قدْ يردُ من الشَّارعِ ما يدلُّ على (قصرِ العامِّ على بعضِ أفرادِهِ) وهذا هو تخصيصُ العامِّ.
والمُخصِّصُ قسمانِ:
١ـ مخصَّصٌ متَّصلٌ:
وهو ما يأتي جزءًا من عبارَةِ النَّصِّ الَّذي وردَ فيهِ اللَّفظُ العامُّ، ويرجعٌ إلى أنواعٍ هي:
[١] الاستِثناءُ، وهوَ: إخراجُ بعضِ الجُملةِ من الجُملةِ بلفظِ (إلاَّ)
[ ٢٦٩ ]
أو ما أُقيمَ مقامه من الأدواتِ كـ (غير) و(سِوى) .
مثالُهُ: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤ـ ٥]، فكلُّهم فاسقونَ بذلكَ إلاَّ التَّائبينَ، فقصرَ الفِسقَ على غير التَّائبِ.
ومن شرْطِ صحَّةِ التَّخصيصِ بالاستثناء أن يكونَ مُتَّصلًا بالمستثنى منه لا منفصلًا عنه.
ولو جاءَ الاستِثناءُ منفصلًا في اللَّفظِ لكنَّه وقع في المجلسِ الَّذي ذُكر فيه العمُومُ، فهو في حُكمِ المتَّصلِ، مثلُ: حديثِ عبد الله بنِ عبَّاسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: «إنَّ الله حرَّم مكَّةَ فلم تحلَّ لأحدٍ قبلِي، ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي، وإنَّما أُحلَّتْ لي ساعةً من نهارٍ، لا يُختلَى خلاهَا، ولا يُعضَدُ شجرُهَا، ولا يُنفَّرُ صيدُهَا، ولا تُلتقَطُ لُقطَتَهَا إلاَّ لمُعرِّفٍ» وقال العبَّاسُ: يا رسول الله، إلاَّ الإذخرَ لِصاغَتِنَا وقُبورِنَا؟ فقالَ: «إلاَّ الإذخِرَ» [أخرجه البُخاريُّ] .
[٢] الشًّرطُ، ولهُ أدواتُه كذلكَ، مثلُ (إنْ) وغيرهَا.
مثالُهُ قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]، فالنِّصفُ مشروطٌ بعدَمِ الولَدِ.
[ ٢٧٠ ]
[٣] الصِّفةُ.
مثالهُ قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ وَبَنَاتُكُمْ حتى قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نسائكم اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالتَّحريمُ لعمومِ الرَّبائبِ بناتِ الزَّوجاتِ الموصوفاتِ بأنَّ أُمَّهاتهنَّ مدخولٌ بهنَّ، فقصر الوصفُ التَّحريمَ على بناتِ المدخول بهنَّ.
[ ٢٧١ ]
٢ـ مخصِّصُ منفصلٌ:
وهو ما يأتي مُستقلًاّ عن لفظِ (العامِّ) وهو أنواعٌ:
[١] الحسُّ:
كقوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، فالحسُّ قاضٍ بالمشاهَدَةِ أنَّ بشرًا لا يُمكنُ أن يُؤتَى من كلِّ ما يُسمَّى شيئًا، إنَّما يُمكِنُ أن يُؤتَى من كلِّ شيءٍ مقدُورٍ لهُ.
[٢] العقلُ:
كقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] أيْ: إلاَّ نفسَه، فهوَ سُبحانَهُ شيءٌ كما قالَ: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩]، إلاَّ أنَّ العُقولَ مُدركَةٌ أنَّه الخالقُ، والمخلوقَ غيرُهُ.
[٣] النَّصُّ:
وذلكَ بأن يرِدَ دليلُ التَّخصيصِ في آيةٍ أو حديثٍ غير الَّذي جاءَ بالعمُومِ، ويقعُ على أربعِ صُورٍ:
(١) تخصيصُ آيةٍ بآيةٍ، كتخصيصِ عُمومِ قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ
[ ٢٧٢ ]
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وبقوله عزَّوجلَّ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فخُصَّ من العمومِ المُطلَّقةُ غيرُ المدخولِ بها والمُطلَّقةُ الحاملُ.
(٢) تخصيصُ سُنَّةٍ بسنَةٍ، كتخصيصِ العمومِ في قوله - ﷺ -: «فيمَا سقتِ السَّماءُ العُشرُ» [أخرجه البخاريُّ من حديث ابن عمر] بقولهِ - ﷺ -: «ليسَ فيما أقلُّ من خمسةٍ أوسقٍ صدَقةٌ» [متفقٌ عليه من حديث أبي سعيدٍ]، فخصَّ وجوبُ الزَّكاةِ فيما سقتِ السَّماءُ بمقدَارِ النِّصابِ في الحديثِ الثَّاني الَّذي هو خمسَةُ أوسُقٍ (والوُسقُ: سِتُّون صاعًا من الثَّمرِ أو الحُبوبِ) .
(٣) تخصيصُ سُنَّةٍ بآيةٍ، كتخصيصِ عُمومِ قوله - ﷺ -: «أُمرتُ أن أُقاتلَ النَّاس حتَّى يشهدُوا أن لا إله إلاَّ الله وأنِّي رسول الله» [متفقٌ عليه]، بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
(٤) تخصيصُ آيةٍ بسُنَّةٍ، كتخصيصِ عُمومِ قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، بقولهِ - ﷺ -: «لا يُجمعُ بينَ المرأةِ وعمَّتهَا، ولا بينَ المرأةِ وخالتِهَا» [متفقٌ عليه من أبي هُريرةَ] .
[ ٢٧٣ ]
وتخصيصُ عُمُوم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، بقوله - ﷺ - في البحرِ: «هُوَ الطَّهورُ ماؤُهُ الحلُّ ميتَتُهُ» [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أصحاب السُّننِ] .
وتخصيصُ عمومِ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، بحديثِ ميمونَةَ أُمِّ المؤمنينَ ﵂ قالتْ: كانَ رسول الله - ﷺ - يُباشرُ نساءَهُ فوقَ الإزارِ وهُنَّ حُيَّضٌ [متفقٌ عليه، واللفظُ لمسلمٍ، وبمعناهُ كذلك في «الصحيحينِ» حديثُ عائشَةَ] .
وهذا فيهِ تخصيصُ القرآنِ بِفعلِ النَّبي - ﷺ -.
وتخصيصِ عُمومِ ما تُقطعُ به يد السَّارقِ في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، بقوله - ﷺ -: «لا تُقطعُ يدُ السَّارقُ إلاَّ في رُبع دينارٍ فصاعدًا» [متفقٌ عليه من حديث عائشة] .
والتَّخصيصُ بهذا الطَّريقِ مذهبُ جُمهورِ العلماءِ، وفيهم مالكٌ والشَّافعيُّ وأحمدُ، بل وأبوحنيفةَ ولو كانَتِ السُّنَّةُ خبرَ آحادٍِ، هذا الَّذي يذْكُرهُ الجصَّاصُ وهوعُمدَةٌ في تحقيقِ المذهبِ، لكنْ لهُم شرْطٌ خالفُوا فيه الجمهُورَ سيأتي التَّنبيه عليهِ.
[٤] القياسُ:
ويقعُ التَّخصيصُ بالقياسِ، مثالُهُ قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، العُمومُ في قوله:
[ ٢٧٤ ]
﴿الزَّانِيَةُ﴾ مخصُوصٌ بقوله تعالى في الإماءِ المملوكَاتِ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والقياسُ في إلحاقِ العبدِ بالأمَةِ بجامعِ الرِّقِّ في تنصيفِ العُقوبة، فيكونُ قياسُه عليهاَ مُخصَّصًا لعُمومِ لفظِ ﴿وَالزَّانِي﴾ .
ومثالُ التَّخصيصِ بالقياسِ الجليِّ أو قياسِ الأولَى المسمَّى بـ (مفهومِ الموافقةِ): قوله - ﷺ -: «ليُّ الواجِدُ يُحلُّ عرْضَهُ وعقُوبَتَهُ» [حديثٌ حسنٌ أخرجه أحمد وأبوداود وغيرهما من حديث الشَّريدِ بن سُويدٍ]، عامٌّ في ليَّ كلِّ واجدٍ، وهو القادرُ على قضاءِ دَينِه يتعمَّدُ تأخيرهُ، لكن خُصَّ من ذلك الوالدُ يكونُ عليهِ الدَّينُ لولدِه، فلم يحلَّ عِرضُهُ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فلم تَحلَّ عُقوبَتُهُ من بابِ أولَى، وهذِه دلالَةُ مفهومِ المُوافقةِ.
وهذا الطَّريقُ في التَّخصيصِ قال بِه أكثرُ المالكيَّةِ والشَّافعيَّة والحنابلَةِ، وهو الرَّاجِح.
[٥] العُرْف:
والمقصودُ به ما جرَتْ به العادَةُ من الأقوالِ والأفعالِ، فمذهبُ المالكيَّةِ التَّخصيصُ بهِ، وعُزِيَ إلى أبي حنيفَةَ، وردَّهُ الشَّافعيَّةُ والحنَابِلَةُ، وقالوا يخصُّ فقطْ بالعادَةِ الَّتِي كانتْ موجودَةً على عهدِ
[ ٢٧٥ ]
التَّشريع بعدَ وُرودِ اللَّفظِ العامِّ، لأنَّها من قبيلِ السُّنَّةِ التَّقريريَّة، أمَّا عاداتُ النَّاسِ وأعرافُهُم بعدَ التَّشريعِ فلا تخصُّ قرآنًا ولا سُنَّةً، لكنْ تحكمُ بها تصرُّفاتُهُم الموكولةُ إلى عادَاتِهِم.
ولا يُوجدُ لهذا الطَّريقِ مثالٌ صالحٌ فيه تخصيصُ النَّصِّ العامِّ بالعُرفِ.
*مسائل:
١ـ أقلُّ الجمعِ ثلاثَةٌ في قولِ جمهورِ أهلِ اللُّغةِ والفقهِوالأصولِ.
هذا هوَ الأظهرُ، والقولُ الآخرُ: أقلُّه اثنانِ، واستدلُّوا لهُ بأدلَّةٍ من الكتابِ كلُّها مؤوَّلةٌ ليسَ فيها ما يدلُّ على ذلكَ عند التّحقيقِ.
٢ـ العبرةُ بعُمومِ اللَّفظِ لا بخصُوصِ السَّببِ.
إذا ورَدَ اللَّفظُ العامُّ على سببٍ خاصٍّ فهو على عُمومِه حتَّى يدلَّ دليلٌ على إرادَةِ القصرِ على السَّببِ.
فكلُّ آيةٍ نزلَتْ جوابًا لسؤالِ أو فصلًا في واقعَةٍ، وكلُّ حديثٍ ورَدَ على نحو ذلكَ، فلا تأثيرَ لذلكَ السَّببِ في إجراءِ الحُكمِ على كُلِّ ما أفادَهُ لفظُ العُموم، وذلكَ كنزولِ آياتِ اللِّعانِ في قصَّةِ عُويمرٍ العجلاَنيِّ وهلالِ بن أميَّةَ، فحُكمُهَا عامٌّ للأمَّةِ بناءً على هذا الأصلِ.
[ ٢٧٦ ]
ومن الدَّليل على هذه القاعِدَةِ: حديثُ عبد الله بن مسعودٍ ﵁: أنَّ رجلًا أصابَ من امرأةٍ قُبلَةً، فأتَى النَّبيَّ - ﷺ - فَذكرَ ذلكَ لهُ، قالَ: فنَزَلتْ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، قالَ: فقالَ الرَّلُ: ألِي هذهِ يا رسول الله؟ قالَ: «لمنْ عملَ بها من أُمَّتي» [متفقٌ عليه]، وفي روايةٍ لمسلمٍ: فقالَ رجلٌ من القومِ: يا نبيَّ الله، هذا لهُ خاصَّةً؟ قالَ: «بلْ للنَّاسِ كافَّةً» .
وممَّا يُؤكدُ هذه القاعدَةَ عَدَمُ مجيءِ أكثرِ النُّصوصِ؛ خاصَّةً نصوصَ القُرآنِ الَّتي نزلتْ لأسبابٍ؛ بتسميةِ من كانَ سببًا في نزولهاَ، بل يأتي اللَّفطُ عامًّا ليكونَ تشريعًا لجميعِ أهلِ الإسلامِ بدلالةِ العُمومِ.
إلاَّ أنَّ معرفَةَ أسبابِ نُزولِ القرآنِ وأسبابِ وُرودِ الحديثِ من أعظمِ ما ينتفِعُ بهِ الفقيهُ في فهمِ نصُوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ، فإنَّها تُساعدُ لإدراكِ حقيقَةِ الحُكمِ، أو صفَتِهِ، أو موضِعِهِ، وهذا بابٌ تزِلُّ فيه الأفهامُ كثيرًا.
"تنبيه:
ذهبَ بعضُ الحنابلَةِ للتَّخصيصِ أحيانًا بالسَّببِ الَّذي ورَدَ عليهِ النَّصِّ بما يُسمُّونهُ: (التَّخصيصُ بقضايا الأعيانِ)، ويُمثِّلونَهُ بحديثِ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ قالَ: رخَّصَ النَّبيُّ - ﷺ - للزُّبيرِ
[ ٢٧٧ ]
وعبد الرَّحمنِ بنِ عوفٍ في لُبسِ الحريرِ لِحكمَةٍ بهِمَا [متفقٌ عليه]، قالُوا: هذهِ قضيَّةٌ مُعيَّنةٌ وردَ فيهَا الإذنُ على حالٍ لم نطَّلهْ عليهَا، وهيَ تحتمِلُ وتحتَملُ، فلاَ يصحُّ أن تكونَ تشريعًا عامًّا للأمةِ.
والجُمهورُ على خلافِ هذا الرَّأي، والحديثُ عندَهُم حُجَّةٌ على إباحَةِ الحريرِ لِعلَّةٍ، ولا يجوزُ أن يُلغَى العملُ بنصٍّ قدْ ظهرَ وجهُ الدَّلالةِ منهُ بوجهٍ من الظُّنونِ، وهذا يقعُ بهِ ردُّ كثيرٍ من النُّصوصِ الوارِدَةِ على أسبابٍ بمُجرَّدِ الهوَى.
٣ـ الخِطابُ الموَّجهُ للنَّبي - ﷺ - عامٌّ في حقِّ أُمَّتهِ ما لمْ يرِدْ دليلُ التَّخصيصِ.
كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عليهم﴾ [التوبة: ٧٣]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١]، وقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .
فهذه النُّصوصُ وشِبهُهَا وإن توجَّه فيها الخِطابُ لفظًا إلى النَّبيِّ - ﷺ - فهوَ لأمَّته، لا بصيغتِه وإنَّما باعتبارِ معنى الرِّسالةِ، فهوَ مأمورٌ بالتَّبليلغِ ليتَّبع، وقد قال الله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:
[ ٢٧٨ ]
٢١]، وقدْ تواترَتِ النُّقولُ عن أصحابِ النَّبيِّ - ﷺ - في مُتابَعتِهم لهُ في كلِّ شيءٍ إلاَّ ما يُبيِّنُ لهمُ اختِصاصُهُ بهِ.
٤ـ قولُ الصَّحابيّ: (نهيى رسول الله - ﷺ - عن بيعِ الغرَرِ) وشِبهُهُ، يفيدُ العُمومَ.
هذا مذهبُ جمهورِ العُلماءِ بناءً على أنَّ الصَّحابيَّ حينَ حكَى ذلكَ عامًّا فهوَ من أهلِ اللِّسانِ ويُدركُ موارِدَ النُّصوصِ.
٥ـ لفظُ العُمومِ من جهةِ تناوُلهِ للذُّكورِ والإناثِ على ثلاثةِ أنواعٍ:
[١] ما يدخلُ فيه الذُّكورُ والإناثُ بلا خلافٍ، كلفظِ (النَّاسِ) و(القوم)، و(الطَّائفة) و(الفرقة)، و(مَنْ) المستعملة للعاقلِ.
[٢] ما يختصُّ بكلِّ جنسٍ بلا خلافٍ، كلفظِ (الرِّجالِ، والذُّكورِ) و(النِّساءِ، والإناثِ) .
[٣] ما اختُلفَ فيهِ، وهوَ ما كانَ لفظُه للذُّكورِ ويحتملُ أن يدخُل فيهِ الإناثُ لأنَّه استُعملَ بصيغَةِ المذكَّرين، كالجُموعِ المُذكَّرة السَّالمَة، مثلُ: (مسلمينَ، مُحسنينَ، متَّقينَ، الَّذين)، وضمائرُ جماعةِ الذُّكورِ مثلُ: (آمَنوا، أمِنُو، أقيمُوا، آتُوا، يقيمونَ) .
والتَّحقيقُ من مذاهبِهم وهوَمذهبُ الجُمهورِ: أنَّ الإناثَ يدْخُلنَ فيهِ ما لمْ يرِدْ ما يدلُّ على التَّخصيصِ بالذُّكورِ غيرُ مُجرَّدِ الصِّيغةِ، فقدْ
[ ٢٧٩ ]
جرى على ذلكَ العملُ في الصَّدرِ الأوَّلِ من غيرِ تفريقٍ، حيثُ وجدُوا في لُغتِهم ما يُسوِّعُه، وهو أن يُخاطِب النَّاسُ بصيغَةِ الذُّكورِ مع وُجودِ الإناثِ فيهِم تغليبًا، إمَّا للزِّيادَةِ في التَّكليفِ، وإمَّا للتَّقدُّمِ في جانبِ الرِّعايةِ والقِوامَةِ، أو لغيرِذلكَ، ومن ذلكَ قوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢] .
أمَّا ما احتجَّ به بعضُ الشَّافعيَّةِ من حديثِ أمِّ سلمَةَ ﵂ قالتْ: قلتُ للنَّبيِّ - ﷺ -: ما لنَا لا نُذكرُ في القرآنِ كما يُذكرُ الرِّجالُ؟ قالتْ: فلمْ يرُعْني منهُ يومئذٍ إلاَّ ونِداؤُه على المِنبرِ، قالتْ: وأنا أُسرِّحُ شعري، فلفَفتُ شعري ثمَّ خرجْتُ إلى حُجرَةٍ من حُجرِ بيتي، فجعلتُ سمعِي عندَ الجريدِ، فإذا هوَ يقولُ على المنبرِ: «يا أيُّها النَّاسُ، إنَّ الله يقولُ في كِتابهِ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] [أخرجه أحمدُ والنِّسائي في «التَّفسير» بإسنادٍ صحيحٍ]، فهذا ليسَ فيهِ اختصاصُ كلِّ جنسٍ بما وردَ بخُصوصِه لفظًا، إنَّما الَّذي فيه أنَّ الشَّرائِعَ تنزلُ في القرآنِ عادَةً بصيغَةِ التَّذكيرِ، وهوَ وجهُ إيرادِ أمِّ سلمَةَ، ففيهِ ما يوميءُ إلى أنَّها أرادَت الشَّرائِعَ للرِّجالِ والنِّساء.
٦ـ اللَّفظُ العامُّ بعد التَّخصيصِ يبقى عامًّا فيما لم يخُصَّ.
[ ٢٨٠ ]
كقوله تعالى بعد ذِكر المُحرَّماتِ من النِّساءِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ولم يكُن في تلك المُحرَّماتِ: الجمعُ بين المرأةِ وعمَّتهاَ، أو خالتهَا، وإنَّما جاءتْ به السُّنَّةُ، فخصَّتِ العُموم الوارِدِ في قوله تعالى: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، وبقي العُمومُ فيما عداهَا، فالمُحرَّماتُ من النِّساءِ ما تقدَّم في الآياتِ على قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ مُضافًا إليهنَّ الجمعُ بينَ المرأةِ وعمَّتِهَا أو خالتِهَا، ويبقى الحِلُّ لما وراءَ ذلكَ على عُمومِهِ.
٧ـ لا يُشترطُ في المُخصَّصِ أن يأتي مُقارنًا للعُمومِ.
هذا مذهبُ جمهورِ العلماءِ، خلافًا للحنفيَّةِ، فعندهُم: العامُّ قطعيُّ الدَّلالةِ، والخاصُّ قطعيُّ الدَّلالةِ، فإذا تأخَّر دليلُ التَّخصيصِ دلَّ على نسخِ العُمومِ.
والتَّحقيقُ: أنَّ العامَّ ظنِّيُّ الدَّلالةِ على ما يدخُلُ تحتَهُ من الأفرادِ، ولعلَّهُ لا يخلو عامٌّ من تخصيصٍ بوجهٍ من الوُجوهِ، والمُتأمِّلُ للأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ يجدُ ذلكَ واضحًا فيهَا، فكيفَ يصلُحُ أن يكون شاملًا لكلِّ فردٍ من أفرادِهِ غير المحصورينَ على سبيلِ القطعِ؟ وفي الأدلَّةِ المذكورةِ آنفًا على حجِّيةِ العُمومِ ما يؤكِّدُ صحَّةَ مذْهبِ الجُمهورِ.
٨ - العامُّ حُجَّةٌ بنفسهِ لا يتوقَّفُ القولُ بهِ على البحثِ عن المُخصَّصِ.
[ ٢٨١ ]
وهذه مسألةٌ فيها قولانِ، هذا أحدُهمَا، والثَّاني: لا يجوزُ الاستِدلالُ بهِ حتَّى ينتفي المُخصَّصُ، لأنَّ احتمالَ التَّخصيصِ واردٌ عليهِ، فهوَ دليلٌ بشرطِ السَّلامَةِ من المُعارضَةِ.
وهذا القولُ الثَّاني ضعيفٌ من جهةِ أنَّ أكثر أدلَّةِ الفقهِ ظنيَّةُ الدَّلالةِ، ليسَ العُموم فقطْ، وطلبُ السَّلامَةِ من المعارضِ مطلوبَةٌ في كلِّ دليلٍ من تلكَ الأدلَّةِ، لكنْ هذا لا يعني التَّوقُّفَ في الدَّلالةِ الظَّاهرَةِ لتلكَ الأدلَّةِ، بل هيَ واجبَةُ الامتثالِ على ما ظهرَ منها حتَّى يوجَدَ خلافُهُ.
لكنْ يُمكنُ القولُ: جدِيرٌ بالفقيهِ التَّثبُّتُ في كلِّ حكمٍ دلالةُ النَّصِّ عليهِ ظنيَّةٌ قبلَ المصيرِ إلى القولِ بذلكَ الحُكمِ.
* * *
[ ٢٨٢ ]