* النَّبيُّ - ﷺ - كان المبلغُ لأمَّتِهِ عن الله تعالى شرائعَ الدِّنِ، فكانَ مصدرَ الأحكامِ وإليهِ سُلطةُ الفتوى بحكمِ أنَّه رسول الله، لكنَّه لم يستقلَّ بهذه الوظيفةِ فحسب، بلْ كانتْ لهُ سلْطةُ الحُكمِ والسِّياسةِ والإمامةِ، كما كانتْ لهُ سُلطةُ القضاءِ والفصْلِ بين الخُصوماتِ، وبهذه الاعتباراتِ جاءتْ تصرُّفاتُهُ من الأقوالِ والأفعالِ والتَّقريرَاتِ على وجُوهٍ أربعةٍ جديرٌ بالفقيهِ مُلاححَظَتُها، هيَ:
١ـ تصرُّف مقطوعٌ بكونه صدرَ منهُ - ﷺ - بمقتضى الحُكِ والسِّياسَةِ.
مثلُ: إقطاعِ الأراضي، وإقامةِ الحُدُودِ، وقيادَةِ الجُيوشِ، وقسمَةِ
[ ١٣٧ ]
الغَنائمِ، وتوزيعِ أموالِ بيتِ المالِ في المصالحِ.
فهذا النَّوعُ لم يكُن يقعُ من أحدٍ إلاَّ بإذنهِ - ﷺ -، فهوَ حقٌّ للحاكمِ لا يؤذنُ فيه للأفرادِ بلا خلافٍ يُذكرُ بين أهلِ العلمِ.
٢ـ تصرُّفٌ مقطوعٌ بكونِهِ صدرَ منهُ - ﷺ - على وجهِ القضاءِ.
مثلُ إلزامِ الدُّيونِ، وتسليمِ الحقوقِ، وفسخِ الأنكِحةِ.
فهذا النَّوعُ لم يكُن يقعُ من النَّبيِّ - ﷺ - إلاَّ بحكمِ القضاءِ، وما كانَ يجرُؤ عليه أحدٌ بغير إذنهِ، فهو حقٌّ للقاضي لا يُؤذنُ فيه إلاَّ لمن كانتْ لهُ وِلايَةُ قضاءٍ بلا خلافٍ يُذكرُ عن أهلِ العلمِ.
٣ـ تصرُّفٌ مقطوعٌ بكونِه صدرَ منهُ - ﷺ - على وجهِ الإفتاءِ وبيانِ الشَّرائعِ لعُمومِ الأمَّةِ.
مثلُ: بيانِ أحكامِ العباداتِ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ ومناسكِ الحجِّ.
فهذا عامٌّ في حقِّ كلِّ فرْدٍ، لا يتوقَّفُ امتثالهُ على إذنِ حاكمٍ ولا قضاءِ قاضٍ، وهو الأصلُ الغالبُ فيما صدرَ عن النَّبيِّ - ﷺ - من السُّننِ.
٤ـ تصرُّفٌ صدر منهُ - ﷺ - ليسَ بصريحٍ في إرادَةِ واحدٍ من الوجوهِ المتقدِّمةِ، فهو يحتملُ الإلحاقَ بهذا أو ذاك منها، وهذا ممَّا وقعَ فيهِ اختلافُ العلماءِ.
وإليكَ ثلاثة أمثلةٍ لذلك:
[ ١٣٨ ]
[١] حديثُ جابرِ بن عبد الله ﵄: عن النَّبيِّ - ﷺ - قالَ: «منْ أحيَا أرضًا ميتةً فهيَ لهُ» [حديثٌ صحيحٌ أخرجه التِّرمذِيُّ وغيرُهُ] .
فمذهبُ مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمدَ وغيرهم: هذا تصرُّفٌ بالفُتيا، فلكلِّ أحدٍ حقٌّ في إحياءِ الأرضِ الميتةِ من غيرِ توقُّفٍ على إذنِ السُّلطانِ.
وخالفهُمْ أبُوحنيفةَ، فقالَ: هذا تصرُّفٌ بالحكمِ، فلا يحلُّ لأحدٍ إلاَّ بإذنِ الإمامِ.
[٢] حديثُ عائشةَ ﵂ قالتْ: يا رسول الله، إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ، لا يُعطيني من النَّفقةِ ما يكفينِي ويكفي بَنِيَّ، إلاَّ ما أخذْتُ من مالهِ بغيرِ علمِهِ، فهلْ عليَّ في ذلكَ من جُناحٍ؟ فقالَ رسول الله - ﷺ -: «خُذي من مالهِ بالمعروفِ ما يكفيكِ ويكفي بنيكَ» [متفقٌ عليه] .
فذهَبَ كثيرٌ من العُلماءِ إلى أنَّ هذا من النَّبيِّ - ﷺ - تصرُّفٌ بالفُتيا، فهوَ حكمٌ عامٌّ لكلِّ أحدٍ إنْ كانَ لهُ حقٌّ عندَ غيرِهِ فظفرَ بهِ أنَّ لهُ أن يأخذَهُ.
وذهبَ مالكٌ إلى أنَّ هذا تصرُّفٌ بالقضاءِ، وعليهِ اعتراضاتٌ ليسَ
[ ١٣٩ ]
هذا محلُّهَا.
[٣] حديثُ أبي قتادَةَ ﵁ قال: قال النَّبيُّ - ﷺ -: «من قتلَ قتيلًا لهُ عليهِ بيِّنةٌ سلَبَهُ» [متفقٌ عليه] .
هذا تصرُّفٌ بالإمامَةِ عند كثيرٍ من أهلِ العلم فلا يستحقُّ القاتلُ السَّلبَ إلاَّ بإذنِ الإمامِ، خلافًا للشَّافعيِّ، واختلفُوا: هلْ هو حقٌّ لازمٌ لهُ، فيكونُ ذلك من قبيلِ الفُتيا النَّبويَّةِ للحُكَّامِ والأئمَّةِ، أم يفعلُهُ الإمامُ سياسةً إنْ رأى مصلحةً تستدعيهِ؟ فذهبَ مالكٌ إلى أنَّهُ سياسةٌ يفعلُهُ الإمامُ إذا رأى، وذهبَ غيرُهُ إلى أنَّهُ حقٌّ له يُعطيهِ إيَّاهُ الإمامُ إذا جاءَ ببيِّنةٍ، في تفصيلٍ وبسْطٍ ليسَ هذا موضِعَهُ.