صيغةُ النفي صيغةٌ خبريَّةٌ، لكنَّها تجيءُ بمعنى النَّهي في صورتينِ:
١ـ أن تدخُلَ على لفظٍ شرعيٍّ من أسماءِ الجِنسِ النَّكراتِ، كلفظِ
[ ٢٥٩ ]
(صلاةٍ، نذرٍ، شِغارٍ) كقوله - ﷺ -: «لا صلاةَ بعد الصُّبحِ حتى ترتفِعَ الشَّمسُ، ولا صلاةَ بعد العصرِ حتَّى تغيبَ الشَّمسُ» [متفقٌ عليه عن أبي سعيد الخُدريِّ] وقوله - ﷺ -: «لا نذْرَ في معصيَةِ الله» [أخرجه مسلمٌ وغيرهُ عن عِمرانَ بن حُصينٍ]، وقوله - ﷺ -: «لا شغارَ في الإسلامِ» [أخرجه مسلمٌ عنِ ابن عُمرَ] .
فهذه (لا) النَّافيةُ للجنسِ، دلالتُهَا في الأصلِ عندَ جُمهورِ أهل العلمِ لنفيِ الصِّحَّةِ، وإنَّما يُصارُ إلى نفي الكمالِ بدليلٍ يصرفُها عن هذه الدَّلالةِ، ونفيُ الصِّحَّةِ يعني فساد المنفيِّ وبُطلانَهُ، ونفيُ الكمالِ يعني نقصانَهُ، وتلك هي دلالةُ النّهي كما تقدَّم.
٢ـ أن تدخلَ على فعلٍ معَ امتناعِ أن يُرادَ باللَّفظِ مجرَّدَ الخبرِ بقرينةٍ لفظيَّةٍ أو حاليةٍ، وإليكَ ثلاثةَ أمثلةٍ:
[١] قولهُ - ﷺ -: «لا تُجزيءُ صلاةُ الرَّجلِ حتَّى يقيمَ ظَهْرَهُ في الرُّكُوعِ والسُّجودِ» [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أصحابُ السُّنن عن أبي مسعودٍ البدريِّ]، فنفيُ الإجزاءِ صريحٌ في الدَّلالةِ على البُطلانِ والفسادِ، وذلكَ مُقتضى النَّهي، وهذه قرينَةٌ لفظيَّة.
[٢] قوله - ﷺ -: «لا تُقبلُ صلاةٌ بغيرِ طُهورٍ، ولا صدَقةٌ من غُلولٍ» [أخرجه مسلمٌ عن ابنِ عمرَ]، فنفيُ القبولِ كنفيِ الإجزاءِ، وهيَ قرينةٌ لفظيَّةٌ كذلكَ.
[ ٢٦٠ ]
[٣] قوله - ﷺ -: «لا تُنكحُ الأيِّمُ حتَّى تُستأمرَ، ولا تُنكحُ البِكرُ حتَّى تُستأذنَ» [متفقٌ عليه عن أبي هريرةَ]، فهذا النَّصُّ لو أجرينَاهُ مُجرَى الخبرِ بناءً على مُقتضى اللَّفظِ لم يكُن مُطابقًا للواقعِ، فإنَّ الواقعَ أنَّ الأيِّمَ والبكرَ تُنكحانِ في أعرافِ كثيرٍ من النَّاسِ بغيرِ استئمارٍ ولا استِئذانٍ، فلمَّا امتنعَتْ إرادَةُ الخبرِ دلَّ على أنَّ معناهُ الإنشاء، وهوَ النَّهي.
* * *
[ ٢٦١ ]