغيرهما من حديثِ أبي سعيدٍ الخدُريِّ]، وليس في الاستثناءِ مباركُ الإبلِ، فدلَّ على أنَّ النَّهيَ عن الصَّلاةِ فيها ليسَ على التَّحريمِ، إنَّما هو على الكراهَةِ.